منتديات الحياة الابدية

مجلة الحياة الابدية - شات الحياة الابدية - الكتاب المقدس مسمـوع - قناة الطريق - altarektv - قناة الحقيقة - The Truth Tv

الكتاب المقدس الالكتروني - افلام دينية مسيحية - قناة سى تى فى - ctv - تفسير الكتاب المقدس - مكتبة الترانيم والبومات المرنمين - مكتبة العظات الدينية

مركز رفع الصور - صفحات الفيس بوك المسيحية - الاعلان على منتديات الحياة الابدية - ترانيم سماع وتحميل مباشر - السنكسار اليومي

Follow us Youtube Rss Twitter Facebook


العودة   منتديات الحياة الابدية > روحانيات الحياة الابدية > الكتاب المقدس > كتب مسيحية

كتب مسيحية كتب مسيحية للتحميل,كتب للتحميل,كتب دينية,كتب دينية مسيحية,تحميل كتب مسيحية,موقع كتب مسيحية,مكتبة كتب مسيحية,مواقع مسيحية,مواقع كتب مسيحية ,الكتاب المقدس, المقدس, الكتاب, يسوع, المسيح, قراءة الكتاب المقدس, اقرأ, ابحث, ابحث في الكتاب, اسفار, معجزات


كتاب نهضة من الله .. وسيرنا مع الله اليوم ... بقلم .. فريدريك وليم جرانت

"اسألوا عن السبل القديمة" إرميا 6: 16 (4) نـهضـة مـن الله وسيرنا مع الله اليوم بقلم فردريك وليم جرانت تعريب مراد فارس المصـنـَّـف

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-17-2011, 03:07 PM   #1
جون وسيم
خادم للجميع
 
الصورة الرمزية جون وسيم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2011
الدولة: مع المسيح
العمر: 39
المشاركات: 7,975
معدل تقييم المستوى: 15
جون وسيم عضو جديد
افتراضي كتاب نهضة من الله .. وسيرنا مع الله اليوم ... بقلم .. فريدريك وليم جرانت

مشاركة
"اسألوا عن السبل القديمة"
إرميا 6: 16
(4)
نـهضـة مـن الله
وسيرنا مع الله اليوم
بقلم
فردريك وليم جرانت
تعريب
مراد فارس

المصـنـَّـف : نهضة من الله

الكـاتـــب : ف. و. جرانت
المعرِّب : مراد فارس

الناشــــر : بيت عنيا – مركز المطبوعات المسيحية
ص.ب. 36 رمسيس - القاهرة

المطـبـعـة : الشركة المصرية للطباعة «شبرد»
( 26362381 - القاهرة

التـوزيــع : المكتبات المسيحية

رقم الإيداع بدار الكتب القومية : 20018- 2009

التــرقـيـم الدولــــي : 977-5068-93-2

الطـبـعـة الأولـــــى : أكتوبر 2009

نهضة من الله
الفهرس

رقم الصفحة

فردريك وليم جرانت .......................................
5
مقدمة بقلم روجر ب. دانيل ...............................
9
مقدمة الكاتب .................................................
11
الفصل الأول
- فيلادلفيا .. ما هي؟ ..........
13
الفصل الثاني
- الغالب في فيلادلفيا ...........
19
الفصل الثالث
- حفظتَ كلمتي .................
27
الفصل الرابع
- القدُّوس الحق ..................
37
الفصل الخامس
- لم تنكر اسمي .................
43
الفصل السادس
- بمن ارتبط .....................
53
الفصل السابع
- استقلالية أم دائرة شركة ....
65
الفصل الثامن
- الإكليروسية والكنيسة الجامعة
75
الفصل التاسع
- الهرطقة ........................
81
الفصل العاشر
- الكنيسة وخدمتها العملية .....
91
















فردريك وليم جرانت
1834 – 1902
ولد فردريك وليم جرانت في إحدى ضواحي مدينة لندن بانجلترا لأسرة تقية أنجليكانية، وقبِل المسيح مخلِّصًا شخصيًا في سن مبكرة. وألحقه أبوه بالتعليم العسكري بالكلية الملكية تمهيدًا لأن يصبح ضابطًا في الجيش الملكي البريطاني، لكنه لم يتحمل ما تقتضيه الحياة العسكرية من قطع الروابط الاجتماعية والروحية، فترك دراسته العسكرية، مما كان يمثل نقطة فشل بالنسبة له. ولما بلغ به اليأس مبلغه، هاجر إلى كندا في سن الحادية والعشرين. وإذ كانت الكنيسة الأنجليكانية بانجلترا تعمل بنشاط لإنشاء أبروشيات لها في كندا، التي كانت جزءًا من المملكة المتحدة في ذلك الوقت، فقد اختير فردريك بعد اختباره كراعي كنيسة أنجليكاني غير متفرغ هناك، حيث لحق به شقيقه روبرت، وسلك ذات المسلك وصار أيضًا راعيًا أنجليكانيًا. وفي نفس الوقت درس فردريك علم الصيدلة، وعمل في صيدلية يملكها أحد المؤمنين الذين لهم شركة مع جماعة الإخوة، والتي كان يعتبرها فردريك طائفة خطيرة ينبغي عليه تجنبها. إلا أنه في وقت الفراغ كان يطالع بعض الكتب من المكتبة الثريَّة التي لصاحب الصيدلية، مما انتهي به إلى تغيير فكرته عن هذه الجماعة، واقتنع أنهم على العكس مما كان يظن، وأنهم يطبقون كلمة الله بأمانة. وحوالي سنة 1860 استقال كلٌّ من فردريك وشقيقه روبرت من الكنيسة الأنجليكانية تاركين «التنظيمات البشرية» حسب تعبير خطاب استقالتهما، لينضما إلى الإخوة المجتمعين إلى اسم الرب.
وقد تميز فردريك جرانت بعمق كبير في فهم كلمة الله وغيرة شديدة على الحق. وكان له منهجه الخاص في دراسة الكلمة من الزاوية الرقمية، حيث كان له فهم متميِّز لمعاني الأرقام، مع دقة متميِّزة في استخدام التعبيرات الكتابية في موضعها الصحيح، وترك لنا كنزًا من الكتابات التفسيرية والتعليمية العميقة، أشهرها مجموعة «الكتاب المقدس العددي» الذي هو تفسير لكل الكتاب معتمدًا بصفة رئيسية على معاني الأعداد.
وقد خدم فردريك جرانت الرب في جيله حتى رقد في الرب في 25 يوليو 1902[1].
والكتاب الذي بين يديك هو من أهم ما كتب فردريك جرانت، لأنه يشرح الأسس التي قامت عليها ما نسميها بالنهضة الفيلادلفية، والتي هي أعظم نهضة روحية في تاريخ المسيحية من بعد العصر الرسولي، والتي ورثنا نحن مسؤولية حفظها.
وقد قام الأخ روجر دانيل بمراجعة الصياغة اللغويَّة الإنجليزية لهذا الكتاب لاستدراك أثر الفارق الزمني بين تاريخ الكتابة ووقتنا الحاضر، وقام بإعادة نشر الكتاب عام 1990 كفاتحة لسلسلة من كتابات رجال الله الموهوبين من ذلك الجيل، باسم سلسلة "المسيحي اليوم" وقامت بنشرها دار "مكتبة المؤمنين" في بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية والترجمة التي بين يديك مأخوذة عن هذه الطبعة.
ومن المهم أن يلاحظ القارئ أن الكاتب يستخدم كلمة «مسيحي» بمعنى شخص مولود من الله، ولا يعتبر أنها تنطبق على المسيحي بالاسم، وهذا هو مفهوم الكلمة الكتابي الصحيح.



مقدمة
بقلم ر. ب. دانيِّل
ناشر سلسلة "المسيحي اليوم"
اخترنا كتاب "نهضة من الله" لفردريك وليم جرانت ضمن المجلد الأول لهذه السلسلة، وذلك لتفرُّده في عرض الحق الهام العملي الذي يتناوله، مع كونه ليس سهلاً على القارئ.
هذه الحقائق بوجه عام لم يعد هناك من يعلِّمها للمسيحيين اليوم، أولاً لأنها غير مألوفة، ولا تتوافق مع المركز الذي اتخذه معظم القادة المسيحيين لأنفسهم، ثم ثانيًا ربما كان كثيرون منا يعرفون هذه الحقائق، ولو بدرجات متفاوتة، وكان واجبًا عليهم أن يعلِّموا بها، ولكنهم يخشون أن يتكلموا مع الآخرين في ما فشلنا نحن في السلوك بموجبه. ثالثًا قد يظن البعض أن الدخول في التفاصيل الدقيقة للحقائق المختصَّة بكنيسة الله هو من الأمور الصعبة بالنسبة للشباب، وأنهم ليسوا في حاجة عملية لمعرفتها.
إلا أن موضوع كنيسة الله، والفهم الكامل لعلاقتنا العملية بها، هو من أهم التعاليم والحقائق التي يمكن للمسيحي أن يتعلمها. فالكنيسة هي غرض المسيح الأسمى في تدبيرنا الحاضر، فهو الرأس السماوي، وكل مؤمن نال الخلاص في بساطته هو عضو في جسد المسيح، الذي هو الكنيسة. "أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا، لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ، لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ.... لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ.... هذَا السِّرُّ عَظِيمٌ، وَلكِنَّنِي أَنَا أَقُولُ مِنْ نَحْوِ الْمَسِيحِ وَالْكَنِيسَةِ" (أف 5: 22-33).
وإني أصلي أن ما نستعرضه فيما يلي من أفكار خادم الرب فردريك جرانت بشأن علاقتنا العملية بالكنيسة الحقيقية، يجعل كل منا يبحث أولاً المكتوب بتدقيق، ثم ثانيًا نطبِّقه على قلوبنا، وهذان أمران غالبًا ما لا يتفقان مع رغبة قلوبنا، ربما لأننا نخشى نتائج فحص كهذا لذواتنا. والموضوعات التي يناقشها الأخ جرانت هنا من كلمة الله هي بلا شك "الطعام القوي" وليست "اللبن"، لكنني موقن أن الكلمات والأفكار في هذا الكتاب يمكن أن يستوعبها كل دارسي كلمة الله الذين لهم الرغبة في التغذي على طعام الكلمة وغرضهم أن يهضموا المكتوب، بدلاً من أن يكتفوا بالسطحية وما يسهل من الحق، حتى ولو كان لبن الكلمة المقدسة.
روجر ب. دانيل
1990

مقدمة الكاتب
غرضي من هذا الكتاب أن نتتبَّع نهضة مباركة صنعها الله، وأن نسترجع المبادئ الروحية التي اصطبغت بها. كذلك أودُّ أن أستعرض العقبات والمقاومات التي واجهت تلك النهضة. وغايتي هي أن يتمتع كل مؤمن ببركاتها، وأن أجيب في نفس الوقت على أسئلة قد تقف أمام بعض من اختبروا هذه البركة بالفعل، «والذين عادة ما يسميهم الناس عامة "الإخوة" وأحيانًا يسمونهم "الإخوة البلموس"[2]، مع أنهم هم أنفسهم لا يقبلون على أنفسهم مثل هذه المسميات» (إدوارد دينيت).
وليس قصدي أن أتتبع تاريخ هذه الحركة، لأن التاريخ قد يجعل الفكر ينحاز في اتجاهات مضادة لهدفي حتى لمجرد ارتباطه بأسماء معينة. فنحن عادة ما نقبل الحق عندما يعلِّم به أشخاص معينون مقبولون لدينا، بدلاً من أن يكون اتباعهم للحق هو مصدر قبولهم عندنا. لذلك فإنني سأتجه بالنظر مباشرة إلى المبادئ، وأثرها الحتمي على سلوكنا، وسيقتصر رجوعي إلى التاريخ عندما تقتضي الحاجة فقط.
لذلك فإنه على كل واحد أن يطبِّق هذه المبادئ على نفسه، وهذا يكون محببًا للنفس متى صاحبه نور من الله، وفكر غير متحيز أمامه. عندئذ فالحق سيمتحننا بكل تأكيد ليكشف لنا إن كنا حقًا سالكين في طريق الله. لذلك دعونا لا نحاول الهروب من اختبار كهذا، حتى ننال البركة التي لنا عند الله.
قد يدفعنا شعورنا بالضعف، وربما محبتنا بعضنا من نحو بعض، أن نحاول الهروب من امتحان كهذا عندما يأتي أوان الغربلة، ولكن ذلك ليس من الحكمة ولا من الإيمان. إن الشيطان هو الذي أوكل إليه أن يغربل حنطة الله، وإنه لأمر خطير أن نسمح له بالانتصار، لأن الغربلة هي طريق الله لتنقيتنا. خذ مثلاً سمعان بطرس في الأناجيل، نجده في خطر حقيقي، والرب كان يعلم أنه هو بالذات معرض للسقوط، وأن بطرس ليس بإمكانه أن يحفظ نفسه عندما يتعرض لعملية الغربلة، لذلك يقول له الرب: "طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ" ليس لكي لا تُغربَل، بل "لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ. وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ" (لو22: 32). هكذا نجد أنه لابد أن تأتي بركة من وراء غربلة الشيطان، حتى لمن قد يبدو كأنه فشل تمامًا أمامها.
يا لها من تعزية لنا في هذا! فإن الرب مستعد لأن يضع بين أيدينا أي عمل لأجله. والعجيب في ذلك أنه يُسَر بأن يجعلنا نختبر في وسط الحزن والضيق فوائد غربلة الشيطان، إذ بها ينكسر جمودنا، وتتحطَّم ثقتنا في ذواتنا.

الفصل الأول
فيلادلفيا
ما هي؟
لكي نجيب على هذا السؤال أقترح أن نستعرض باختصار خطابات الرب إلى الكنائس السبع في رؤيا 2، 3 وهي خطابات نبوية، عن سبع حالات للكنيسة على وجه عام، تغطي الفترة من أيام الرسل إلى الاختطاف، والتطابق بين هذه النبوَّة والتاريخ هو الدليل المؤكَّد على ذلك، ولنستعرض أولاً باختصار الكنائس الخمس الأولى منها.
أفسس
هي الكنيسة التي بسبب محبتها النقية أعطاها الرسول بولس تعليم الكنيسة، ولكنها أظهرت في تاريخها بداية الانحدار. كانت الأمور من حيث الظَّاهر تبدو حسنة كما هي، والانحراف لم يميِّزه سوى الله، فلم تعد لها المحبة المتميِّزة، وهذه كانت بداية النهاية، فهذا أصل كان لابد أن ينتج ثمرًا فاسدًا ما لم يعالج.
سميرنا
تُبيِّن لنا هجوم الشيطان المزدوج ضد الكنيسة وهي في حالة الضَّعف هذه. فمن الخارج كان اضطهاد الدَّولة الرومانية، ومن الدَّاخل كان هناك إدخال لليهودية إلى المسيحية، الأمر الذي كان يمثِّل بذور زوان زرعها العدو - المعبَّر عنه بمجمع الشيطان - حتى يمزج الحق مع الباطل في نظام ناموسي طقسي يدَّعي أن له ميراث الأرض والمواعيد، ويفتري (أو يجدف) على البقية الأمينة.
برغامس
تكشف لنا عن فقدان الكنيسة لصفتها كمتغرِّبة، فقد سكنوا حيث "كرسي (أي عرش) الشيطان". والنقولاويون الذين يتسيَّدون دينيًا على العامة قد تقلدوا سلطانهم، بينما تعليم بلعام يدفع شعب الله إلى الوثنية والتحالف الآثم مع العالم.
ثياتيرا
وفيها نرى اكتمال نتائج ما بدأ في برغامس في نظام روما. قبلاً كان ما يعلِّم به بلعام له عمله في أفراد، ولكن امرأة (صورة للكنيسة المعترِفة) تتكلم الآن كنبيِّة، مدَّعية السلطان الإلهي، ولكن الله يلقِّبها بالاسم الرهيب "إيزابل" الوثنية مضطهدة الأنبياء الحقيقيين في أيام آخاب، ولكن نمو هذا الشر يتوقف عند هذا الحد، بينما تبدأ بقية في الظهور من جديد، يعبَّر عنهم بأنهم "الباقون في ثياتيرا"، تمهيدًا لحالة مختلفة في الخطاب التالي.
ساردس
بالتالي فإننا في ساردس لا نجد "إيزابل" ولا فسادها، ولكن هناك ما أخذوه وما سمعوه، إلا أنهم قاربوا الموت، والحالة العامة حالة موت، ولكن مع "اسم أنه حيٌّ" وتبقى "أسْمَاءٌ قَلِيلَةٌ... لَمْ يُنَجِّسُوا ثِيَابَهُمْ" في موضع الموت هذا. وهنا نرى كنائس الإصلاح الوطنية، التي تديرها حكومات، والتي لها تعاليم روحية، لكنه من الصعب أن تُحفظ تلك التعاليم في وسطٍ ميِّتٍ روحيًا بواسطة مجرد اسم حيٍّ، حتى وإن كان العالم يعتبرها الكنيسة الحقيقية.
هذا يأتي بنا إلى فيلادلفيا. فإذا كان التفسير السابق صحيحًا، فإن فيلادلفيا تكون شيئًا قد تبلور في زمن ما بعد الإصلاح، ولكن خارج حالة الكنائس الميِّتة روحيًا.
لقد نالت فيلادلفيا مصادقة الرب بطريقة لا نظير لها في باقي الكنائس السبع، باستثناء سميرنا، التي تشترك معها في بعض الخصائص، مع وجود اختلافات. فنجد أن "مجمع الشيطان" يعاود الظهور هنا مرة أخرى كما رأيناه في سميرنا، كما يلوح في الأفق إحياء المبادئ اليهودية بالارتباط بهذا المجمع، أو على الأقل هناك ما جعل الرب يُبرز ظهور هذه المبادئ في خطابه إلى فيلادلفيا.
من الممكن أن نتفهَّم لماذا يُحجِم المسيحيون عن أن ينسبوا لأنفسهم ما يمتدحه الرب هنا، مع أن مصادقة كهذه تجعل كل مسيحي يتمنى أن يكون في الوضع الذي يمتدحه الرب هنا. ولكن طالما أن الظروف المحيطة لا يمكن أن تجعل تحقيق شروط الرب لنوال هذه المصادقة مستحيلاً، فلابد أنه وُجد أشخاص فيلادلفيُّون (أي لهم حالة فيلادلفيَّة) في كل جيل منذ أن كتبت كلمات الوحي هذه.
إنه أمر مبارك أن نسمع الرب يصف ما يصادق عليه في فيلادلفيا في كلمات بسيطة: "حفظتَ كلمتي".. "لم تنكر اسمي".. "حفظتَ كلمة صبري". هذه كلها تبدو أمورًا بسيطة، وهي بالنسبة للشخص المستند على الله أمور طبيعية، ولكن إذا كنا نطبقها بعناية، ولا نمُرُّ عليها مرور الكرام، فإنها كلمات تفحص دواخلنا حتى الأعماق.
ومع أنه كان هناك دائمًا أفراد فيلادلفيُّون، فإن النهضة الفيلادلفية هي أمر آخر، وهذا ما ينبغي أن نبحث فيه كنهضة حدثت بعد الإصلاح. ونحن لا ينبغي أن نتملَّق أنفسنا وننسب لأنفسنا ما ليس فينا، ولكن ما يجب أن نضعه في اعتبارنا أنه وجدت بالفعل نهضة كهذه. فما هي علاقتنا الآن بها؟ هذا قد يثير أسئلة محيِّرة، وكم يكون الأمر محزنًا إن لم نجد الإجابة الشافية.
ما دام الرب قد أعطاني هذه الرسائل التي تبيِّن علاقته بالكنيسة في أطوارها المتتابعة على الأرض، فواجب عليَّ أن أسأل نفسي: أين أقف أنا، وإلى أي طور أنتسب؟ فإن كنت لا أجد نفسي في ذلك الصف الذي ينتهي في ثياتيرا (البابوية، أو الكنيسة التقليدية)، كما أنني لا أنتسب إلى حالة كنائس الإصلاح وما تكوَّن من كنائس على غرارها، فلابد أنني سأجد مكاني إما في فيلادلفيا أو لاودوكية سابعة الكنائس.
وطالما أن الروح القدس يعمل في وسط حالة كهذه التي نراها في ساردس، ليس فقط ليحفظ بقية، ولكن أيضًا في شهادة ضد الشر، ففي أي اتجاه سيعمل؟ إنه سيعمل على أن يفصل الأحياء روحيًا عن الأموات روحيًا، وسيقود المسيحيين لأن تكون لهم شركتهم الخاصة، معبِّرين عن ما تعنيه كلمة "فيلادلفيا"، وهو "محبة الإخوة".
وقد صبغ بالفعل عمل الروح هذا الكثير من النهضات التي قامت منذ حركة الإصلاح، ولو بدرجات متفاوتة، فقد علَّمت تلك النهضات بانفصال المسيحيين عن العالم، ومارسته أيضًا، كما كانت لها الشركة المسيحية كحقيقة منظورة، وإن كانت إلى مدى محدود. وكان دائمًا يصاحب الاعتراض على منح عضوية الكنيسة لغير المؤمنين، وكل دعوة للحفاظ على الفوارق بين الكنيسة والعالم، إبرازٌ لحقيقة وحدة الكنيسة العملية. وكلمة "فيلادلفيا" أي المحبة الأخوية، تتضمن كل هذه المحاولات لأن تصير الكنيسة الحقيقية ظاهرة فعلا، بعد أن ظلَّت لقرون تحسب غير منظورة، بسبب أنها كانت مختفية في العالم تحت ديانة الإنسان.
لذلك فإن فيلادلفيا تتميز في تاريخ المسيحية المعترفة بكونها نهضة لها خصائص كثيرة تختلف فيها عن غيرها. وقد يستخدم البعض تلك الاختلافات لإنكار صفة فيلادلفيا كشيء يتميز بمسلك محدد لشعب الله اليوم، ولكن هذه نظرة سطحية للأمور، وإذا فحصنا رسالة الرب إليها سنعدِل عن هذه الفكرة التي قد تعنُّ لنا لأول وهلة، وسنفهم أن كلمة الله تستحق الأمانة الكاملة في طاعتنا لها، حتى ننال بركة الرب. والآن لنفحص التحذير الأول الذي ينذرنا به الرب في خطابه إلى كنيسة فيلادلفيا.


الفصل الثاني
الغالب في فيلادلفيا
إذا كان غرض الفيلادلفي هو انفصال الكنيسة عن العالم، واستعادة وضع الكنيسة على الأرض كوحدة ظاهرة، فكم تكون أهمية قول الرب "لك قوة يسيرة". إن عملاً كهذا لا يمكن أن يكون مصدر القوة لتحقيقه في الإنسان، بالرغم من تقدير الرب في نعمته لما عند الفيلادلفي. والحالة المثالية لا يمكن أن تتحقق، ولكن يجب أن نميز بين أمر كهذا وبين أن يكون هناك هدف وهمي. لقد كان المقاومون على حق حين قالوا إن المستوى المسيحي الصحيح لا يمكن الوصول إليه عمليًا، ولكن مع ذلك فإن كل مسيحي يعْلَم كذلك أن سلوكه كما سلك المسيح ليس هدفًا وهميًا على الإطلاق.
لو تأملنا جهود المسيحيين الحثيثة للسير مع الله، فلابد أننا سندرك أن سيرنا في الطريق الذي يقودنا فيه المسيح يستلزم أعمق اتضاع، حتى لا نتعرض لعملية الإخضاع القاسية. والتحذير الموجَّه إلى الفيلادلفي جدُّ خطير، لأن كل شيء يتعلق باستماعه له: "تَمَسَّكْ بِمَا عِنْدَكَ لِئَلاَّ يَأْخُذَ أَحَدٌ إِكْلِيلَكَ". فالغلبة للفيلادلفي لن تكون إلا بالتمسُّك بما عنده، فهذا العدد (رؤ3: 11) يبين أن الشر الوحيد المحتمل في فيلادلفيا هو عدم التمسك بما عندهم.
وكون قوة فيلادلفيا يسيرة يضفي أهمية خاصة على هذا التحذير، فقصورنا عن بلوغ الكمال، وقصر خطواتنا في التقدم نحوه، والضعف الذي يظهر فينا كما في الآخرين، كل هذه العوامل تُحبط قلوبنا. ولكن ما قد يبدو لنا أنه فشل في المبادئ هو في حقيقة الأمر فشل من جهتنا في تطبيق هذه المبادئ، فالعيب فينا وليس في المبادئ ذاتها.
فعندما تفشل المبادئ لكونها سماوية صرفًا، فلم نستطع أن نسلك بموجبها، نظن أحيانًا أنه من الحكمة أن نخفِّف من سموها بعض الشيء، وقد نعتقد أنه إذا كان السلوك الأقل مستوى، أو الأرضي نسبيًا، هو الأكثر واقعية، فإنه يكون هو الأفضل. ولكن أ لسنا نعلم أن التفريط في نقطة واحدة من مشيئة الرب هو تفريط في مبدأ الطاعة. وهنا علينا أن نسأل السؤال الواجب: كم نقطة فرطنا فيها في طاعة الرب؟
ليس من الصعب أن نلاحظ النهاية المحزنة لحركات تحسب فيلادلفية ظهرت على فترات متقطعة في قرون خلت منذ لوثر، فكل نهضة حقيقية كانت من عمل الروح القدس أخذت نحوًا فيلادلفيًا، فجمعت مسيحيين معًا، وفصلتهم عن العالم، وأظهرت من جديد سلطان كلمة الله، واختبرت من جديد حلاوة اسمه. كان الشعور بالشر في الكنيسة المعترفة غير محتمل عند الضمير المستيقظ، مما دفع الكثيرين لأن يتجنبوا (أي ينفصلوا عن) الإثم طاعة لكلمة الله (2تي2: 19).
ولكن بكل أسف تراجعت جميع هذه الحركات خلال جيل أو اثنين إلى ذات المستوى الذي تسير عليه الأمور في الوسط المسيحي المحيط بها، ولم تتمكن أي منها من الحفاظ على البركة التي حازتها أولاً. وبعض الحركات منها جمعت المسيحيين حول مبدأ معين أملاه عليهم الضمير، أو تمسكت بحق جعل لهم كيانًا متميزًا أمام الناس، فأمكنها الاستمرار في النمو الظاهري، ولكن كان الشيوخ فيها دائمًا يبكون كلما تذكَّروا البركة الأولى التي فُقدت مع مرور الأيام، وأدركوا أن بيتهم الروحي تُرك لهم خرابًا.
كل هذا لابد أن يحدث ما لم يتدخَّل الله لمنعه، فالجيل الأول لكل حركة كان لابد أن يخرج من الوسط المحيط استجابة لدعوة الله، وبرغبة صادقة اتبعوه محتملين الضيق ومنكرين لذواتهم، ثم جاء أبناؤهم فورثوا ما امتلكه الآباء، ولكن بدون التدريب الذي اجتازه آباؤهم. فبالطبيعة ساروا في مسلك آبائهم كالعادة، وبسهولة أخذوا، وبسهولة أيضًا كانوا يفقدون، فهم لم يعرفوا غبطة التضحية، ولم يختبروا القوة الناشئة عن التدريب، ولذلك ليس من الصعب أن نتوقع ما يمكن أن يتبع ذلك، ليس بالضرورة من جهة التخلي عما امتلكوه من حق، ولكن من جهة عجز اليد التي تمسك به وعدم تدريبها.
والنمو الظاهري لهذه الحركات مع ما وقع من فشل روحي لا يقوم حجَّة على نجاح الحركة، فأن يرى الناس نجاحًا كهذا لا يعني بالضرورة أنه نجاح في عيني الرب. والعكس صحيح، فليس ما يراه الناس فشلاً أو انهيارًا يعني بالضرورة أن ما انهار كان شرًا، ولنطبق بأمانة هذه الافتراضات ونرى إلى أين ستنتهي بنا. خذ على سبيل المثال الكنيسة في أيام الرسل كما تصفها كلمة الله، والحق المبارك الذي سلم إليها في البداية، فأين نجد هذه الكنيسة أو هذا الحق الذي امتلكته في تاريخها من بعد الوحي؟
إن الإجابة واضحة ومخيفة، ولكن الله أعدنا لها، فقد كنا في حاجة، حتى منذ حوالي ألف وتسعمائة سنة، لأن يكتب يهوذا لنا محرِّضًا على التمسك "بالإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ". والرسول بولس يقول لنا إن "سِرَّ الإِثْمِ الآنَ يَعْمَلُ فَقَطْ" (2تس2: 7). ويشترك مع بطرس في التنبير على الشرور الخاصة بالأيام الأخيرة. أما يوحنا فقد وضع يده على علامات "السَّاعَةِ الأَخِيرَةِ" إذ قد صار هناك حينئذ "أَضْدَادٌ لِلْمَسِيحِ كَثِيرُونَ" (1يو2: 18).
ويخبرنا التاريخ الكنسي أنه من بعد الوحي كما يقول جون داربي[3]:«لم يقم نظام من ترتيب الله أو أسَّسه الله، ولكن في كل مرة منذ بدء ظهور أي نظام في التاريخ العام كان هناك انحراف للنظام عما أسَّسه الله» ومن جهة التعاليم يقول «من المؤكَّد أنه لا كمال الفداء، ولا كمال التبرير ونواله بالإيمان، كما يعلِّمنا بولس، ولا الكمال الأبدي بذبيحة المسيح، ولا معرفة القبول الشخصي في المسيح، نجد أيًا منها على الإطلاق في الكتابات الجامعة من بعد الوحي لقرون عديدة».
فماذا عن هذه الكنيسة الرسولية التي تبدو قد اختفت؟ هل كانت مبادئها خاطئة حتى انهارت هكذا سريعًا؟ وأين نجد في الكتاب مبدأً يضمن عدم إمكانية فشلنا؟ إن كلمة الله تحرِّضنا، إن كنا فيلادلفيين، أن "نتمسَّك" وهذا يتضمن وجود خطر عدم التمسُّك.
لذلك لا يجب أن نتعجَّب حينما نرى حطام فيلادلفيا متناثرًا على طول الطريق، بينما النظام التقليدي البابوي يفتخر بوحدته وسلطانه على الناس، فهذا تنطبق عليه الحقيقة البسيطة التي نتعلمها من كلمة الله أنه أيسر على الخطأ من الصواب أن يضرب أصوله في الأرض، لذلك يسأل الله إرميا "هَلْ بَدَلَتْ أُمّةٌ آلِهَةً، وَهِيَ لَيْسَتْ آلِهَةً؟ أَمَّا شَعْبِي فَقَدْ بَدَلَ مَجْدَهُ بِمَا لاَ يَنْفَعُ!" (إر2: 11). ولكن لننظر من الزاوية الأخرى، ونحن في عالم عربد فيه الشيطان، فلو أن البعض وجدوا طريقًا كتابيًا للنجاح المستمر، فإن هذا النجاح الاستثنائي يجب أن نعتبره، ولا ننظر بعين عليها غشاوة روح الفشل.
ولكننا نحتاج أن نفهم جيِّدًا ما يعنيه الرب من كلماته التحذيرية: "تَمَسَّكْ بِمَا عِنْدَكَ لِئَلاَّ يَأْخُذَ أَحَدٌ إِكْلِيلَكَ"، وما هو الذي ينبغي علينا أن نتمسك به. إنه ليس بعض التعاليم التي تسلَّمناها، وإن كنت لا أنكر أن هناك تعاليم تسلمناها ينبغي أن نتمسك بها بشدة، ولكن الرب لا يتكلم عن هذا هنا كما تكلم عنها لساردس. والفارق بين الرسالتين هام، فلساردس يقول الرب: "اذْكُرْ كَيْفَ أَخَذْتَ وَسَمِعْتَ، وَاحْفَظْ وَتُبْ". هذا قدر محدود من الحق المسلم، وهو يتفق مع ما يمكن أن نسترجعه من ذاكرة التاريخ لما تمثله ساردس. كانت هناك بركات وفيرة في أيام الإصلاح هذه، فقد أخذوا وسمعوا حقائق هامة كثيرة، وكانوا يقدِّرونها حق قدرها، ولكن في طريق تثبيت هذه الحقائق للأجيال التالية، وضعوها في إطار من قوانين الإيمان والإقرارات. ولم يكونوا مخطئين في ذلك، فقد كان حقَّا عليهم أن يذكِّروا أنفسهم، ويعلنوا للآخرين، أن ما آمنوا به تسلَّموه من الله. وهذه القوانين متى قرأناها في نور نار استشهاد من أقرُّوا بها نجدها شهادة مباركة للحق الذي استطاعوا أن يبذلوا أجسادهم للنار لأجله، وما كان عندهم من تقدير لقوة هذا الحق.
ولكن الخطأ كان في أنهم أخذوا تلك القوانين الإيمانية، وألزموا بها الأجيال التالية بكل ما للقوانين الوضعية للكنيسة الرسمية للدولة من سلطان، مع حق توقيع العقوبات. وكان كل غرضهم أن ينقلوا ما لديهم من معرفة إلى أبنائهم، وبالتالي فإن أخطاء هذه القوانين كان لابد أن تستمر، وانتهى الأمر بأن صارت مسؤولية حفظ كل هذا في أيدي أناس غير روحيين، وإنما ينتمون إلى الكنيسة العالمية التي أسسها جيل المصلحين.
هكذا أحزنوا وأطفأوا الروح القدس، فقد كان يقودهم نحو ما هو أبعد مما وقفوا عنده، بل كان الروح مستعدًا لأن يقودهم إلى "كل الحق" (يو16: 13)، ولكنهم كتبوا قوانين إيمانهم، ليس لمجرد أن يسجلوا إلى أي مدى من الحق قادهم الرب، بل باعتبارها أعلى درجة من الحق. لذلك فقد ظلوا ينظرون إلى الوراء، إلى ما أخذوه في القرن السادس عشر، ولم تعد كلمة الله لهم كما كانت بالنسبة للمصلحين أنفسهم، ولم يعد شعارهم «إلى الأمام مع الروح القدس معلِّمنا» كما كان للمصلحين، بل صار «إلى الوراء نحو حركة الإصلاح».
لذلك فإن كلمات الرب إلى ساردس تتسم بدقَّة عجيبة، فهو يقول ما معناه: «لقد أخذتَ قدرًا من الحق على قياسك، واعتبرته كل الحق، فحصرتَ نفسك في نطاق ضيِّق، فعلى الأقل عليك أن تكون مخلصًا لما أخذتَه، فكن ساهرًا وشدد ما بقي، الذي هو عتيد أن يموت».
كذلك فيلادلفيا مدعوَّة لأن تتمسك بما عندها، ولكن ما هذا الذي عندها؟ قوة يسيرة، وحفظٌ لكلمة المسيح، وعدم إنكار لاسمه. لاحظ أن الكمَّ لم يعد مقياسًا، وأن الأمر ليس مجرد أن تكون عنده كلمات الرب أو وصاياه، بل المقياس هو التمسك بالكلمة. ويمكننا أن نستوضح الفرق بين الأمرين من يوحنا14: 21-24، فالمحبة لا تقاس بالاعتراف أو الانفعالات، ولكن فقط بالطاعة، فالرب يقول "اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي". والنتيجة لذلك هي أن "الَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي، وَأَنَا أُحِبُّهُ، وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي".
ولكن هناك محبة أعمق من التي يظهرها حفظ وصاياه، فهي محبة تأخذ في اعتبارها كلمة الله ككل، سواء كانت وصايا أو غيرها. ولأنها أعمق فإن ردَّ الرب عليها أعظم، وعن هذه يقول الرب "إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي (حسب الأصل : كلمتي وليس كلامي)، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً". وهنا نرى الشركة الدائمة، الأمر الذي لا نجده في حالة حفظ الوصايا فقط.
فيلادلفيا حفظت – وتظل تحفظ طالما بقيت فيلادلفيةً – ليس فقط وصاياه، بل كلمته ككل. إنها لا تعرف كل دقائق كلمته، فهذا أمر مستحيل، ولهذا السبب فهي لا تمتلك قدرًا معيَّنًا من الحق الذي هي أمينة له، ولكنها مثل مريم التي كانت عند قدمي الرب، تسمع وتخضع لكل ما يقوله، فكلمته ككل أمامها، وهي تريد أن تنقاد بالروح، دون أن تحدَّه، فأذُنَاها مفتوحتان، ولها الطوبى التي لمن يسمع كلام الرب ساهرًا كل يوم عند مصاريعه، حافظًا قوائم أبوابه (أم8: 34).
بالطبع هذه الحالة ليست قصرًا على زمن معيَّن، لأن طريق الله دائمًا في أن يقود كل من هو على استعداد لأن ينقاد به. ولكن منذ القرن التاسع عشر، فُتحت كلمة الله ككل أمامنا بصورة أعظم مما كان في أي عصر سبق منذ أيام الرسل. وقد حدث ذلك بالارتباط بحركة كان لها كل ملامح فيلادلفيا. وهناك حقائق عظيمة معيَّنة استُردت إلى الكنيسة، فساعدت على فتح العهد القديم والعهد الجديد بأسلوب جديد. فبدأ يكون هناك تمييز بين التدابير، وتم تحرير الإنجيل من خطأ الغلاطيين، الذي تمثل في حفظ الناموس. وبدأ التعليم بمركزنا في المسيح بالارتباط باشتراكنا في موته وقيامته. وكذلك فُهِم التعليم الخاص بطبيعة الحياة الأبدية، ومعمودية الروح القدس، والختم الحاضر به. كذلك تم التمييز بين الاختطاف والظهور. ونحن مدينون للرب الذي يُعْلِمنا بكل ما صنعه. ألا نجد في هذا تطابقًا مع كلام الرب إلى فيلادلفيا "حَفِظْتَ كَلِمَتِي"، بالمقابلة مع قوله لساردس "أَخَذْتَ وَسَمِعْتَ"؟
وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا هذا السؤال الخطير: هل الصورة التي رأيناها في فيلادلفيا لازالت قائمة؟ وهل نحن نحافظ عليها؟ هل نحن نتقدم إلى الأمام، ولا زلنا نتعلَّم من الرب؟ أم أننا نقنع بأننا عرفنا هذه الحقائق المباركة؟ إن القَدر من الشيء الكبير لا يزال جزءًا منه، ومتى اكتفينا بما أخذنا فنحن نقنع بدلو من الماء بدلاً من النبع الفائض، الذي لا نجده سوى عند قدمي الرب، الذي لازال يتكلَّم إلينا. هنا فقط نجد كلمته المباركة.

الفصل الثالث
حفظتَ كلمتي

على قدر فهمنا لما يتضمنه حِفظُ كلمة المسيح، على قدر ما ندرك أهمية ذلك. فحفظ كلمة المسيح عمليًا يتضمن أن نسير معه في تقدُّم مستمر، بنيَّة صادقة في أن لا يكون أي جزء من كلمته غير محقَّق، أو بلا تأثير علينا، وذلك في بساطة الطاعة دون أن نشغِل أنفسنا بمتاهات التفاسير التي تجعل الكلمة ألغازًا صعبة. إننا كثيرًا ما نفعل ذلك دون أن ندري، كما لو كنا نعتبر أن الله أعطانا كتابًا كبيرًا إلى الحد الذي يجعلنا نتحيَّر أمامه، بدلاً من أن نتمتَّع بعظمة عطيته لنا. هل نحن نؤمن حقًا أن "كُلَّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ" (2تي3: 16)؟ وهل نحن نؤمن أن هذا ينطبق على النبوَّات، وعلى الكتب التاريخية، والرموز والأمثال، وحتى سلاسل الأنساب الطويلة، وقوائم أسماء أصحاب داود، وأسماء مدن إسرائيل.. وما إلى ذلك؟ وهل نحن نريد أن تكون كل هذه ذات فوائد لنا؟
لنكن أمناء تمامًا مع أنفسنا ومع الله. إن كنت لا أصدِّق أن كل كلمة الله نافعة لي، ألا أكون بهذا منكرًا بصورة ما وحي هذه الكلمة. وإن كنت كذلك فأنا لست "إِنْسَانَ اللهِ" الذي كل الكتاب بالنسبة له "نَافِعٌ" (2تي3: 17).
أ ليس هذا أمرًا خطيرًا؟ لنأخذ عبرة من التاريخ الرمزي لإسرائيل: أ لم يكن هذا شرًا أن إسرائيل بعدما أتى به الله بذراع رفيعة إلى أرض الموعد يتخاذل عن امتلاكها بالكامل؟ أ لا يكون هذا أمرًا خطيرًا بالنسبة لنا أيضًا أن تبقى بعد "أَرْضٌ كَثِيرَةٌ جِدًا لِلامْتِلاَكِ" (يش13: 1)؟
هناك سببان – بخلاف عدم الإيمان بوحي كلمة الله – يعترض بِهما البعض على ما تقدم، ولكنهما كلاهما شر، ومنبعهما عدم الإيمان، ولكن لكونهما تبديان حُجَّتين منطقيَّتين لزم تسليط الضوء عليهما. الأولى وهي حُجَّة قديمة من أيام إشعياء النبي (إش29: 9-11) أقيمت ضد الرؤيا الإلهية، التي لما أُعطيَت لعارف الكتابة المتعلِّم، وطُلب منه قراءتها، كانت إجابة "عَارِفِ الْكِتَابَةِ" هي "لاَ أَسْتَطِيعُ لأَنَّهُ مَخْتُومٌ". هكذا اليوم، حُجَّة البعض هي أن «لغة الكتاب غير مفهومة، فالتاريخ والرموز والأمثال بها كلام غريب، والناس في كل مكان يختلفون على تفسيرها، فكيف ننجح نحن في ما فشل فيه الكثيرون؟ وأي خير لنا في الاستنتاجات غير اليقينية؟».
لا شك أنه لا نفع من الاستنتاجات، لأن عدم اليقين من جهة الحق يجعل السير فيه، أو حتى الوقوف أمامه، مصدر خطر كبير، وواجب كل مسيحي أن يثبت على أرضيَّة من الحق الواضح، ولكن كلام الكتاب استُخدم بلا تقدير كما لو كان مجرد مجال لتشغيل العقل، وقلَّما أخذ بجدية، ولكن بكل تأكيد توجد فائدة في كل جزء من الكلمة لكل من يطلبها بأمانة، "وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ، فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ" (يع1: 5). كذلك "إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ يَعْرِفُ التَّعْلِيمَ، هَلْ هُوَ مِنَ اللهِ" (يو7: 17). فإن كنا نؤمن أن الله يتعامل بأمانة معنا، فإننا لابد أن نثق في صدق هذه الأقوال. لذلك دعونا نكون حريصين للغاية من جهة ما نقبله من تفاسير، ولا نعطي رخصة مفتوحة للخيال.
الحجة الثانية، وهي أيضًا قديمة قِدم الأولى، ولكنها الأكثر انتشارًا، والأخطر ضلالاً، لأنها لغة العامة وليست لغة قادتهم، وتبدو كأنها تواضعًا من صاحبها، إذ يقول: "أنا لست دارسًا، لذلك لا أستطيع أن أفهم" وفي هذا إنكار لكفاية روح الله التَّامة كالمعلِّم للمسيحي، بل هي إنكار لحضوره في وسط شعب الله، وكأن معرفة أمور الله تتوقَّف على علم الإنسان ومؤهِّلاته وليس على الروح القدس، وكأن المسيح الذي عاش بين المساكين والمحتاجين لا يعلن ذاته الآن إلا للحكماء والفهماء دون الأطفال، وللأغنياء دون الفقراء. وتلاميذ المسيح الجليليون العامِّيون بهذا كانوا حالة شاذَّة لا تتكرر. كما أن هذا الفكر يعطي للعقل أهمية أكبر كثيرًا من القلب والضمير، وتجعل من المتعلِّمين قضاة الحق لغير المتعلمين، ويصبح الكتاب خاضعًا لانتقاء العقل عند المتعلمين قبل أن يكون صالحًا لخدمة حيَّة من الله للآخرين، وبالتالي تُخضع الأكثريَّة للأقليَّة. ومتى أُطلقت هذه الحجة تصبح كلمة الله غير متاحة وغير ممكنة التطبيق عند جموع الناس. فماذا يمكن أن يجد الناس أمامهم عندئذ: كتابًا مختومًا وليس كتابًا مفتوحًا. وماذا يمكن للروح القدس إن يعمل متى أُحزن بسبب عدم أمانة المسيحيين، إنه لن يستطيع أن يقودهم بهذا المنطق إلى كل الحق (يو16: 13).
لست أقصد من ذلك الإقلال من أهمية التعليم، ولا الحط من مكانة العقل الصحيحة في أمور الله. فبالرغم من الخطية، فإن من يؤمن بوجود الله على يقين بأنه أوجد فيه العقل والفهم، والخيال، والضمير والقلب ليتجه بها نحوه، وبالتالي فإن الإنسان الذي يسمع الإنجيل ويكون في حالة اقتراب حقيقي إلى الله، تحيا كل هذه العوامل التي في داخله، بل وتتسع جدًا. فإن وُجد إنسان يريد بصدق أن يعرف هذا الإله الذي استعلن ذاته له، وكانت هذه الرغبة لها الأولويَّة الأولى في بحثه عن الحق، فإن كل ما يتعلَّمه من الحق سيؤول إلى قوة ونمو يومي لكل الكيان الأدبي من فكر وقلب وضمير، وإن بدا نموًا بطيئًا لكنه يكون متوازنًا، ويتجه نحو البلوغ.
هذا التعلُّم من الرب هو حق لكل مسيحي، أيًا كان مركزه الاجتماعي، أو نصيبه من مال الدنيا أو علم العالم، وقد قال المسيح "اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ" (يو6: 27). هذا الطعام من المعرفة الروحية هو من أسمى المعارف قيمة، وهي معرفة لازمة للحكم الصحيح على كل أنواع المعارف الأخرى، ولأن كل الأشياء خُلقت بالمسيح ولأجله (كو1: 16) فإنه من غير المستطاع أن نرى كل هذه الأشياء الرؤية الصحيحة إلا عندما ننظر إليها كما هي بالنسبة لذاك الذي خُلقت لأجله.
عندئذ تصبح كل علوم الطبيعة علومًا روحية، تخدم المعرفة الروحية، فماذا تكون قيمة العالم عندي إذا كان ليس هو «عالم الله»؟ فإن كان الله قد صنع العالم، بل الكون كله، ليعلن ذاته، فكيف يكون اهتمامي به. إن المسيحيين بسبب إهمالهم اشتركوا مع الآخرين في خطية ترك العلوم الطبيعية في أيدي الملحدين، فبدلاً من تقف المسيحية ثابتة على ساقين مرتكزتين، هما كلمة الله والطبيعة، اللذان يشهدان معًا لله، فإنهم يعرجونعلى ساق واحدة إلى أن يطأوا بالقدم الأخرى.
المعرفة؟ نعم، لنجتهد للمعرفة، ولكن لنمتلك المسيح أولاً، فهو مفتاح المعرفة، وبعد ذلك سنمتلك الكل. سنمتلك الكل لأجله، فلنجتهد بجدية، وليكن لنا ولاء نحوه، ولنا الوعد "كُلَّ مَوْضِعٍ تَدُوسُهُ بُطُونُ أَقْدَامِكُمْ لَكُمْ أَعْطَيْتُهُ" (يش1: 3). فلنعمل باجتهاد أكثر للطعام الروحي مما نعمل لأجل ما نسميه "الطعام الضروري". إن كل ذرَّة من طبيعتك الروحية تحتاج إلى الطعام الروحي، فإذا أهمل هذا ولم تتغذَ به فإنك ستجوع وتذبل روحيًا وستعتاد المجاعة، ولن تكتشف مدى خسارتك من جراء ذلك إلا في الأبدية.
سبق وذكرت أن الله إبَّان القرن التاسع عشر فتح الكلمة المقدسة أمامنا بطريقة عجيبة، وهو الآن يمتحننا بها، ويا للخسارة لو أننا تحولنا عنها. أ ليست هذه الحقائق التي انفتحت أعيننا عليها هي لنا؟ وهل نثق في أن ذاك الذي أعطانا إياها صالح في ما أعطانا؟ وهل يُربِكنا ويُحيِّرنا كثرة وعظمة هذا الغنى؟ إن الحقل واسع بلا حدود، ولكنه كله مراعِ خضرٌ، وآفاق مجيدة تدعونا لاستكشافها، فأين من يجدُون في الجهد اللازم لتحصيل هذه الفوائد تدريبًا ضروريًا للصحة والنشاط الروحي؟ إن لنا في هذه الحقائق جمال منقطع النظير، ومجد بلا حدود، وما امتلكناه قليل، مع أننا نستطيع أن نمتلكه كاملاً، لأنه كله لنا. وإن كنت تظن يا أخي المحبوب أن إناءك لا يمكن إلا أن يكون صغيرًا، فهل حاولت أن تعرف حجم إنائك الحقيقي؟
هل أنت تبغي الوصول إلى أقصى الحدود التي رسمها الله لك؟ هل تستطيع أن تقول بحق لله إنك بكل قلبك تجتهد لتتعلَّم منه كل ما عنده لأجلك؟ إذا كنت كذلك فإن القاعدة الإلهية التي نجدها في مواضع كثيرة من الكلمة، ومنها مرقس4: 25، هي: "لأَنَّ مَنْ لَهُ سَيُعْطَى، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ سَيُؤْخَذُ مِنْهُ"، فأين ستجد حدود ما يمكنك أن تأخذ؟
تفكر فيما فعله الله لأجلنا وهو يعطينا هذه الأشياء، فهذا يستحق أن يكون موضوع مشغولية مستمرَّة منا، فهل هذا ربح أم خسارة لنا؟ فمع حتمية أن تكون هناك مشغولية يومية بضرورات هذا العالم: ماذا نأكل وماذا نلبس، فهل يكون ربحًا لنا أم خسارة أن نعطي معها ذات القدر من المشغولية للضرورات الروحية.
نعم هي ضرورات، فالرب هو الذي قال بفمه الكريم الذي لا يكذب: "اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ" (يو6: 27)، وهو هنا يبين لنا أن الاجتهاد في الأمور الروحية هو الألزم، فمن لا يوافق الرب في هذا؟ هل يمكن أن يدعي أحد إن هذا القول ينطبق فقط على الجليليين البسطاء الذين كان في إمكانهم أن يتبعوه وأن يروا معجزاته، أو أنهم فقط هم الذين أكلوا الخبز الروحي الحي فشبعوا؟ أنظن أنه لا ينطبق على جميع المجتهدين اليوم؟
إن هذا الاجتهاد الروحي ضرورة للحياة الروحية ذاتها، وله مكافآته وبركاته، فهو مثلاً يوجد توازنًا مع العمل الطبيعي، ويجلب راحة منه. إن الضغط الجوي يضع حملاً من الخارج على جسد الإنسان العادي يصل إلى أربعة عشر طنًا، ولكننا لا نشعر به لأن الهواء يتخلل إلى الجسد، فينشئ ضغطًا معادلاً من الداخل. هكذا ضغوط الأمور الطبيعية يمكن أن نقابلها بضغط مضاد من الأمور الروحية، حتى نجد راحة وحرِّية في المسير. وإنني واثق أنك ستجد أن هذا هو الواقع الحقيقي، لأن المشغولية الروحية تزيد إيماننا وطاقتنا الروحية، فتمكننا من مواجهة متطلبات الحياة بقوة إلهية.
إن أرضنا الروحية جيِّدة، ولكنها ينبغي أن تُحرث حتى نستطيع أن نستفيد من جودتها، وعندئذ فإن أثمارها ستُغْنينا ولن نكون فقراء فيها. أما إذ أهملنا حرثها، ومع كونها ميراثًا سماويًا، لكننا نكون فيها فقراء روحيًا ونحن على الأرض. ولأننا نحتاج دائمًا إلى الاهتمام بأعوازنا لمواجهة ما علينا من التزامات في هذا العالم، فإن الله في أمانته من نحونا لم يجعل الحق في صورة وصايا يمكن أن نحفظها عن ظهر قلب، ثم نلقي بها جانبًا، ولم يكتب لنا كل شيء ببساطة لا تحتاج إلى اجتهاد لفهمها. لذلك كانت هناك دائمًا مجادلات عنيفة حتى على الحقائق الأساسية، ذلك لأن فكر الله أنه من الأفضل لنا أن نكون في احتياج للرجوع الدائم إلى «كتاب التعليم» الذي لنا، وأن ندرسه بعناية، وذلك بسبب اختبارنا لرداءة طبيعتنا. فهذا أجدى لنا من الكسل الروحي.
معظم الحق ليس في لغة بسيطة وواضحة كلغة الرسائل، فقد علَّم الرب كثيرًا بأمثال. وسفر الرؤيا يستخدم رموزًا في معظم إعلاناته، والحق المسيحي نتعلَّمه من العهد القديم من خلال الأمثلة والتاريخ، ونحن علينا أن نفسِّرها أدبيًا. والفهيم في سفر الأمثال يُنتظر منه "فَهْمَ الْمَثَلِ وَاللُّغْزِ، أَقْوَالِ الْحُكَمَاءِ وَغَوَامِضِهِمْ" (أم1: 6). لذلك "إِنْ دَعَوْتَ الْمَعْرِفَةَ، وَرَفَعْتَ صَوْتَكَ إلى الْفَهْمِ، إِنْ طَلَبْتَهَا كَالْفِضَّةِ، وَبَحَثْتَ عَنْهَا كَالْكُنُوزِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُ مَخَافَةَ الرَّبِّ، وَتَجِدُ مَعْرِفَةَ اللهِ" (أم2: 3-5)، بل يقول لنا: "مَجْدُ اللهِ إِخْفَاءُ الأَمْرِ، وَمَجْدُ الْمُلُوكِ فَحْصُ الأَمْرِ" (أم25: 2)، فهو يُخفي أمرًا حيث يستطيع المجتهد أن يجده كمكافأة له على اجتهاده.
هذا كله يتطلب اجتهادًا شخصيًا وعملاً دؤوبًا لا يمكن أن يوكله الإنسان إلى آخر، وإن كان يجب علينا أن يساعد أحدنا الآخر في هذا الأمر. فالله لا يعترف بمبدأ أن العامة تتناول طعامها الروحي بملعقة مرة أو مرتين أسبوعيًا، دون اكتراث بماهيَّة ما يُقدَّم لهم، ولا يوافق على الفصل في المسئوليات، فتكون الأمور العالمية لعامة الشعب، والأمور الروحية لطبقة خاصة. كلا، فالكل مطالبون، كلٌ على حدة، بأن "يُُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ" (أف3 :18). إننا بالفعل نحتاج أن كل مسيحي يساعدنا في فهم المكتوب.
لا شك أن هناك معلِّمين موهوبين من الله، ولا أحد يضع كلمة الله أمامه وينكر هذا، ولكن الكلمة ذاتها لا تُقصر التعليم على المعلِّمين مثلما لا تُحِد التبشير على المبشِّرين، ولكن هناك تمُّيز لهذه المواهب الخاصة لمساعدة من يسمعونهم لكي يتقدموا بدونهم، حتى يأتي الناس إلى المسيح من تلقاء ذواتهم. وعندما نجلس عند قدميه، فإننا نسمعه قائلاً: "لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمَسِيحُ، وَأَنْتُمْ جَمِيعًا إِخْوَةٌ" بلا أدنى إشارة إلى أية مواهب خاصة (مت23: 8).
والمعلِّمون هم معونة خاصة أعطيت لكل الكنيسة بصعود الرب، فمن لا يقدِّر العطية يحتقر الرب الذي منه أخذ هؤلاء المعلمون إرساليتهم ومؤهلاتهم. ولكن كثيرًا ما حوَّل الناس المعونات الخاصة المعطاة لهم إلى عوائق خاصة، وكثيرًا ما حدث هذا مع المعلمين، ففي اللحظة التي يتحول فيها المعلِّم إلى أن يكون هو مصدر السلطان من جهة الحق، فنعتبر الحق حقًا لأنه هو قال كذلك، بدلاً من أن يكون الحق الذي يعلِّم به هو مصدر سلطانه - في اللحظة التي يوضع فيها المعلم بين الناس وكلمة الله، بدلاً من أن يأتي بهم إلى الكلمة – في اللحظة التي يصبح فيها المعلم بديلاً للاجتهاد الشخصي في الكلمة المقدَّسة وليس مجرَّد معونة تشجع الآخرين على هذا الاجتهاد – عندئذ تبدأ إساءة استخدام الموهبة، والخطر الداهم يتبعها. لقد كان شرُّ تعليم الكنيسة أنه جعل تعاليم الناس تأخذ مكان تعاليم الله، وقد بدأ بهذا الأسلوب، ومن هنا نبع التقسيم إلى إكليروس وعلمانيين.
تُشدِّد الرسالة إلى فيلادلفيا على أن كلمة المسيح، التي هي كل الكتاب، قد أعطيت لشعبه، فمن يحفظها (أي يطيعها) ينال منه المدح، وما أنبر عليه هو أنه لهذا السبب ينبغي أن شعب المسيح يتعرَّفون بأنفسهم على ما ينبغي أن يطيعوه، فالكتاب كله أمامهم، ولا يمكن أن يكون لهم روح فيلادلفيا إن هم سمحوا أن أي شيء منها يؤخذ منهم، فتَخفى عنهم بإرادتهم بعض صفحاته، بل ربما أسفار بأكملها من الكلمة التي أوحى بها من الله لخيرنا. كما أن الرسالة تركز على الحاجة إلى الجد والاجتهاد في الكلمة لأجل كل تقدم، ولحفظ الروحانية والحالة الصحيحة مع الله بالنسبة لكل شعب الله، وليس لطبقة معينة فقط.
وأريد أن أوجه النظر نقطة أخيرة، فيا لها من حالة جديدة تبدأ بالنسبة لنا إن كنا نضع المشغولية المثمرة بالكلمة كضرورة أسبق بين أولويات اهتماماتنا في العالم، عندئذ يتضاءل أو ينعدم من حياتنا الوقت الضائع في الأمور غير المثمرة أو غير النافعة، وتنتهي حياتنا من الأمور الزائفة أو التافهة، فتحل الحقائق الجديدة التي نكتشفها في أمور الله محل الجرائد اليومية (ونضيف اليوم الراديو والتليفزيون والتسلية على الإنترنت...). ويحرضنا الرسول بطرس قائلاً: "فَاطْرَحُوا كُلَّ خُبْثٍ وَكُلَّ مَكْرٍ وَالرِّيَاءَ وَالْحَسَدَ وَكُلَّ مَذَمَّةٍ، وَ(كونوا) كَأَطْفَال مَوْلُودِينَ الآنَ، اشْتَهُوا اللَّبَنَ الْعَقْلِيَّ الْعَدِيمَ الْغِشِّ لِكَيْ تَنْمُوا بِهِ" (1بط2: 1). فالله لا يريد لنا أن نبقى أطفالاً، واللبن يجعلنا ننمو روحيًا، وبطرس يكشف في هذه الكلمات بعضًا مما استخدمه الله ليؤازر ذلك الصيَّاد الجليلي العامي، ليجعل منه رائدًا في الأمور الإلهية، وهو يطلب منا أن نكون توَّاقين إلى الكلمة مثلما يطلب الطفل حديث الولادة اللبن، فهل نحن نبحث عن الكلمة ونشتاق إليها بهذه الصورة في حياتنا.
ثم لاحظ أيها القارئ التحذير مما لا يتوافق مع المشغولية الروحية، فيقول : "اطْرَحُوا كُلَّ خُبْثٍ وَكُلَّ مَكْرٍ وَالرِّيَاءَ وَالْحَسَدَ وَكُلَّ مَذَمَّةٍ"، فلو أن نفوسنا تغذت على كلمة الله، فستذهب عنا كل أمور الشر مثلما تسقط أوراق الخريف عن الشجر، وستملأ مكانها الأوراق الجديدة النابتة. ولنا صورة مبهجة لذلك في المزمور الأول: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ، وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ" (ع1). هذا هو الجانب السلبي، ولكن يأتي بعد ذلك الجانب الإيجابي، وفيه تكْمُن القوة: "لكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُهُ، وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلاً" (ع2).

الفصل الرابع
القدوس الحق
كان أول مدح لفيلادلفيا من الرب أنه قال: "حَفِظْتَ كَلِمَتِي وَلَمْ تُنْكِرِ اسْمِي"، وكل من يتصفون بهذا هم فيلادلفيون (أي محبون للإخوة)، لذلك فإن ما يمتدحه الله هو بكل تأكيد أهم أمر عندهم. ولعلنا لاحظنا هذه النقطة الهامة، أنه بينما يخاطب الله جماعة من الناس تميزوا بالمحبة الأخوية، لكنه لا يمتدحهم بالقول "قد أحببت الإخوة"، بل يقول "حَفِظْتَ كَلِمَتِي وَلَمْ تُنْكِرِ اسْمِي... حَفِظْتَ كَلِمَةَ صَبْرِي"، ولكن عند الوعد للغالب، فإن الله يذكر اسم مدينة لهؤلاء الفيلادلفيين، وأنه سيكتبه على من كانت له " قُوَّةً يَسِيرَةً " ولكنه في النهاية صار عمودًا. فليس فقط يكتب كما يقول: "اسْمَ إِلهِي.... وَاسْمِي الْجَدِيدَ"، بل يضيف على ذلك سيكتب "َاسْمَ مَدِينَةِ إِلهِي، أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةِ". هذه المدينة هي الموطن الأبدي لكل الإخوة المؤمنين بالمسيح، ولكنني أعتقد أنه يذكرها بصفة خاصة لمن لهم صفة الفيلادلفيين، لكن من الواضح أنه في مدحه لهم لا يذكر صفتهم هذه! فلماذا؟
إن لقب الرب كمن هو القدوس الحق، والذي يخاطب به الفيلادلفيين، يرتبط تمامًا بهذا الأمر، فإن كان هناك من لا يتَّصفون بصفات تتوافق مع هذا اللقب فهذا الخطاب ليس موجهًا إليهم، بل إلى من يسعون إلى استعادة الكنيسة الحقيقية التي ينبغي أن تكون كأنها مدينة موضوعة على جبل، أو سراج على المنارة، ولكنها أخفيت عن أعين الناس وأصبحت "كنيسة غير منظورة" كما يسمونها، وكلمات الله الأولى في رسالته إليهم يخاطب فيها هؤلاء الذين يطلبون أن يُظهروا من خلال الكنيسة قداسته وحقه. "هذَا يَقُولُهُ الْقُدُّوسُ الْحَقُّ" وكم هم في حاجة إلى أن يتذكَّروا ذلك!
تفكر أخي في الكنيسة التي تشتَّت، والتي نحِنُّ إلى أن تُستَرد، فماذا علينا أن نفعل لردها؟ هل نكرز للجميع بأن مشيئة الله أن يكون كل شعبه في وحدة معًا؟ هل نمد مائدة الرب ونوسعها بلا انتساب إلى طائفة أو اسم أو شروط للشركة، وندعو كل من يحبُّون الرب لأن يجتمعوا معًا؟ إن الخبز الواحد على مائدته يشهد بأننا خبز واحد، جسد واحد، والإيمان لا يعترف بأي جسد آخر غير جسد المسيح، فلماذا لا نفعل ذلك؟
وأجيبك أيها القارئ العزيز على هذا. قُلْ لكل من يحبون الرب: «إنه يرحب بخاصته جميعًا، ولكنه لا يستطيع أن ينكر طبيعته». كيف صارت الكنيسة غير منظورة؟ أهو سوء طالعها؟ أم أنها أخطأت؟ راجع تلك الكنائس السبع في رؤيا 2 و3 ولاحظ مراحل انحدارها[4]، بدءًا من ترك المحبة الأولى في أفسس، مرورًا بالذي سيَّب امرأتهإيزابل في ثياتيرا، وانتهاءً بالموت الذي في ساردس في الوقت الحاضر[5]، فهل نستطيع أن نتجاهل الماضي، وببساطة هكذا نبدأ من جديد، وكأن شيئًا لم يكن؟
لنفترض أن كل المسيحيين قبلوا دعوتك، وأنك كنت بالفعل قادرًا على أن تجمع كل أعضاء المسيح على مائدة الرب مع اختلاف وجهات نظرهم، واختلاف حالة نفوسهم، ومدى اندماجهم مع العالم، وارتباطاتهم مع الشر، فهل مائدة تجمع كل هذه التناقضات تتفق مع صفات مائدة الرب؟ وهل في تجمع كهذا نجد الاعتراف الصحيح به وتقديره كالرب والسيد؟ إن تجمعًا كهذا بدون الحكم على الأسباب التي لأجلها تفرق المسيحيون إنما هو استخفاف بالقداسة التي تلزم للتلمذة، ولن يكون هذا التجمع سوى "بابل[6]" أخرى. هل تظن يا أخي أن هذه الوحدة الظاهرية تكون لها الغلاوة على قلب الرب التي تجعله يتغاضى عن الاعتراف الحقيقي والطهارة والشركة في الحق؟
هذا الخطاب الموجه إلى فيلادلفيا تحديدًا ينقض كل تلك الأفكار، وإلا فلماذا لا يظهر الرب ذاته هنا كمن "لَهُ سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ وَالسَّبْعَةُ الْكَوَاكِبُ" (رؤ3: 1) كما فعل مع ساردس، والتي فيها نرى ملء سلطانه الروحي في حفظ شعبه؟ قد يبدو غريبًا أن ساردس الميتة وليست فيلادلفيا التي تخاطب بهذا، إلا أن هذا كان يعني بالنسبة لفيلادلفيا أنها استردت الكنيسة بقدراتها الذاتية، أما لسادرس فهو يحمل التحريض وليس التأكيد، ولكن فيلادلفيا على خلاف ذلك، فهي تحتاج للتحذير لأنها تحيا في الأيام الأخيرة، أيام الارتداد، لذلك فهي في حاجة لأن تتحصَّن من أن تنخدع بوحدة ظاهرية تستبعد جانبًا المبادئ الإلهية الحقيقية للوحدة. ما أعظم كلمة الله! فكل كلمة فيها توضع في مكانها الصحيح.
لنرجع إلى ما يمتدحه الرب، ولاحظ ياء المتكلم في كلماته "لأَنَّ لَكَ قُوَّةً يَسِيرَةً، وَقَدْ حَفِظْتَ كَلِمَتِي وَلَمْ تُنْكِرِ اسْمِي... حَفِظْتَ كَلِمَةَ صَبْرِي" وهي تتكرر في الخطاب ثماني مرات، وهذا يبين أن الفيلادلفي الحقيقي قد تعلق بالمسيح، بكلمته وشخصه، وبغربته في الزمان الحاضر، ووعوده من جهة المستقبل. كان عمل فيلادلفيا هو أنها أطاعت المسيح، وتمسكت بالحق من جهة شخصه، وأنها كانت في انتظار لمجيئه. ومتى وُجدت هذه الأمور، فإن اجتماع الفيلادلفيين سيكون نتيجة تلقائية، وإلى اجتماع كهذا ينظر الرب، فمركز اجتماعهم هو المسيح الذي يوحِّدنا، وليس شيء خلافه جمعنا، وفقط بهذا نثمر لله، ونسمع كلماته التي يمتدح بها شعبه.
من السهل أن نرى كيف يمكن أن تُفقد الصفة الفيلادلفية إذا كانت لدينا فكرة مغلوطة عنها، فالمحبة الأخوية الحقَّة والصحيحة ثمينة جدًا، ولكن انظر أين يضعها الرسول بطرس: "قَدِّمُوا فِي إِيمَانِكُمْ فَضِيلَةً، وَفِي الْفَضِيلَةِ مَعْرِفَةً، وَفِي الْمَعْرِفَةِ تَعَفُّفًا، وَفِي التَّعَفُّفِ صَبْرًا، وَفِي الصَّبْرِ تَقْوَى، وَفِي التَّقْوَى مَوَدَّةً أَخَوِيَّةً، وَفِي الْمَوَدَّةِ الأَخَوِيَّةِ مَحَبَّةً" (2بط1: 5-7). ففي ترتيب الله هناك كثير من الأمور التي يجب أن تسبق المحبة الأخوية. بلا شك كل ما تقدم من أمور هو حق بالنسبة لكل مسيحي بدرجة ما، ولكن هناك ارتباط بين هذه الأمور كلٍّ بما يليه بحسب الترتيب المعطى في هذه الأعداد، ومنها نفهم هذا الأمر الهام، أنه لا محبة أخوية حقيقية - وبالتالي لا توجد فيلادلفيا – ما لم يوجد كل ما سبقها من أمور، فالمسيح يجب أن يأخذ المكان الأول في حياتنا.
إن اجتماع الفيلادلفيين هو إلى المسيح، بل إن المسيح هو الذي يجمعهم، أما ما يظهر من الإيمان المشترك، والفرح المشترك، والمشغولية المشتركة، فجميعها تنبع من الرباط الروحي الذي يُوحِّدنا معًا. وأولئك الذين يعرفون ما معنى الاجتماع على مائدة الرب يعلمون أن الشركة فيها لا يفسدها سوى وجود ما هو ليس في توافق معها. وهذا التوافق لا تخدمه الخلافات. لا أتكلم هنا عن نقص الفهم، بل أتكلم عن الضمير غير المدرب والقلب الذي لا يقبل الأمور الروحية، بل يطلب الأمور العالمية والجسدية، الأمور التي تعطل قوة الروح. إن القاعدة الروحية للاجتماع في زمان الانهيار الروحي هي أن نجتمع "مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الرَّبَّ مِنْ قَلْبٍ نَقِيٍّ" والطريق التي تتعرف بها عليهم ليس من خلال الدعاية والإعلانات، بأن تتبع "الْبِرَّ وَالإِيمَانَ وَالْمَحَبَّةَ وَالسَّلاَمَ" (2تي2 :21، 22). أي أن تسلك ذات الطريق الذي يسلكونه هم، وهكذا يجمعك الرب بهم.
إن كنا نريد البركة بحق، فإننا سنحفظ باب الشركة في مائدة الرب. فنحن مسئولون أن نحفظ بابها "مقدسًا وحقًا" مثلما هو القدوس الحق، أما عدم الاكتراث في القبول فيها فهو يسبِّب متاعب كثيرة، بل هو أحد أسباب الانحدار الروحي. "فَإِنَّ الْمُعَاشَرَاتِ (الشركة) الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ" (1كو15: 33). فلا يمكن أن يسير اثنان معًا إن لم يتفقا، وعندما تأتي التجربة – ولابد أن تأتي – فإن أولئك الذين لم يكونوا متثبتين في قبول الأسباب الروحية التي لأجلها قد أخذوا مكانهم هذا سوف يتركونه ويتشتتون فورًا وبلا روية، معطين بذلك شهادة شريرة عن المركز الذي أعطوا ظهرهم له، ومثل هؤلاء أغلب الأحيان يبتعدون عن مجال رد نفوسهم، وغالبًا ما يتحولون إلى أعداء مريرين للحق.
إننا نُحمِّل أنفسنا وزرًا كبيرًا عندما نضغط على الآخرين أن يأخذوا مكانًا هم ليسوا مهيئين له، فنجعلهم فيه يتصرفون بدون إيمان. ويحذرنا الرسول بولس من خطر أن ندفع بأناس ليس لهم تدريب الضمير لأن يتَّبِعوا إيمانًا ليس فيهم، لأن "َكُلُّ مَا لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ فَهُوَ خَطِيَّةٌ" (رو14: 23). فلا نستغرب بعد ذلك إن كنا نلاقي حطام النهضة الإلهية مبعثرًا على طول الطريق، تلك النهضة التي تحتاج باستمرار إلى الإيمان الشخصي الحقيقي المتدرب، ولكن الكثيرين يحاولون أن يسايروها بدون هذا الإيمان. ينبغي علينا أن نتذكر أن الذي يطلب أن نكون في شركة معه هو "الْقُدُّوسُ الْحَقُّ"، ومن يتجاوب مع قداسته وكونه الحق هو فقط الذي يثبت أمام التجربة، وبكل تأكيد سيأتي إلى هذه الشركة.

الفصل الخامس
لم تُنكر اسمي

تكون هناك فيلادلفيا عمليًا فقط عندما نفهم كلمة المسيح ونطيعها بمفهوم جديد للعلاقة معه، وما هو بالنسبة لشعبه، وكل نهضة حقيقية كان لها هذه الصفة بدرجة ما، وأنا هنا أتكلم عن نهضة القديسين، مع أن تأثيرها سيُرى في القوة الجديدة لخلاص الخطاة. فعندما يكون هناك مشغولية حقيقية بكلمة الله، ونشعر بمحبة المسيح بقوة جديدة، فإن نمو الشركة معه سيجعل "شركة القديسين" أكثر غلاوة، وسنسعى إليها بجد أوفر، كما أن الرغبة في الطاعة ستجعل أي نير مع غير المخلَّصين عبودية لا تحتمل
ولو أن نهضة كهذه سَرَت في كل الكنيسة، فإن كل نير متخالف (2كو6: 14- 18) سينكسر بقوة الروح القدس، وستُجمع كل الكنيسة معًا!. ولكن نهضة شاملة كهذه لم تحدث على الإطلاق، وتبعًا لذلك فإن النهضات الجزئية كانت تفصل مسيحيين من بين مسيحيين، ففصلت بين من يريدون أن يسيروا مع العالم، وبين من لا يريدونه. لذلك فإن كل حركة من الله مثل هذه كان عليها أن تحمل العار من العالم، وكذلك من كثيرين من المسيحيين، على اعتبار أنها سبب في الانقسامات. هذا ما قاله الرب إنه لم يأتِ ليلقي سلامًا بل سيفًا، وليجعل أعداء الإنسان أهل بيته (مت10: 24- 39).
فيحالة كهذه، تبدأ فورًا الحلول الوسطيَّة والمصالح الشخصية عملها المميت، وتتناول الحكمة الإنسانية الأمور التي يستطيع الروح القدس فقط عملها، وتؤَوَّل كلمة الله لتخدم هذه المصالح، لأنهم لابد وأن يعترفوا بها، ولكن يتم تجاهل بعض الحق والتساهل في البعض الآخر. ثم تعلو صيحات تتذرع بالمحبة، واتساع الأفق والتحرر، مع الوعود بنتائج عظيمة وباهرة لأسلوب العمل الجديد. ومن هنا ظهرت التكتلات والتحالفات التي نراها اليوم[7] بتوابعها الكثيرة، والتي يُبرِزون ويُبالِغون في نتائجها، لتبرير وجودها، ولكن فيها تجاهل أو إخماد للحق الإلهي، من أجل حفظ السلام بين أفراد الرابطة.
إن الثبات على الحق لا يوافق الناس، بل يثير مقاومتهم له، وقد تعددت الانقسامات والطوائف البروتستانتية من التفسيرات الخاصة للكتاب المقدس المفتوح، فكانت الكاثوليكية الرومانية أحكم في هذا إذ أدانت هذا الأمر، ولكن كانت تلك الإدانة لأجل ما يسمى "الكنيسة الجامعة"، وهذا اسم على غير مسمى. فالكلمة ليست محل تفاوض وحلول وسطية، بل هي سلطان. ولكن الكنائس البروتستانتية لا تستعمل تعبير "حل وسط" ويفضلون استخدام تعبيرات «المرونة» و«التسامح» بدلاً منه، ويدَّعون أنهم يجب أن يكونوا أكثر تحررًا من جهة في الأمور الإلهية، الأمر الذي ليس لإنسان على الإطلاق، لأن كلمة الله تطالب بأن يكون لها السلطان الأعلى، وهي كلمة قاطعة. يقول الرسول بولس: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْسِبُ نَفْسَهُ نَبِيًا أَوْ رُوحِيًا، فَلْيَعْلَمْ مَا أَكْتُبُهُ إِلَيْكُمْ أَنَّهُ وَصَايَا الرَّبِّ" (1كو14: 37).
لذلك فإن التعليم القاطع القائل «كل الكتاب» لم يعد مقبولاً اليوم، وكما كان موقف الناس من الرب يسوع في يومه، هكذا اليوم يؤوِّلون الكلمة ويخرجون بها عن إطارها. وعندما تكون طاعتها مكلِّفة، فقلما يسمحون لها أن تحكم أفعالهم، ويبدو أن قليلين من هم على استعداد لأن يقبلوا الحق الإلهي بسرور، وهذا هو السبب - ولا سبب غيره – الذي لأجله لا يتفق المسيحيون على فكر واحد، فهم ليسوا على استعداد لتحمل تكلفة اتباع الحق. لذلك يقول الرب نفسه: "إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ يَعْرِفُ التَّعْلِيمَ،" (يو7: 17)، وهل يمكن أن أعمل مشيئته بخلاف ذلك؟ ولكن ما هي حالة شعب الله في ظل حالة التشويش الكائنة اليوم في المسيحية؟
ليست المشكلة في الخلاف من جهة التعليم، بل التهاون واللا مبالاة من جهته، فبعض النشطاء جدًا في التبشير تجنَّبوا التعليم، باعتباره عائقًا لعملهم، مع أنهم لو توقَّفوا ليتبيَّنوا معنى تصورهم هذا، لانتبهوا إلى أنه ينتهي إلى أحد احتمالين لا ثالث لهما، فإما إن الله مخطئ، وإما هم المخطئون . فكلمة الله مليئة بالتعاليم التي نحن مطالبون باتِّباعِها. علاوة على ذلك، فإن كثيرين قبلوا ما سمعوه ببساطة بدون امتحانه، ولم يتبعوا القاعدة التي وضعها الرسول بولس حين قال: "امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ" (1تس5: 21).
وقد أدى التعامل مع التعليم دون اكتراث إلى التساهل مع تعاليم أساسية من جهة شخص المسيح وعمله، فمثلاً هناك وجهات نظر كثيرة من جهة الكفارة لدى الطوائف الأرثوذكسية، فما هو العلاج؟ إننا نسمع أجوبة كثيرة، فمن يقول: «دعك من وجهات النظر هذه، ولا داعي لتحديد الصواب من الخطأ فيها»، ولكن كيف يكون ذلك وكلمة الله تحدد الصواب من الخطأ؟ وآخرون كثيرون يقولون: «لا تحاول الخوض في أعماق الكلمة». ولكن هذا اقتراح الشيطان، فيقول للبعض: «ينبغي أن تتضع، فلا تظن أنك تفهم أفضل من الأولين»، وللبعض الآخر: «مهلاً، فهذه أمور قد اختلف عليها رجال أفاضل». ثم للبعض: «لا تجادل في هذه الأمور، لأنك إن فعلت تصنع لنفسك أعداء، وستفقد أصدقاءك». ثم للبعض: «أنت لست دارسًا، فلا تشغل نفسك بما هو من اختصاص اللاهوتيين». وللبعض أيضًا: «لقد أقرت الكنيسة هذا التعليم». ولمن لم يسمع لكل هذه، يتكلم بلغة أكثر مكرًا ويقول: «هذا يؤكد أن في الكتاب أخطاء، فلا ينبغي أن تعتقد في الوحي اللفظي له».
هكذا تتحوَّر أساليب الجدال، ولكنها جميعها صوت الكذَّاب، الذي "لَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ" (يو8: 44). فغرض الشيطان الدائم هو التقليل من قيمة الحق، لذلك يردد: «لا تدخل إلى الأعماق... لا تثق كثيرًا.. لا تكن متشدِّدًا... لا تكن منغلقًا...». والشرير يعلم جيدًا المدخل الذي يستطيع أن يصل به إلى فكر كل واحد، والذي يمكن أن يجعلنا نتجاوب مع همساته، وهو يجيد مزج السم بالعسل، بحيث لا يكون طعم السم ورائحته واضحين في هذا المزيج، ولكنه يعمل عملها الشرير.
إن لا مبالاة المسيحيين تثير العجب، فهم يتركون أفضل البركات التي في أيديهم لتسلب منهم بسهولة وهم مبصرون، بينما في أمور العالم سريعًا ما يصارعون لأجل حقوقهم. "لأَنَّ أَبْنَاءَ هذَا الدَّهْرِ أَحْكَمُ مِنْ أَبْنَاءِ النُّورِ فِي جِيلِهِمْ" (لو16: 8). فكثيرون من المسيحيين حازوا نصيبًا وافرًا من حكمة هذا العالم في أموره، ولكنهم فيما ينبغي أن يكون لهم كمسيحيين عندهم طفوليَّة وعجز شديد.
ما معنى القول "لَمْ تُنْكِرِ اسْمِي" الذي يقوله الرب لفيلادلفيا؟ ربما تظن أن المقصود بالإنكار الارتداد الكامل عنه، أو ربما إنكار اسمه تحت الضغوط كما حدث في أيام الاضطهاد القديمة، حين كان تقديم قليل من البخور لوثن ينقذ حياة المسيحي، ولأنه يندر في هذه الأيام أن يجرَّب المسيحي بمثل هذه الضغوط، قد تظن أننا لسنا بحاجة اليوم إلى التأمل بتدقيق في هذه الكلمات. ولكن كما رأينا فإن فيلادلفيا تنطبق بصفة خاصة على الحياة المسيحية في كل أدوارها، وإلى اليوم، لذلك فليس من المتوقع أن التحفظ من أمور لا يتعرَّض الكثيرون لتجربة تغويهم بقوة لفعلها ينشئ مدحًا خاصًا من الرب لفيلادلفيا. فلو أن الثبات أمام الاضطهاد هو كل ما يعنيه الرب بالقولَ "لَمْ تُنْكِرِ اسْمِي"، لما كان هناك مبرر للانتباه إلى تحذير الرب "تَمَسَّكْ بِمَا عِنْدَكَ"، وما كانت الغلبة أمرًا يحتاج إلى الاجتهاد، فلا عقبة حينئذ أمام تحقيقها.
إذن فليس هذا هو المقصود بهذا التعبير، فلابد أن هناك أمرًا خاصًا، سواء في مديح الرب أو تحذيره، جعل لفيلادلفيا مسؤولية خاصة وُضعت عليها في مواجهة هذه الخطية. لابد لأن هناك تجربة هم معرضون لها، تدفعهم إلى إنكار اسمه.
ما معنى إنكار اسمه؟ وما هو هذا الاسم؟ إن كل الأسماء في الكتاب لها معانيها، ولكن أسماء الله لها دلالات أسمى منها جميعًا! فإن كان الله يعمل "مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ"، فإنه يكشف بالاسم عمَّا هو في ذاته. فإن كنا نجتمع إلى اسم المسيح (وهذا هو التطبيق الحقيقي لقوله في متى18: 20) فذلك لأن ما أدركناه عن شخصه جذبنا إليه. إذَا فاسمه هو الحق المعلن عن ذاته. إنه ليس على الأرض، لذلك فنحن ليس لنا أن نراه عيانًا فنأتي إليه. ولكن الحق الخاص بشخصه، يجذبنا معًا، وعندما نأتي إليه فإننا نعترف بمن هو بالنسبة لنا. وإذ نجتمع هكذا فإن لنا الوعد بحضوره معنا (مت18: 20). لقد اتحدنا معًا كعجلة دائرية، فارتبطنا الواحد بالآخر على محيطها، ولكن إن كان هذا هو كل ما يربطنا معًا، أو كان هذا هو الرابط الأساسي في علاقتنا الواحد بالآخر، فإن هذه العجلة تكون ضعيفة. ولكن متى ربطتنا أوتار بمركزها، فقوة العجلة تكون في مركزها بصفة رئيسية. وهكذا وحدتنا معًا تكونت بالارتباط بالمركز الذي هو المسيح، وهي محفوظة به، وعلى قدر ارتباطنا بالمركز على قدر ما تكون وحدتنا من الخارج بعضنا مع البعض ثابتة وقوية.
بهذه الفكرة نرجع إلى موضوعنا. فماذا تمثل فيلادلفيا؟ طالما أن فيها تعبيرًا عن الاجتماع الصحيح للمسيحيين، وأن اجتماعهم هو إلى المسيح الحق، عندئذ ماذا يكون على قدر من الأهمية بالنسبة لفيلادلفيا أكثر من أن لا تنكر الحق الخاص بمن هو المسيح، الذي هو الأساس الوحيد، والذي في اسمه كل الكفاية!
سؤال آخر، وأرجو ألا يستخف به كل من يقدِّر المسيح: إلى أي مدى يكون إفساد نهضة فيلادلفية هدفًا للشيطان، الذي هو عدو الله والإنسان، والمقاوم العنيد لكل خير، مع معرفته الكتابية بما هو يقاومه؟ إن الإجابة بديهية، فلابد أنه يهاجم النقطة المحورية التي تستند كل هذه النهضة عليها، ألا وهي حق المسيح، شخصه وعمله. لذلك فإن محك الاختبار بالنسبة لنهضة فيلادلفية هو: الاعتراف باسم المسيح أو إنكاره، باعتباره مركز اجتماعهم.
لعلني أوضحت المقصود، وإن لم يكن فلنتقدم خطوة أخرى. هذه الخطابات في رؤيا 2 و3 خطابات نبوية، فلنأخذ الخطاب إلى فيلادلفيا من هذه الزاوية: فنحن نقرأ أنه بالارتباط بهذه النهضة الفيلادلفية التي استردَّت مبدأ كنيسة الله توجد حرب من الشيطان ضد الرب يسوع كمن هو مركز الاجتماع، فهل وقع هذا بالفعل؟ أوجِّه سؤالي هذا إلى العارفين بتاريخ الحقبة التي مرت منذ بدأت هذه النهضة، لتحمل الشهادة أمام الله. فهل أثيرت بالفعل اعتراضات من جهة شخص المسيح والاجتماع إلى اسمه، أ لم تتحقق هذه النبوة تاريخيًا. والى أي مدى تؤثر هذه النبوة على مركزنا، وهل نحن بوضعنا الحالي ننكر اسمه؟
لنتذكر أن الشيطان متمرس في هذه الحرب الضروس، وقد اكتسب مهارات خبرة ستة آلاف عام مع الإنسان، وأنه "كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ" (يو8: 44)، وما أكثر المشاهد التي لبس فيها ثوب التديُّن، وهو يجيد الحديث عن "المحبة". يستطيع أن يظهر كملاك نور، وخدامه يستطيعون أن يظهروا كأنهم خدام بر. أ فلا نتسلح بسلاحنا؟ أ لا نتمسك بكلمة الله؟ أ لا نصلي بكل صلاة وطلبة؟ هل نحن "لاَ نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ (حيله)"؟ (2كو2: 11). إن كل العالم في صفِّهِ، والجسد (الطبيعة القديمة) ولاؤها له، حتى في المسيحي، ونحن لا يمكننا أن نغلبه إن كنا نستخدم أسلحته وخططه، وإنما ينبغي أن نضع نُصب أعيننا في حربنا معه ما يقوله الحكيم في أمثال 5: 6 عن المرأة الأجنبية: "لِئَلاَّ تَتَأَمَّلَ طَرِيقَ الْحَيَاةِ، تَمَايَلَتْ خَطَوَاتُهَا وَلاَ تَشْعُرُ"[8].
دعونا نتأمل كيف أن مدح الرب لفيلادلفيا لأنها لم تنكر اسمه يبرز الخطر العظيم وراء تلك المباحثات التي تدور حول ما إذا كان الفيلادلفي يمكن أن يغض الطرف قليلاً عن مركز الاجتماع الذي ربط نفسه به، بدافع الرغبة في لمِّ شمل شعب الله، فيرتبط بمن ينكرون اسمه. ونحن سنتكلم عن هذه الارتباطات لاحقًا، ولكن لنتذكر الآن كلمات الرسول التحذيرية حيث يقول إن مَنْ يقبل مَنْ لا يأتي بتعليم المسيح هو شريك له في أعماله الشريرة (2يو 7-11). على ذات القياس فإن من يواكب من ينكرون اسم المسيح عن علم بهذا الاسم، يكون شريكًا في إنكار اسمه. إن قصة أول هجوم من الشيطان على النهضة الفيلادلفية في منتصف القرن التاسع عشر بدأت بإنكار عملي لاسم المسيح[9]. وهذا يمكن أن يحدث في كل مكان، فهجمات الشيطان لابد واقعة، لذلك فإن إشارة الخطر في هذه النبوة تظل حمراء أمام عيوننا.
هذا ما أدى إلى ما يسمى "انقسام المرحبين"[10]. فقد سمح الله للشيطان بغربلة حنطته، فأتقن عمله. كانت هناك أخطاء كثيرة يمكن أن تنسب إلى كلا الفريقين، كما أننا قد نجد دوافع تقوية وراء موقف كليهما، ففي الغربال كل الأشياء مختلطة معًا، لذلك فمن المهم جدًا أن نقف على الأرضية التي تعطيها لنا هذه النبَّوة، لنرى أنه بينما كان فريق ينحو نحو المركز، كان الآخر ينحو نحو التوافق مع الظروف الحاضرة. صحيح أننا يجب أن نراعي الأمرين، كما أننا معرَّضون لأن نضل في أي من الاتجاهات، ولكن من يتمسك بإصرار بالمسيح سيجد أنه هو القوة الجاذبة لشعبه. إذا أردنا أن نرسم دائرة بالبرجل، فمركز الدائرة هو ما يحدد محيطها. إن فيلادلفيا لم تنل مدحًا ولا لومًا على سلوكها بالارتباط بشعب المسيح، وإنما يمدحها الرب لأجل موقفها من كلمته هو، واسمه هو، وصبره هو، وهذا ما ينبغي أن يحكم علاقاتنا.
متى كان المسيح مكرَّما يستطيع الروح أن يعمل بحرية، فيجد الحق موضعه بالارتباط بالمسيح، ويكون هناك نمو. كان روح الله يقود الشعب، ولم يكن من الممكن أن يخطئ الطريق، أو يحول الشعب في اتجاه آخر غير مسار الصخرة التي يتدفق منها الماء. وفي هذا نجد برهانًا ثمينًا متميِّزًا على مصادقة المسيح، وبعيدًا عن هذا المسار ينضب الينبوع ويجف. قد يبارك الرب الشعب هناك، ويجدون طعامًا روحيًا، لأن نعمة الله غنية، ولكن مصدر البركة والطعام ليس هناك.

الفصل السادس
بمن أرتبط؟
يجب أن ننظر إلى مسألة الارتباط في ضوء المكتوب، حتى ندرك إلى أي مدى يكون إنكار اسم المسيح شرًا، فهذا أمر يتطلب فحصًا دقيقًا للمكتوب لأهميته، فهو حق يتَّصل بطبيعة الأمور التي تسير حولنا اليوم، ويؤثر في كل واحد منا. وكلمة الله تقف بحزم في مواجهة كل المبادئ التي تسمح بأن يصبح المسيحي جزءًا من نسيج المجتمع العالمي، الذي يجعله لا يستطيع أن ينتبه إلى الأخطار الروحية التي تحدق به، ولكن "الْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ فَيَثْبُتُ إلى الأَبَدِ" (1يو2 :17).
إن ارتباط الإنسان بالإنسان هي ضرورة مقدسة، وتكوين الأسرة منذ البدء يؤكِّد هذا، واختلاف الإمكانيات والقدرات بين الناس تجمعهم معًا، فما ينقص الواحد يجده في الآخر. والوحدة تعني أن يخدم كل واحد الآخر، وهذا الاحتياج ينشئ تدريبًا لا غنى عنه. فسداد احتياج الواحد بالآخر ينشئ العواطف والوجدان. وكنيسة الله هي مؤسسة نجد فيها هذا التدريب في الصورة الأكمل، إذ هي اتحاد مؤسس على التنوع والوحدانية، لأنها جسد يُبنى "بِمُؤَازَرَةِ كُلِّ مَفْصِل، حَسَبَ عَمَل، عَلَى قِيَاسِ كُلِّ جُزْءٍ، يُحَصِّلُ نُمُوَّ الْجَسَدِ" (أف4: 16).
ولكن الخطية تحول كل ما هو صالح إلى شر، وكلما زاد الصلاح كلما زاد الشر الذي تقلبه إليه. والاتحادات الدينية اليوم ليست سوى نوع من التلاقي على خِطة عمل، وفيها يلزم الفرد أن يضغط على ضميره، وأن يتغاضى عن الشرور لأجل تحقيق هدف يُعتقد أنه صالح، لأنه يصبح جزءًا من نظام، وهكذا فإن هويته الفردية التي تحفظها الوحدة الإلهية وتعترف بها، يضَحَّى بها في سبيل البلوغ إلى هذا الهدف.
مهما كان الدافع إلى تكوين الاتحادات، فإن مخافة الرب الحقيقية هي العلاج الوحيد لكل اتحاد خاطئ، فهي لا تسمح بالشر في كل اتحاداتنا، بل تحرر إنسان الله من الرغبة في الانضمام إلى اتحاد خاطئ. فإن كنا نريد أن نسير مع الله فلن يمكننا أن نضع يدنا في يد من لا يقبلون أن تكون لإرادته السلطان الأعلى، فهدفنا ينبغي أن يكون هو هدفه، والطريق لتحقيقه ينبغي أن يكون طريقه هو، وأما أن نسعى لكي نربط بين الله والشر فهذا نجاسة، لأنه خلط للشر بالخير.
لذلك فإن اتحاداتنا هي من الأهمية بمكان، لأنها تشهد عن الطريق التي نسلكها. وحسب المكتوب، فإننا لا يمكننا أن " نَتْبَعِ الْبِرَّ وَالإِيمَانَ وَالْمَحَبَّةَ وَالسَّلاَمَ" إلا "مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الرَّبَّ مِنْ قَلْبٍ نَقِيٍّ" (2تي2: 22).
في كنيسة الله الحقيقية حيث علاقاتنا بعضنا مع البعض قد أسَّسها هو وليس نحن، من المحتم أن تتوافق القداسة في طرقنا مع الرابطة الأبدية التي ربطتنا الواحد مع الآخر، أما تدخُّل الإرادة الذاتية فهو يسبب ارتباكًا خطيرًا. والعالم الذي وضعت فيه الكنيسة هو على العكس تمامًا من الكنيسة، والشر فيه يتسامح دائمًا مع الشر الذي في الطبيعة القديمة في المسيحي، لذلك يجب أن نحترص من صداقة العالم أكثر كثيرًا مما نخاف من عداوته، فليس من الممكن عقد هدنة بين رئيسه وبين الله.
منذ عصر الرسل غزت حكمة العالم وشهوة الجسد وقوة الشيطان التُخُم المقدسة، وكان على بولس أن يقف على حدودها مدافعًا عن خطوطها ليصد عنها الغزاة. كان هناك إنكار لتعليم القيامة الأساسي، وهكذا صار الاعتراف المسيحي عند الكورنثيين محل تساؤل. فإن كان أمر كهذا كان من الممكن أن يدخل بين الكورنثيين بهذه السرعة، وفي زمن وجود الرسول، فكيف نتوقع أن تكون أيامنا أفضل، وأن تكون الحرب أقل ضراوة؟ لذلك ففي رسالته الثانية إلى الكنيسة في كورنثوس يؤكد الرسول بولس على أن كل نير يربطهم بغير المؤمنين يفسد تمتعنا بعلاقتنا مع الآب. فنحن علينا أن نخرج من وسط غير المؤمنين، وننعزل، ولا نمس نجسًا، وعندئذ فقط يكون لنا الوعد "فَأَقْبَلَكُمْ، وَأَكُونَ لَكُمْ أَبًا، وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي بَنِينَ وَبَنَاتٍ، يَقُولُ الرَّبُّ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ " (2كو6: 14-18). هل بعد هذا نحتاج إلى تأكيد على خطورة الاتحادات الخاطئة؟
يقول البعض إن النير المتخالف يكون في العلاقة بغير المؤمنين فقط، وبذلك فهو لا يحدد شكل علاقتنا بالمسيحيين، ولكن قبل أن ننظر إلى مواضع كتابية معينة، أريد أن أوضح فكرة ترتبط بهذا الاعتراض، فالبعض يعتبرون أننا يجب أن نأخذ في كل أمر وصية مباشرة صريحة من الكتاب لقيادتنا، ويرفضون أن نستدل منه على فكر الله من جهة بعض الأمور.
ولكن كلمة الله تعطينا مبادئ ولا تعطينا قواعد كاملة كناموس إلهي، وهذا يتطلب منا أن نستدل منها على كل خطوة نخطوها، فالاستدلال منها لا يمكن أن ينفصل عن حياة البلوغ، والله في إحسانه في تعامله مع خليقته يقول "هَلُمَّ نَتَحَاجَجْ" (إش1: 18)، والاعتراض على البحث في أمور الله أدَّى إلى الابتعاد عن المكتوب في أمور كثيرة وكان مصدر الطفولة الروحية دائمًا. وهذا الفكر يلغي كل القدرات التي أعطاها الله للإنسان، والاعتراض على عطايا الله هو اعتراض على العاطي نفسه، ولكن الله يُكَرَّم كالخالق عندما تُكَرَّم خليقته.
لما دخلت الخطية، أفسدت كل قدرات الإنسان. لكن عمل الله دائمًا يكون للتطهير وليس للإفساد، فعندما يبدأ الإنسان في إدراك العلاقة مع الله، تكون المحاجَّة معه أمرًا مقبولاً في حدود وضعه كمخلوق، وتنتهي بالبلوغ الذي يشكِّل حياة الإنسان الجديد في المسيح. هل يمكن أن نقول إنه طالما عندنا نور، فلسنا في احتياج إلى العين؟ فالعين لا استخدام لها إلا في النور. كذلك البحث في أمور الله.
هكذا الله يمتحننا في كيف نحاجُّه، فهو يضعنا تحت المسؤولية لأن نفتح أعيننا وننظر بها بأمانة. يتكلم الرسول عن تدريبه، الذي وجد أنه ضروري لكي يكون له "دَائِمًا ضَمِيرٌ بِلاَ عَثْرَةٍ مِنْ نَحْوِ اللهِ وَالنَّاسِ" (أع24: 16). فالتدريب يبين أن الإنسان حي أدبيًا وروحيًا، وهو يحفظه في حيوية وصحة روحية. لذلك فإن الله يؤكد على أهمية التدريب، ويتعامل مع الإنسان ليستمر في التدرُّب، لذلك أعطانا الكلمة "لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ (وليس كل العالم، ولا حتى المسترخين والنائمين من المسيحيين) كَامِلاً، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ". (2تي3: 17).
لنطبق الآن هذه المبادئ على النير المتخالف، فسنجد أن عدم الاعتراف بانطباقها على الشركة بين المسيحيين أمر غير صحيح روحيًا وأدبيًا. عندما يسأل هنا "أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟" فهل المبدأ الذي أمامنا يتكلم فقط عن النير مع غير المؤمنين؟ فإن كنا جماعة كلها مؤمنين، فهل لنا الحرية أن نكون تحت نير مع من لا يسلكون في البر؟
إن قداسة الله ومطاليبها ثابتة سواء بالنسبة للقديسين أو الخطاة، إلا أن خطية القديس أسوأ من خطية الخاطئ بمقدار الفرق بين النور والنعمة التي لكلمنهما، لذلك إن كان الإثم في الخاطئ يجعلنا لا نقبل الشركة معه لأنها تكون نيرًا متخالفًا، فهذا ينطبق انطباقًا كاملاً على العلاقة بين المسيحيين متى كان أحدهم يسمح لنفسه بذات هذا الإثم.
إن الإنسان لا يعرف المستقبل، لذلك فهو لن يستطيع أن يمنع القضاء الإلهي العادل على الإثم، ونتائج النير المتخالف لابد أن تتبعه، وكأننا نزدرد السم على أنه طعام صالح. لقد اختبر الكثيرون الآثار المدمِّرة المترتبة على الاندماج في اتحادات، سواء كانت اجتماعية أو تجارية أو دينية، دخلوا فيها مخدوعين بأنها تضم فقط مسيحيين، وكثيرون ممن أُخذوا في هذا الفخ استيقظوا بعد كل هذا، ليدركوا أن سؤال عاموس القديم "هَلْ يَسِيرُ اثْنَانِ مَعًا إِنْ لَمْ يَتَوَاعَدَا؟" كان أكثر عمقًا مما يتصورون (عا3: 3).
إن التأثيرات متعددة الجوانب لهذا الاختلاط يمكن أن نلاحظها بسهولة، فالنساء يسلكن مع أزواجهن في أمور يعلمن أنها لا ترضي الله، مفترضات أن الوصية القائلة "أَيُّهَا النِّسَاءُ اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ" (أف5: 22، كو3: 13) تعفيهن من كل التزاماتهن الأدبية. كذلك الوصية "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ لأَنَّ هذَا مَرْضِيٌّ فِي الرَّبِّ" (كو3: 20، أف 6 :1) تستخدم لقلب طبيعة الأمور الأدبية، وجعل الروابط الأرضية فوق الروابط الإلهية. كذلك كثيرًا ما نسمع أنه ليس لنا سلطان من الكلمة لإدانة الجماعات الأخرى، ولو كان هذا صحيحًا لكان معناه أننا لا نستطيع أن نتعامل مع خطية أي جماعة كما نتعامل مع الخطية في كافة صورها. هذا كله نتاج مبادئ فاسدة أدبيًا، فكيف يمكن للذين ينادون بهذه المبادئ ويمارسونها أن يهربوا من الويل الذي نطق به النبي إشعياء قائلاً: "وَيْلٌ لِلْقَائِلِينَ لِلشَّرِّ خَيْرًا وَلِلْخَيْرِ شَرًا، الْجَاعِلِينَ الظَّلاَمَ نُورًا وَالنُّورَ ظَلاَمًا، الْجَاعِلِينَ الْمُرَّ حُلْوًا وَالْحُلْوَ مُرًا" (إش5: 20). إن المبادئ الثابتة لحكومة الله وقداسة طبيعته غير المتغيرة تقف في وجه هؤلاء.
لنرجع إلى تعليم كلمة الله في رسالة بولس الرسول الثانية إلى تيموثاوس، حيث يعطي الرسول بولس كلمته الأخيرة، في حين كانت الكنيسة بالفعل قد قطعت شوطًا طويلاً في طريق الفشل، ولم تعد تسمى بعد "بيت الله" مثلما كانت في وقت كتابة الرسالة الأولى. فمع كونها كذلك بالفعل، إلا أن الرسول بولس يمثلها مرة بالبيت الكبير، الذي فيه آنية من كل نوع، حتى للاستخدام في أغراض الهوان، ومرة ببيت قد أُخرِب، ولكن بقي الأساس ثابتًا. لاحظ التعبير الذي يستخدمه في الكلام عن الأساس: "وَلكِنَّ أَسَاسَ اللهِ الرَّاسِخَ قَدْ ثَبَتَ، إِذْ لَهُ هذَا الْخَتْمُ: يَعْلَمُ الرَّبُّ الَّذِينَ هُمْ لَهُ" (2تي2: 19). إنه أساس آمِنٍ ثمين، ولكن ما دلالة ثباته؟ إنه يدل على أن الكنيسة صارت غير منظورة، إلا أمام الله الذي يعرف كل إنسان أتى إليه لأجل الخلاص. ولكن هناك ما هو أبعد، فعندما تظهر كل صعوبات الطريق، ويبدو كأن الشر قد انتصر، ولم يعد هناك مَهرَب من حالة التراخي، فإن الاتجاه الصحيح للسلوك وسط كل العوائق والأشواك يظهر كما لو على خريطة إلهية، طريقًا واضحًا بسيطًا مستقيمًا، وهو: "لْيَتَجَنَّبِ (أي ينفصل عن) الإِثْمَ كُلُّ مَنْ يُسَمِّي اسْمَ الْمَسِيحِ" (ع19).
شكرًا لله، فها هي الإجابة، وفيها وحدها السلامة الأكيدة. عليك بلا تردد بهذا المبدأ في كل المجالات، سواء بالنسبة للعلاقات الفردية أو الاجتماعية أو الدينية، مهما كانت الصعوبات التي تتهددك. فهكذا فقط نجد الطريق في القفر، في الجبال الوعرة، أو في وادي الموت، ففي جميع الحالات ستجد أن "سَبِيلُ الصِّدِّيقِينَ كَنُورٍ مُشْرِق، يَتَزَايَدُ وَيُنِيرُ إلى النَّهَارِ الْكَامِلِ" (أم4: 18) لأن نور السماء يضيء عليه.
لاحظ كيف يرِد اسم الرب المقدس هنا: إن كان أحد يسمي "اسم الرب" (وهذه هي الترجمة الصحيحة)، الاسم الذي ينبغي أن يكون له الخضوع في مواجهة مقاومة الناس له، فإن هذا يستلزم تجنب الإثم (عكس البر). وما هو الإثم؟ إن البر هو كل ما هو حق في عيني الله، والمقياس الوحيد الصحيح له هو المركز الذي وضعك فيه دم المسيح، والنعمة التي أُظهرت لك والتي عليك إظهارها، والطريق المبارك الذي دُعيت لأن تَتْبع الرب فيه. والإثم هو كل ما على العكس من ذلك. وفي كل هذه ستجد الكثير من التدريبات اليومية.
في العددين التاليين (2تي2: 20-22) يقول الرسول: "وَلكِنْ فِي بَيْتٍ كَبِيرٍ لَيْسَ آنِيَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ فَقَطْ، بَلْ مِنْ خَشَبٍ وَخَزَفٍ أَيْضًا، وَتِلْكَ لِلْكَرَامَةِ وَهذِهِ لِلْهَوَانِ. فَإِنْ طَهَّرَ أَحَدٌ نَفْسَهُ مِنْ هذِهِ، يَكُونُ إِنَاءً لِلْكَرَامَةِ، مُقَدَّسًا، نَافِعًا لِلسَّيِّدِ، مُسْتَعَدًا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ. أَمَّا الشَّهَوَاتُ الشَّبَابِيَّةُ فَاهْرُبْ مِنْهَا، وَاتْبَعِ الْبِرَّ وَالإِيمَانَ وَالْمَحَبَّةَ وَالسَّلاَمَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الرَّبَّ مِنْ قَلْبٍ نَقِيٍّ".
هذه الأعداد تكشف عن التشويش الناتج عن عدم الانفصال عن الشر واتخاذ موقف سلبي منه، وعدم الارتباط بما هو صالح فقط ارتباطًا إيجابيًا، وما يتبع ذلك من توجهات في زمان التشويش. ولكن أولئك "الَّذِينَ يَدْعُونَ الرَّبَّ مِنْ قَلْبٍ نَقِيٍّ" هم كل من "يُسَمِّي اسْمَ الْمَسِيحِ، ولذلك فكلٌ منهم عليه أن "يَتَجَنَّبِ الإِثْمَ". لذلك فإن من يطهر نفسه من آنية الهوان يكون له تميزه الخاص. ولكن هل هنا نجد نوعيتين فقط من الآنية، آنية كرامة وآنية هوان؟ لو أن فقط هذه الآنية التي تطهر نفسها من آنية الهوان هي آنية الكرامة، لكان معنى ذلك أن كل الآنية التي لم تطهر نفسها هي آنية هوان، لكن نجد في طيات الأعداد التي أمامنا نوعية، مع كونها آنية كرامة، قد استبعدت لكونها غير مستعَدَّة ولا مهيَّأة لاستخدام السيد. ويا لها من حالة خطيرة، سواء أن يكون الإنسان إناء هوان، أو إناء كرامة غير مهيأ لخدمة السيد.
ألا تنطبق هذه المبادئ على الشركة في الكنيسة؟ أم تُستثنى منها؟ إنه لا استثناء إطلاقًا لهذه المبادئ. إن اتباع "الْبِرَّ وَالإِيمَانَ وَالْمَحَبَّةَ وَالسَّلاَمَ" مع أولئك الذين طهروا أنفسهم من الارتباط بالشر يتضمن أنه لا يمكن أن يكون قبول من لم يتطهروا منه في كسر الخبز في الكنيسة صحيحًا. لأنه إن كان الإنسان غير صالح لاستخدام السيد، فهو لا يصلح لأن يشترك في المسؤوليات والامتيازات حيث يستخدم الله كل واحد، والكل معًا، حسبما يريد. فأعضاء الجسد، لكونهم أعضاء الجسد، مسؤولين أن يبني الواحد الآخر، فإن لم يكونوا مؤهَّلين لهذا، فهم أيضًا غير مؤهَّلين للاشتراك في مسؤولية وامتياز أن يكونوا جزءًا من الكيان الممثِّل للجسد الواحد، ألا وهو الكنيسة المحلية. وإن كانوا لا يستطيعون أن يدعوا الرب من قلب نقي، فهم لا يستطيعون في الواقع أن يدعوا له إطلاقًا. إذًا فالكنيسة المحلية، متى كان لها فكر واحد مع الرب، لابد لها أن تنفذ حكمه.
مرة أخرى نجد ذات هذا المبدأ في كورنثوس الثانية والأصحاح السادس، حيث يقول: "لأَنَّهُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟" (2كو6: 14). وكونه يضع القول في صيغة السؤال الاستنكاري يتضمن الإجابة الصريحة، ويتوقع استجابة من كل ضمير.
إن الشركة الكنسية ينبغي أن تؤسَّس على البر، وصوت "القدوس الحق" يدوي هنا. لذلك فإن السماح للشر في فرد أو أفراد لابد أن يمنع الشركة مع المسيح تمامًا، فنحن لن نتمكن من السير مع الله ونحن نساير الشر.
هكذا فإن كل الكنيسة في كورنثوس، إذ وجد في وسطها شخص فيه شر أدبي، صارت خميرًا لأنها سمحت بهذا الشر، وكان عليهم أن ينقوا من بينهم الخمير (الشر) بالحكم على ذواتهم، والانفصال عن الشر، حتى يصبحوا عجينًا جديدًا (1كو5). ولكن طالما كان الشر مسموحًا به، لم يكونوا عجينًا جديدًا، لأنه يوجد خمير في العجين، وليس فقط في هذا الشخص. هم في المسيح بلا خمير، ولكن كان عليهم أن يظهروا في حالتهم العملية ما فعلت بهم النعمة، والمركز الذي وضعتهم فيه.
بالرغم من ذلك فإن البعض يقولون أنه مع أن الكورنثيين سمحوا بالشر في وسطهم، كانوا هم أنفسهم بلا خمير. والبعض يضيف إنه قد يكون الوقت الواجب لعزل الخمير قد مضى، والآن لم يعد الوقت المناسب لعزل الخمير. هذا المنطق ينكر قوة النعمة الإلهية في العمل في جميع الحالات التي يمكن أن توجد بين شعب الله، ولكن كان هناك بالفعل أمر استثنائي بالنسبة لحالة الكورنثيين، لا يمكن تطبيقه على أي كنيسة أخرى منذ ذلك الوقت، وهو أنهم ربما لم يكونوا يعلمون ماذا يفعلون في حالة كهذه، حيث لم توجد لها سابقة مماثلة. ربما هناك من ناحوا عليها أمام الله، ولذلك قال لهم الله ما ينبغي أن يفعلوه، حتى لا يبقى عذر لمن يأتي بعدهم لعدم معرفة كيفية التصرف في أمر كهذا .
كان عليهم أن "يَعْزِلُوا (الشخص) الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِهِمْ " (1كو5: 13). وهنا يعترض البعض على أن يكون العزل من مائدة الرب، ولكن في الحقيقة إن الأمر يتجاوز مائدة الرب إلى ما هو أبعد، فهو يقول "مِنْ بَيْنِكُمْ". إن العزل من مائدة الرب فقط قد يتضمن الاستمرار في التعامل مع هذا الشخص كواحد منهم في الأمور الأخرى، وهذا يمثل نوعًا من اللامبالاة. ولكن الرسول يوضح إلى أي مدى يكون هذا العزل في قوله "لاَ تُخَالِطُوا وَلاَ تُؤَاكِلُوا مِثْلَ هذَا" (ع11). أي أن هذا كان يستلزم قطع كل علاقة به، حتى مشاركته في الطعام العادي.
إن العجين المختمر يعني أن كل جزء من كتلة العجين يستطيع أن ينشر الخمير، فالنتيجة لدخول الخميرة العتيقة إلى العجين الجديد، هي أن يختمر الجميع أيضًا. هذا معناه أن كل من يوافق على بقاء الشر هو شريك في هذا الشر، فهو عمليًا ينكر قداسة الله، لذلك فهو نفسه لا يمكن أن يكون مقدَّسًا. أنا لا أتكلم عن التعامل الطبيعي، فقد أوجد في مصنع واحد أو مكتب واحد مع شخص عنده شر، دون أن يكون ذلك مصدر نجاسة لي، ولكنني أتكلم عن الفساد والمبادئ المفسدة التي تسمح بالربط بين اسم المسيح ومن لا يقدرونه، وبالتالي ينكرون اسمه. لذلك فإنه يذكِّر فيلادلفيا بأنه "الْقُدُّوسُ الْحَقُّ". لكن القداسة تضيع في وسط الشركة مع الشر.
إن عزل الشر يعني الانفصال عنه. وهنا في كورنثوس الأولى كان على الكنيسة أن تعمل. لكن في تيموثاوس الثانية، نجد أن الفرد الذي يريد أن يكون إناء للكرامة عليه أن يطهِّر نفسه من آنية الهوان، بمعنى أنه ينبغي عليه أن يعمل هو شخصيًا، مهما كانت التكلفة. فإن وقَفَت الكنيسة المحلية في موقف مضاد، فإنه عليه لكي يحفظ لنفسه الضمير الصالح أن ينفصل عن هذه الجماعة. في هذه الحالة ستكون هناك دينونة لهذه الجماعة. فإن انفصل أحدنا وهو على حق (والقواعد لذلك واضحة، فليس ينفصل لأسباب شخصية، أو لبعض الأمور التي لا يوافق عليها) فعلينا أن ننفصل أيضًا، وبذلك ندين هذه الكنيسة المحلية، وإن لم ننفصل فنحن لسنا في صف الله. هكذا فإن علينا أن نحكم على كل فرد في هذه الكتلة المختمرة. أما أن نستمر في السير مع أولئك الذين ينكرون قداسة الله، فهذا معناه أننا نحن غير المقدسين. إن إنكار اسم المسيح كمن هو "الْقُدُّوسُ الْحَقُّ"، معناه أننا انتهينا من أن نكون «فيلادلفيا».


الفصل السابع
دائرة شركة أم استقلالية؟
علينا الآن أن نأخذ مسألة أخرى في الاعتبار، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما ناقشناه من قبل. كانت أكثر الطرق نجاحًا في تجنب التأديب الروحي هي الاستقلالية، بل وكانت هي أنجح الفخاخ التي أوقعت أولاد الله في خطية مقاومة مشيئته، وهم يتوهمون عن اقتناع شديد بأنهم لا يعملون إلا ما تعلِّم به كلمة الله من مبادئ ضد التحزب والطائفية، مع الحفاظ على الطهارة ومبدأ وحدة جسد المسيح. لذلك وجب علينا أن نفحص بتدقيق في ماهيَّة الاستقلالية، وما هي نتائجها.
الاستقلالية في أبسط وأوضح صورها هي إنكار أي سلطان روحي لدائرة الشركة خارج نطاق الاجتماع المحلي. وفي نظر الاستقلاليين هذا يدعم لا طائفية الكنيسة الواحدة، التي هي جسد المسيح. فهم يعتبرون أن وجود دائرة شركة يمارَس فيها التأديب المشترك هو منتهى الطائفية، لأنها تجعل كل الحزب – حسب تعبيرهم – الذي يدعو باسم المسيح، في موقف من قال في كورنثوس "أَنَا لِلْمَسِيحِ" (1كو1: 11-13)، وهذا يجعل اسم المسيح أداة للانشقاقات.
هذا الاتهام قد يصدر عن شخص لا ينكر اسم المسيح، ولكنه ينتهي إلى صورة منإنكاره متى طبقه بالفعل. وفي نفس الوقت فإن المرتبطين بدائرة شركة، وفي نفس الوقت يرفضون أن يتخذوا اسمًا طائفيًا (أي اسمًا يميزهم عن باقي المسيحيين) لا يفرِّطون في اجتماعهم في بساطة إلى اسم المسيح، ومن جهة أخرى لا يقبلون مثل هذا الاتهام ضدهم. فلنفحص هذه الأفكار التي يصرون عليها في ضوء كلمة الله، فالحق لابد أن يكون أكثر وضوحًا كلما فحصنا المكتوب باجتهاد، ولكن الخطر الأكبر هو في فحصه بلا اهتمام.
ما معنى "دائرة شركة"؟ (وهو تعبير لا نجده نصًا في كلمة الله، مثل كثير من التعبيرات التي نستخدمها، كلفظ "التثليث" أو "الاختطاف" ولكن الحق الذي تعبِّر عنه مؤكَّد في الكلمة). إن الفكرة يعترف بصحتها حتى المعترضون، عندما يجتمع معهم آخرون من كنائس محلية أخرى، لأن العدد المحدود الذي يجتمع ليسوا هم كل كنيسة الله في الحي أو المدينة التي تضمهم، لذلك فلابد أن يكون هناك من هم في الداخل ومن هم في الخارج، أي بمفهوم ما: هناك من هم "مِنَّا" ومن هم "ليسوا مِنَّا". وهذا لا يجعل منهم طائفة لها رئاسة، أو لها صيغة اعتراف من صنع البشر. ولكن متى غاب الاعتراف نهائيًا فهذا يجعل مِنَّا مجموعة من الغوغاء، الأمر الذي لا يقبله أي مسيحي.
ولكن متى قلنا: «إننا يجب أن نخضع للمكتوب فقط» فهذا يتضمن المكتوب بحسب فهم كل واحد، وليس بالضرورة أن يكون حسب فهم رفيقه المسيحي، ثم نأخذ جميعنا (باختلاف فهمنا) مكاننا أمام الرب لكي يحكم هو بما هو صحيح. فانفصال كل واحد منا بهذه الصورة عن الآخرين (في الطوائف) ينشئ دائرة شركة، ولكن لا يجعل منا طائفة. فكل واحد من المنفصلين على هذا النمط يعترف بكل المسيحيين في كل مكان كأعضاء في جسد المسيح ويقبلهم طالما لا يوجد ما يمنع قبولهم، وهكذا نجتمع معًا ببساطة إلى اسم المسيح دون أن نجعل من اسم المسيح أداة انشقاق.
إذن على الأقل في الحي أو في المدينة التي كنا نتكلم عنها سيتكَوَّن اجتماع لمسيحيين يمكنني أن – بل ويجب عليَّ – أن أعترف بهم، بينما هم منفصلون عن باقي المسيحيين في ذات المكان. وأقول: «يجب» لأنني مسؤول أمام الله من جهة من أجتمع معهم. وهنا فقط في اجتماع كهذا أجد أولئك الذين أجتمع معهم دون أن توضع عليِّ شروط غير كتابية. ولكن إذا وُجد في المكان أكثر من جماعة يجتمعون على هذا النمط، فعليَّ حينئذ أن أسأل: «لماذا لا يجتمعون معًا؟» لأن خطية الانشقاق هي من أخطر الخطايا (1كو1: 10)، وعليَّ أن أرفض ذلك.
لنفترض الآن أنه كان في المدينة التي أنا فيها اجتماع أستطيع، بل واجب عليَّ، أن أجتمع معهم، ثم انتقلت إلى مدينة أخرى، فوجدت جماعة على نفس القياس يجتمعون إلى اسم المسيح وحده، فهل يحق لي في مكاني الجديد أن أنقض اعترافي بالاجتماع الذي في مدينتي الأولى، والذي كنت أعترف به آنذاك، والذي كنت سأظل معترفًا به لو أنني لم أتركها؟ هل يمكن أن تركي للإسكندرية مثلاً وسكناي في القاهرة يجعل اجتماع الإسكندرية في وضع خاطئ بالنسبة لي، بينما كان في وضع صحيح عندما كنت هناك، بل وسيكون صحيحًا لو أنني رجعت إلى الإسكندرية مرة أخرى؟ لو أن هذا فكري لكان هذا استقلالية تامة، أو قل هو افتراء صريح يستبدل الحق بالباطل، ينتهي إلى تبديل الحق كلما عبرت بضعة كيلومترات على طريق سفر. في المقابل إن كان هذا غير ممكن، فإننا حينئذ مرتبطون معًا كدائرة شركة، تتكون من مجموع الكنائس المحلية التي تجتمع مرتبطة ببعضها البعض، في كل مكان توجد فيه، على أرضية روحية واحدة، ومسلك أدبي واحد.
وهكذا فإن اعتراف كل اجتماع بالآخر في كل العالم هو حق، وكل ما يتعارض معه هو باطل، إلا أن الكتاب يبين لنا – والتاريخ أثبت كذلك – أنه لا يمكننا الحفاظ على وحدة كل كنيسة الله، متى كانت مبادئ الله لها تقديرها عندنا. فإذا كنت في المثال السابق سأرحل من الإسكندرية إلى القاهرة، ألا ينبغي أن أستعلِم أين أولئك الذين لهم فكر واحد معنا في القاهرة؟ وهل يتوقَّع الإخوة في القاهرة مني شيئًا خلاف ذلك؟ قد يرفض البعض نظريًا مبدأ دائرة الشركة، ولكن الحقائق تدحض النظريات، لأن البديل الوحيد لدائرة الشركة هو الاستقلالية التامة، وفيها نجد الإرادة الذاتية هي التي توحِّد، والالتزامات يُعترف بها محليًا، وما هو لازم هنا قد لا يكون لازمًا في مكان آخر، وهذا في الواقع هو الطائفية الكاملة.
إننا يجب أن نعترف بجسد المسيح الواحد ككل، ولكن لا نقبل الروابط غير الروحية لأعضائه. ففي طريق البر الذي يطلبه الله في جسد المسيح أرفض المسمَّيات الطائفية، ولكن في ذات طريق البر هذا عليَّ أن أوجد في دائرة الشركة في البر بلا طائفية. إن قول الرب المبارك في متى18: 20 هو ذخر لنا في يوم الفشل والتشويش، إذ يصادق به على اثنين أو ثلاثة يجتمعون معًا إلى اسم الرب المبارك، فهو بذلك يصادق على كل اجتماع يجتمع هكذا في كل مكان، وبذلك يوجِد دائرة شركة، ويكون رفض انضمامي إلى هذه الدائرة، واتخاذي مكاني بين جماعات لها أسماء هو طائفية، ولا يبررنا من هذا أن ندعي أننا نعمل ذلك لأجل خير كنيسة الله ككل، بينما عدم مصادقة المكتوب على هذه الطوائف أمر واضح.
علاوة على ذلك، فأن أقبل هذه الاجتماعات الكتابية معناه أن أقبل تأديبهم الكتابي، لأن مصادقة الرب على اجتماعهم هو مصادقة على التأديب الذي يحكمون به بكل تأكيد. لا أقصد بذلك أنه يمكنهم أن يضيفوا على المكتوب أو يبتدعوا مبادئ غير كتابية للتأديب، أو أن الرب سيصادق على تأديب خاطئ، فهو دائمًا القدوس الحق، والرب والسيد بين شعبه، ولكن هؤلاء الاثنين أو الثلاثة الذين تكلم عنهم في متى18: 20 لهم سلطان التأديب، وويل لمن يقاوم استخدام هذا السلطان في محله: "وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْكَنِيسَةِ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالْوَثَنِيِّ وَالْعَشَّارِ" (مت18: 17). وهذا ينطبق على اجتماع بسيط مكوَّن فقط من اثنين أو ثلاثة.
نفس هذا المبادئ المختصة بالتأديب تنطبق على الاجتماعات نفسها، فإن كان التأديب بحسب البر، وقد أقره الاجتماع (أ)، فإنه يكون ساريًا وينبغي احترامه في الاجتماعات (ب) و(جـ) و(د)... فمع كون القرار يخص أمرًا داخليًا في الاجتماع الذي حكم به، فإن هذا معناه بوضوح أن الرب قد وضعه في أيدي أولئك الذين هم في وضع يستطيعون معه أن يحكموا في الأمر الحكم الصحيح. كما أنه لابد من سماع كل اعتراض ودفاع، وعلى الذين حكموا في الأمر إقناع كل الأمناء الذين أثر فيهم هذا الحكم.
أما بالنسبة لمقاومة السلوك بحسب الحق، فهذا أمر متى حدث يؤثِّر في دائرة الشركة، لذلك يمكن أن يوضع أمام الجميع، ولا سلطان لاجتماع محلي في أمر كهذا، لأن هذا يمكن أن يتحول إلى وضع فرائض على الاجتماعات الأخرى أن تطيعها. كما أن الحق الخاص بالمسيح له عمق وأهمية خاصة، لأننا نجتمع إلى اسمه، ومتى نقض حق كهذا لا تكون هناك كنيسة محلية بعد، بل تصبح أداة في يد الشيطان، لذلك يجب في مثل هذه الحالات رفضها، ورفض كل من يبقى فيها.
إذا كان الأمر متعلق بوقائع فينبغي على من عاينوها أن يخطروا بها إخوتهم، وقد يكون ذلك بخطاب يرسل إلى الكنائس المحلية (التي لها علاقة بهذه الوقائع، وأصحابها)، ليس لوضع قاعدة أو مبدأ عمل، بل للشهادة بالوقائع، ويخضع هذا الخطاب بالطبع للتساؤلات والاستفسارات، ولمناقشة الوقائع، وما إذا كان هناك برهان مضاد لدى آخرين، أو ربما لاستيضاح أمور إذا كانت هذه الشهادة غير كافية. ولكن ليس لأي خطاب سلطان في حد ذاته، وإنما يمكن فقط أن يضع الحقائق أمام الجميع، ليحكموا في مصداقية هذه الشهادة.
ومع كل هذه الاحتياطات اللازمة بسبب كوننا جميعًا عرضة للوقوع في الخطأ، علينا أن نعترف بدائرة الشركة، والتأديب في مجالها. ذلك إن كنا لا نريد الوقوع في الاستقلالية.
إن الاستقلالية دائمًا تعمل ضد الله، فهي تعطي للعضو أن يقول لأخيه في الجسد الواحد: «لسنا في حاجة إليك»، وهي تنكر وحدانية الروح التي ينبغي أن تتواجد في الجسد الواحد. وعلى قدر ما نَحزن لأجل الطائفية التي تحيطنا من كل جانب ونرفضها، على قدر ما نخضع بسرور ونفرح بأن نعترف ببساطة بجسد المسيح أينما وجد، وهذه هي دائرة الشركة، التي وإن لم تكن هي الجسد، لكنها تعطينا أن نتمتع عمليًا، بل وفكريًا، بالجسد الواحد بحسب الحق وبمسلك مقدس، على قدر ما تسمح حالة الخراب التي في الكنيسة. فمع المحبة من نحو جميع القديسين الذين للمسيح، ومع الباب المفتوح لهم جميعًا للدخول على أساس من الحق والقداسة لا تكون دائرة الشركة هذه طائفة، بل هي ضد الطائفية.
إن الاجتماع على أساس الجسد الواحد هو أمر يختلف تمامًا عن أي ادعاء بكوننا الجسد الواحد، كما أنه ليس اجتماعًا طائفيًا أو شركة من ابتداع الإنسان. فاحترام التأديب المشترك ليس طائفية، وإنما هو أمر أساسي للشركة ذاتها، فقداسة الله لا تتغير بتغير المكان، وليس من حق "اثنين أو ثلاثة" هنا أو هناك أن يتلاعبوا بها كما يتراءى لهم.
أما الاستقلالية، فهي تنحِّي جانبًا التطبيق العملي لوحدة الكنيسة، وتطرح بذلك درع القداسة الواقي، فلا تكون القداسة بعد هي الغرض المشترك، ويبطل التدريب المشترك فيها. والاستقلالية تعفي الفرد من الشعور بالمسؤولية الشخصية تجاه بيت الله، بل تجعله يشعر بأنه مسئول عن بيته هو فقط لأن يحفظه طاهرًا، وبأسلوبه ومفهومه الخاص. وهذا التحلل من المسؤولية تجاه شعب الله من الطبيعي أن يخفِّض تقدير الفرد للقداسة (وهو يؤدِّي إلى إسكات وإراحة الضمير غير المتدرب، الأمر الذي يجعل الكثيرين يميلون إلى الفكر الاستقلالي اليوم – ر. دانيل) وهكذا لا يمكن الحفاظ حتى على بيت الفرد في حالة النقاء.
وحيث لا تُحتَرم دائرة الشركة والتأديب المشترك (ربما كنتيجة طبيعية للاستقلالية)، يبدأ الدفاع عن المبدأ غير المقدس الذي يدَّعي أن الكنيسة المحلية لا تُدان على الخطية التي يُدان لأجلها الفرد، وبهذا يمكن الالتفاف من وراء أي تأديب كنسي وإبطال مفعوله ببعض الحذاقة والتدبير الشخصي، فإن رفض الاجتماع (ب) قبولك لأن الاجتماع (أ) حكم عليك، فإنك ستجد الاجتماع (جـ) الذي سيقبلك دون اعتبار لحكم (أ)، ومنه يمكنك الانتقال بخطاب توصية إلى (ب)، وهكذا بالتنقل من اجتماع إلى آخر يمكنك تفادي التأديب، ويكون الجميع قد وقعوا في خطية إبطال التأديب الذي حَكم به اجتماع ما بحسب كلمة الله. وأي شخص غير معروف بالوجه يمكن أن يتشتَّت ويتحيِّر في غياب التواصل بين الكنائس المحلية المستقلة. والشخص ذو الضمير اليقظ ويريد أن ينأى بنفسه عن الإثم لابد أن ينتحي جانبًا، أملاً في أن هذا التشويش ينتهي يومًا بتحقيق القداسة، أو يستسلم لليأس من تحقيق ذلك، أو ربما يغسل يديه مما لا يستطيع أن يتجنبه.
إن الاستقلالية كنظام هي فخ يوجِد الأعذار للتشاؤم التام، أو للتفاؤل التام، وبالتالي يتعايش معهما، والفرد يتحرر فيه من كَمٍّ كبير من المتاعب، بينما يبدو وكأنه لم يفرِّط في أي مبدأ كتابي بشأن الاجتماع مثلما هو الحال بالنسبة لكثيرين، ولكنه يتحرر من حمل التزامات كثيرة يتحرر منها أيضًا المجموع، لاسيما من جهة مسؤوليتنا في ملاحظة بعضنا البعض. وحجتهم هي: لماذا ينبغي أن أكون حارسًا لأخي، الأمر الذي لا ينتج عنه سوى المشاكل؟ وهكذا بدلاً من الطريق الضيق نفتح لأنفسنا طريقًا واسعًا، يُسرُّ به ويقبله الجميع، وليس أكثر من أننا نغمض العين عما لا يمكننا تفاديه.
إن الانقسامات الكثيرة التي لا تُعدُّ من الاجتماعات الاستقلالية تكشف عن جانب من التمزق الرهيب الذي نحن عرضة له. لماذا نحمِّل أولئك المراريين البائسين خيمة الاجتماع بأوتادها الثقيلة وأطنابها[11] المتشابكة المعقدة؟ أما يكفينا القهاتيون والجرشونيون يحملون المسكن. ولكن إن كنا نقيم خيمة الرب في البرية، فنحن في حاجة إلى تلك الأوتاد والأطناب.
النتيجة هي الإساءة إلى حق الله، حتى يكاد يضمحِل، وماذا يمكن أن نتوقع عندما نختار ما نقبله من الحق ونترك ما لا يوافقنا؟ لا يمكن أن نضمن نوعية الشركة في هذه الحالة، وأقل قدر من طاعة المكتوب يُلزِمُنا أن نرفض شركة كهذه. ستحلُّ الخدمة محلَّ السجود في معظم الأحوال، لأننا فقدنا الأوتاد والأطناب الضرورية للعبادة. قد يستطيع المرء أن يسلك مكتفيًا بالقدر الضئيل من الحق الذي يجد أنه لا يزال يحتفظ به، ولكن الحق الكامل يضيع صوته وسط ضجيج الأفكار البشرية الخاصة الكثيرة.
قد يكون كلامي هذا قاسيًا بعض الشيء في يومنا هذا، ولكنني أريد أن تتثبَّت أمام نظر شعب الرب أولاً حقوق سيدهم. لذلك أكرر إن الاستقلالية، مهما كان الخطأ من ورائها صغيرًا في نظر البعض، حتى يتصورون إنه يمكن التغاضي عنه، إلا أنه يؤدِّي إلى تحطُّم سفينة حق المسيح، فالاستقلالية هي استقلالية عنه هو. ستجد الكثير من الجماعات تحت مبدأ الاستقلالية، لأنها تعطي الحرية التي يصبو إليها كثيرون اليوم، ولكنها تنكر سلطان المسيح فيها، لذلك لا يمكن أن تكون لها مصادقة مثل التي نالتها فيلادلفيا من سيدها الجوَّاد حين مدحها: "حَفِظْتَ كَلِمَتِي وَلَمْ تُنْكِرِ اسْمِي" بالرغم مما لها من "قُوَّةٍ يَسِيرَةٍ".

الفصل الثامن
الإكليروسية والكنيسة الجامعة
مهما كنَّا في وضع صحيح، فلن نكون في أي وقت غير معرَّضين لخطر فخاخ الشيطان، فإنْ تفادَيْنا بعضها في اتجاه ما، فحالاً ما سنجد أننا أقرب ما يكون إلى فخاخ أخرى في الاتجاه الآخر. إن الكنيسة بالفعل في حرب، ومكاننا الصحيح في الميدان هو في المواجهة، وليس لنا أن ننسحب من المعركة. والواقع أن الشيطان يشن هجمات خاصة على أولئك السائرين مع الله، والله يسمح بتعلُّمنا الحرب الروحية، لكي ينشِّط فينا كل الحواس الروحية، لكي تكون لنا "بِسَبَبِ التَّمَرُّنِ .. الْحَوَاسُّ مُدَرَّبَةً عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ" (عب5: 14). كما أننا بحاجة لأن نعرف قيمة ما امتلكناه، فالناس يتعلمون قيمة ما يملكون عندما يكون عرضة لأن يفقد منهم.
في رحلة الشعب في البرية كان كل الشعب في المحلة، والأخطار المحيطة بهم كانت تهددهم جميعًا على حد سواء. لكن في المسيحية، تقترب مخاطر الحرب منا أكثر بقدر ما يكون وضعنا صحيحًا روحيًا. وليس هناك من هم مُعفوْن من هذه الخدمة، لا رجل وامرأة، ولا بأي تصنيف آخر، فعلى الكل ارتداء زِيِّ المعركة، وعليهم التزام واحد، فالكل ينبغي أن يكونوا يقظين متوقعين الهجوم المباغت من العدو. وكما أن كل مسيحي هو كاهن وخادم، هكذا هو أيضًا جندي للمسيح. ولكي يكون جنديًا صالحًا عليه أن يعْرف أسلحته الروحية، ويتقن استخدامها، الأمر الذي لا يأتي إلا بالتدريب. كما أن عليه أن يعرف خطط العدو الذي يواجهه.
هناك قواد في هذه الحرب، وفي الشعب كان كل واحد تحت رايته، أي تحت قائده. ولكن الفرق شاسع بين الحرب الروحية والحرب الجسدية، ففي حروب البشر تكون المسؤولية على القائد، وأوامره تجُّبُ مسؤولية مرؤوسيه. وإنه أمر يستحق الإعجاب أن أولئك يطيعون إرادة قائدهم طاعة عمياء، وهم يعلمون أنه قد يخطئ التقدير، وخطأه قد ينتهي إلى هلاكهم.
أما في الحرب الروحية فنحن نشفق على أولئك الذين يفعلون ذلك ولا مجال للإعجاب بهم، لأن مسؤولية القائد لا تعفي أحدًا من أتباعه من مسؤوليته الفردية. فإن كان الجندي يتخذ خطوة خاطئة فهو مذنب، ليس فقط لأنه عرَّض نفسه للخطر، بل عرَّض كل الفريق الذي هو فرد فيه. وهو مذنب لأن هناك قائدًا واحدًا لجند الرب لا يخطئ، وصوته واضح للجميع في ميدان المعركة، ومسؤولية كل قائد تحت القائد الأعلى هي فقط أن يجعل الجنود يسمعون هذا الصوت، وكل منهم عليه أن يقول: "كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي كَمَا أَنَا أَيْضًا بِالْمَسِيحِ" (1كو11: 1).
إذا كنا نريد الخير لشعب الله علينا أن نذكرهم دائمًا بواجباتهم نحوه، وأنه لا يوجد من له سلطان أن يعفيهم من أي منها في أي مجال من الحياة المسيحية العملية. ولكن الغالبية من المسيحيين رجالاً ونساءً يودُّون لو أنهم أُعفوْا من مسؤولياتهم في شتى مجالات النشاط المسيحي، وهم يعتقدون أنه من الممكن أن يُوكِلوا تتميمها إلى آخرين. وعلى الأخص في المجال الكنسي نجد أن مبدأ الوكالة قد أعمى أعين الكثيرين، وضلل شعب الله، وأدى إلى عدم الاعتراف بأي شخص بينهم أعطاه الله القدرة على التأثير على الآخرين واتهامه بالإلحاد. وينبع هذا الفكر من الكسل الروحي، الذي يقول عنه الحكيم: "قَلِيلُ نَوْمٍ بَعْدُ قَلِيلُ نُعَاسٍ، وَطَيُّ الْيَدَيْنِ قَلِيلاً لِلرُّقُودِ، فَيَأْتِي فَقْرُكَ كَسَاعٍ وَعَوَزُكَ كَغَازٍ" (أم6: 10، 11).
عزيزي المسيحي.. لا تسمح لأحد أن يقف بينك وبين المسيح، فهو السيد الوحيد لك. إن نجاح حياتك الروحية ولمعانها يتوقف على مدى ثباتك في الاتكال عليه وحده، والأمانة من نحوه تقتضي ذلك. لا شك أنك لن ترفض المعونة التي يرسلها إليك بواسطة آخرين، وإلا فهذا يكون كبرياء وثقة في الذات، فقد أعطانا الله كل واحد للآخر لنكون معونة بعضنا لبعض، فلا تجعل هذه الحقيقة تغيب عن عينيك، ولكننا نسقط في واحد من أخطر وأنجح شباك الشيطان عندما يتحوَّل الاحترام الذي نكنُّه لشخص نثق في إخلاصه لما يتمتع به من حكمة وتقوى وفهم روحي وكل الصفات المحبَّبة، إلى أن يصبح هو الموجِّه لضميرنا في أمور الله. هذا يصبح نوعًا من الإكليروسية الرومانية، لأن المبدأ في الحالتين واحد. فالكاثوليكية تضع للمسيح وكيلاً بشريًا هو البابا، يعطيه الناس ما للمسيح، كما لو أن المسيح بعيد عن شعبه.
يجب ألا نبحث لأنفسنا عن بديل لنا، ولا نقبل بديلاً عن المسيح، ولا نشوِّه علاقتنا المباركة التي أُتيَ بنا إليه فيها، فنحن ينبغي أن نكون معه وله بالتمام، فلا يكون أي شيء من الأمور العالمية في حياتنا. وأخيرًا، لا يجوز لنا أن نفوض آخر ليسدِّد الواجبات التي قصَّرنا فيها.
إن الحق الذي اؤتمن عليه المسيحيون هو أهم أمانة أودعت لهم، فإذا كان قد قيل عن إسرائيل "مَا هُوَ فَضْلُ الْيَهُودِيِّ، ... أَوَّلاً فَلأَنَّهُمُ اسْتُؤْمِنُوا عَلَى أَقْوَالِ اللهِ" (رو3: 1-2) فما الذي يمكن أن يقال عن ميراثنا؟ لقد سمح الله لنفر قليل من المؤمنين أن يرجعوا إلى حالة تشبه البساطة التي سادت في بداية الكنيسة، وأن يميزوا العلاقة المشتركة للمسيحيين بعضهم ببعض، وحررهم إلى حد ما من تقاليد الناس وبدعهم في أمور الله، وقد فعل معنا كل هذا لكي نتمتَّع ونستفيد من كلمة المسيح النقيَّة الخالصة، فهي المصدر الوحيد للبركة. والروح القدس الذي علَّمنا عن حضوره معنا وسلطانه في الكنيسة هو "رُوحُ الْحَقِّ" (يو16: 13)، وعمله العظيم على الأرض هو أن يكشف لنا عما هو للمسيح. هو الروح القدوس، والقداسة هي قداسة الحق، والتقديس (أي التكريس لله) هو بواسطة الحق، ونحن تعلَّمنا من الله أن نحب بعضنا بعضًا. هذه هي الروح الفيلادلفية التي يقول عنها رسول المحبة إنها محبة في الحق، ولأجل الحق (2يو: 1-2).
كثر الحديث هذه الأيام عن وحدة المسيحية المعترفة، وهناك من يبرهنون على إمكانية توحيد الفرق المسيحية عمليًا في العمل على تحقيق أهداف نبيلة. ولكن من الذي يضمن ما يكون بعد تحقيق هذه الأهداف، بينما يكون الحق قد وُضِع جملة جانبًا، في سبيل الحفاظ على شركة حلوة؟ فالاختلافات لا مجال لإثارتها، والأخطاء الجسيمة يتم غضُّ الطرف عنها، ومن هنا تُفسِد هذه المعاشرات الرديَّة الأخلاق الجيدة (1كو15: 33). ماذا نتوقع لمثل هذه الرابطات بدون أدنى حماية أو ممارسة للتأديب في الكنائس؟
إن الكنيسة لا تستطيع أن تحفظ الحق إلا بأن يكون للحق الحرية الكاملة لحفظ ذاته بدون أية مبادئ طائفية من صنع الإنسان. فحيث يكون هناك تمسك بتعليم المسيح، وبالتالي يكون هناك تمسك بالاجتماع إلى اسمه، فإن الكلمة لا تسمح بأية قواعد أخرى إضافية تفرضها الكنيسة. بالطبع قد ترفض الكنيسة - وينبغي أنها ترفض – أن تسمع ما لا يبني أو يفيد، ولكن الحق يأخذ مجاله بأن يكون له السلطان أن يتكلم إلى المؤمن. لذلك "الأَنْبِيَاءُ: لْيَتَكَلَّمِ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ، وَلْيَحْكُمِ الآخَرُونَ" (1كو14: 29). "امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ" (1تس5: 21) وهكذا يكون تدريب الضمير سبب بركة للجميع، فمن كانوا نيامًا تحت قانون إيمان لا يجوز مناقشته، يستيقظون بهذا الأسلوب على فحص حي تقَويٍّ للكلمة، وكل العلاقات، ونتائجها، تُفحص، وتُعرف بحسب الحق. أ لم نكن نخشى كثيرًا مثل هذه المناقشات بالرغم من أهميتها؟ هذا مع كونها تجري في جو أخوي، وتستحضر الحق وتجعله حيًا، وتعطيه سلطانًا. فلو أن الله كان يرى أن قانون الإيمان أفضل وسيلة لحفظه لأعطانا مثل هذا القانون.


الفصل التاسع
الهرطقة
نأتي الآن إلى الكلمة المرعبة: «الهرطقة». ليس هناك صعوبة في فهم ما تقوله كلمة الله عن الهرطقة، ولكن الصعوبة تكمن فيما أعطاه الناس لها من معنى. والكلمة اليونانية التي تعارفنا على ترجمتها «هرطقة» تترجم في الترجمة العربية «شيعة» (أع5: 17) أو «مذهب» (أع15: 5 و26: 5) وتترجم في الترجمة الإنجليزية الرسمية وترجمة داربي «قسم» (Sect) وهي تصف الفريسيين والصدوقيين. هذا يعطينا فكرة عامة عن معناها. لم يكن الفريسيون والصدوقيون طائفتين بمعنى أن يكونوا منفصلين عن اليهودية، وإنما كانوا شِيَعًا تعليمية. وعندما قال بولس عن نفسه: "حَسَبَ مَذْهَبِ عِبَادَتِنَا الأَضْيَقِ عِشْتُ فَرِّيسِيًا" (أع26: 5) كان هذا اعترافًا منه بالمذاهب الأخرى في ديانته، وبالطبع لم يكن يستخدم هذه الكلمة بمعناها السيِّئ، وهذا يبين إلى أي مدى لا تتفق المعاني الدارجة الآن لهذه الكلمة مع مفهومها في العهد الجديد. وكانت المسيحية في بدايتها ينظر إليها كمذهب أو شيعة، أطلق عليها "شِيعَةِ النَّاصِرِيِّينَ" (أع24: 5) باستخدام نفس الكلمة التي تترجم «هرطقة» لأن المسيحيين لم يكونوا قد انفصلوا بعد انفصالاً كاملاً عن العبادة اليهودية.
لذلك فإن الرسول بولس يعترف أمام فيلكس: "حَسَبَ الطَّرِيقِ الَّذِي يَقُولُونَ لَهُ «شِيعَةٌ (هرطقة)»، هكَذَا أَعْبُدُ إِلهَ آبَائِي" (أع24: 14). ونحن لا يجب أن نضيف أي معنى غير كتابي إلى هذه الكلمة. كان اليهود يستخدمون هذه الكلمة للدلالة على المذاهب التي كانوا هم أنفسهم يعتنقونها وينتمون إليها. هذا هو مدلول الكلمة، فهي تعني فريق يختاره الإنسان لنفسه، وكانوا لا يدللون بها على ما إذا كان فكر هذا الفريق صائبًا أم خاطئًا، وإنما فقط لتصنيف الأفراد حسب المدارس الفكرية أو التعليمية الكائنة آنذاك. والرسول كان مستاء من استخدام وصف «هرطقة» على المسيحية، لأن هذا فيه إنكار للإعلان الإلهي المعطى للمسيحية، ويجعل منها مجرد فكر اختاره بعض الناس.
من الجهة الأخرى، فإن بولس لم يكن له أن يرفض أن يقال عن المسيحية إنها ترتيب أو تعاليم، بما يعني أنها تدعو الناس للانضمام إليها وتصيرهم تلاميذ، والرسول يؤكد هذا المعنى الذي يتفق مع الحق أمام من كان يحاكم أمامهم عن هذه التهمة، بل حاول أن يربح الملك أغريباس أمام أعينهم (أع24-26).
لكن بولس رفض وصف المسيحية بأنها «شيعة» لأن الله تكلم فيها، وكان على جميع الناس أن يسمعوا. فهي لم تكن فكرًا خاصًا، بل حقًا، وهذا هو سبب إدانة الهرطقة في الكتابات الرسولية (ترجمت في الترجمة العربية في الكتابات الرسولية: «بدعة»). فلا يجب أن تتدخل الأفكار الخاصة، وليس هناك اختيار بشري بين المسيحيين، فالجميع مطالَبون بالولاء للحق الواحد. لقد أعطيت لنا كلمة الله، والروح الواحد القدوس أعطي ليحضرنا جميعًا إلى الفكر الواحد من جهة الكلمة، وكل انحراف عنها ينبغي أن يدان.
وقد ذكرت الهرطقة (البدعة) في ثلاثة مواضع في الرسائل، ففي بطرس الثانية والأصحاح الثاني يتكلم عن "بِدَعِ هَلاَكٍ" أي بدع تهلك الناس، وهي تعاليم يدخلها المعلِّمون الكذبة، تنكر حتى السيد الذي اشتراهم. من الواضح هنا أن المقصود ما يناقض تعليمًا أساسيًا. لكن ليس معنى ذلك أن كل بدعة هي تعليم مضاد لتعليم أساسي، فالبدعة لها مفهوم أوسع من ذلك.
لاحظ أن أولئك المعلمين الكذبة "يَدُسُّونَ" بدعهم، وهذا ليس بالضرورة بالهمس في الآذان خفية، لأن الكلمة الأصلية تعني «في جانب» أي بطريق ملتوٍ غير مباشر. فمن الطبيعي أن الشيطان وهو يهاجم الرب بين المسيحيين يستخدم اللطف والخداع على طريقة الحية. أما أن نتوقع أن يُدخل التعاليم الشريرة بطريق صريحة فهذا معناه أننا لا نعرف ولا نفهم الشيطان.
لما سمع بولس بالانشقاقات في كورنثوس، يقول: "وَأُصَدِّقُ بَعْضَ التَّصْدِيقِ. لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَكُمْ بِدَعٌ أَيْضًا، لِيَكُونَ الْمُزَكَّوْنَ ظَاهِرِينَ بَيْنَكُمْ" (1كو11: 18-19). كانت الخلافات بينهم تظهر حينما يجتمعون معًا على مائدة الرب، وقد نبعت هذه الخلافات من اتباعهم لمعلمين مختلفين (1كو1: 10-13)، وبولس يبين أن هذه الخلافات نتيجة للبدع. كذلك في كلامه إلى الغلاطيين يقول عن هذه البدع إنها "أَعْمَالُ الْجَسَدِ" (غل5: 19-20). هذا فقط ما نجده في الكتاب عن البدع (الهرطقات).
وأما عن الشخص المبتدع (الهرطقي) فهو يذكر مرة واحدة في رسالة تيطس: "اَلرَّجُلُ الْمُبْتَدِعُ بَعْدَ الإِنْذَارِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ، أَعْرِضْ عَنْهُ. عَالِمًا أَنَّ مِثْلَ هذَا قَدِ انْحَرَفَ، وَهُوَ يُخْطِئُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ" (تي3: 10-11).
والكلمة المترجمة "أَعْرِضْ عَنْهُ" تعني حسب الأصل «توقف عن مناقشته». وهنا لا نجد التأديب الكنسي، والكنيسة ليست موضوع الحديث، ولكن هذه العبارة تتكلم عن إنسان قرر أن يتمسك برأيه الشخصي، فمتى ثبت ذلك عليه، فالمطلوب أن نتركه لذاته وأن نرفض الاستماع له. والسبب في ذلك هو أن "مِثْلَ هذَا قَدِ انْحَرَفَ، وَهُوَ يُخْطِئُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ". والكلمة المترجمة "انْحَرَفَ" تتضمن معنى أنه لم يعد بالإمكان مساعدته للرجوع إلى الطريق القويم. فالحق يحمل شهادته لنفسه لدى الضمير، ولكن شخصًا كهذا قسَّى قلبه ضد الحق، ولذلك لم يعد هناك جدوى للأخذ والرد معه.
أما كيفية التأديب الكنسي لمثل هذه الحالات فنجده في مواضع أخرى من المكتوب، فالأمر يختلف حسب نوعية التعليم الذي ينادي به هذا الشخص، ما إذا كان تعليمًا أساسيًا أم لا. فإن كان أساسيًا فإن كل مسيحي عنده وسيلة الحكم في كل حالة، وهي كلمة الله، وعليه مسؤولية أن يحكم. أما بالنسبة للتعاليم غير الًأساسية، فلا يجب أن نتوقع أن يكون الجميع لديهم فهمًا واحدًا بالضرورة.
لذلك يجب أن نتعامل مع صانعي الانشقاقات كما تعامل معهم الرسول، بوضعهم أمام الضمير، وللكنيسة أيضًا سلطان أن ترفض السماع لما لا يبني، وأما خلاف ذلك فينبغي أن يكون عندنا ثقة في الله، وأن نتعلم الصبر في تعاملاتنا مع بعضنا البعض، والحق له القدرة على أن يسود على القلب الصادق، وأما استخدام السلطان فلا يمكن أن يؤدِّي إلى نتائج إيجابية. فكل القوانين والنواميس فشلت في أن تصون الحق، وقوانين السلوك غير المكتوبة إنما تجعل الغالبية تخضع لرأي الأقلية، الذي يتقلَّب حسب الشخصية والميول، ويختلف باختلاف المعرفة أو الجهل بالأمور وغير ذلك من العوامل المؤثرة على الفكر.
يجب أن لا يوجد حائل بين كلمة الله وبين المؤمن، وأن يكون الروح القدس هو المعلِّم الوحيد الذي له السلطان. ينبغي أن تكون كلمات الرسول يوحنا "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَالْمَسْحَةُ الَّتِي أَخَذْتُمُوهَا مِنْهُ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَلاَ حَاجَةَ بِكُمْ إلى أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ" (1يو2: 27) محفورة في قلوبنا. لا يمكن أن يكون هناك شيء يقيني إلا حيثما يكون هناك احترام واستناد كامل على الروح القدس، وتقدير واعتبار لكلمة الله كما هي بالحق. أما إذا كانت كلمة الله محل مساءلة فماذا يمكن أن نتوقع؟
على الجانب الآخر، لا ينبغي أن يوجد أي شيء يحول بين ضمير المعلِّم وسيده من جهة بماذا يعلِّم. يقول الرب "َالَّذِي مَعَهُ كَلِمَتِي فَلْيَتَكَلَّمْ بِكَلِمَتِي بِالْحَقِّ (بأمانة)" (إر23: 28) فمن الذي له أن يملي على المعلم ما يقوله أو ما لا يقوله؟ ومن الذي له أن يحدد ما يقبله شعب الرب وما لا يقبله؟ ومن الذي له المقدرة أن يأخذ مكان الروح القدس بين شعب الله، فيحدد لهم ما يقبلونه وما يرفضونه؟ من له السلطان أن يعفيهم من مسؤولية أن يمتحنوا كل شيء بأن يمنع عنهم الخدمة التي تحتاج إلى امتحان، ويعطيهم فقط ما قرر هو مسبقًا أنه طعام صالح؟
حتى لو افترضنا إمكانية تنقية الخدمة على هذا النحو، فلن تكون للبنيان، لأنها ستُبقِي أولاد الله أطفالاً بلا تدريب، ولا تعلِّمهم كيف يختارون لأنفسهم الخير من الشر. فلو أن معلِّميهم لم يكونوا عند حسن ظنهم بهم – فخطأ الإنسان أمر وارد – فمن المؤكد أن هؤلاء الذين اعتادوا قبول كل ما يقدم لهم في الخدمة دون امتحان سيقبلون المبادئ الخاطئة بلا نقاش أكثر مما يقبلون الحق. ومثل هذه المبادئ عندما يسلكون بحسبها تُدخل الشر أكثر مما تفعله الإكليروسية، لأنها توجِد بابوية عملية، تمهد الطريق لانحراف كبير عن الحق.
هذه المسيحية الطفولية تجد اليوم من يدافعون عنها بطرق متعددة وفي أماكن كثيرة باعتبارها أوفق حالة للقدِّيس. وبالمناسبة لدي بعض الخطابات المتبادلة بين أخوين، يشير الأول في خطابه إلى كتاب لأحد العقلانيين من الكنيسة العليا الأسقفية، والآخر يرد عليه مشيرًا إلى أنه «يستشهد بكتاب إلحادي، كان ينبغي أن لا يعرف عنه شيئًا». وكان الرد بلا إيضاح من أي نوع، ولم يكن مجرَّد تحذير من قراءة مثل هذه الكتب، بل فقط حكمٌ بأنه لا يوجد مبرِّر لأي أخ أن يقرأ كتابًا كهذا، وهو لا يعلم ما هي الدوافع التي جعلت الأخ يقرأه.
والبعض يتطرف أكثر، فيرفضون حتى قراءة كتب الدفاع عن الحق حتى ممن يثقون أنهم مسيحيون، وأنهم أنفسهم اتهِموا بالهرطقة، حتى أن واحدًا برر رفضه لقراءة رد على نبذة نشرها هو بأن «من يقرأون النبذة لابد سيخضعون لسلطانها».
هذه النوعية من المسيحية تصلح فقط لفردوس خيالي، قد أُغلق على الشر فيه داخل أسوار منيعة. كما أن هذا الفكر يلغي أهمية كل ما كتب للدفاع عن المسيحية، لأنه من الضروري أن يكون الكاتب قد تعرف على ما يقال ضدها. والواقع أن فكرًا كهذا يحفظ الأخطاء بين المسيحيين كما يحفظ الصواب على قدم سواء، ويمنع عنهم الصواب كما يمنع الخطأ وبنفس القدر. وأمر الرسول "امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ" لمثل هؤلاء يكون إما شيء بلا معنى، أو يكون مصدر خطر شديد، أو ربما يحسب أمرًا موجهًا لطبقة خاصة تكون قَيِّمَةٌ على الآخرين، ولكن كلمة الله موجهة إلى الجميع. والواقع أن مثل هذه المبادئ، مع أقل خلل، تسمح بكل أنواع الهرطقة، وتحول المسيحية إلى أشبه بغرفة مغلقة حارة، فإذا دخلتها نسمة من الهواء البارد النقي من الخارج تكون سببًا في متاعب صحية كثيرة، بل ربما تكون قاتلة.
إن الله يحذر من أن أكون سببًا في جعل الناس غير مبالين بتعريض أنفسهم لهجمات الشيطان، ولكن هذه الأفكار البشرية التي يظنون أنها تُقيِّد الشيطان خارجًا هي التي تسبب اللا مبالاة، فعلى قدر ما نظن أننا أمِنَّا شره على قدر ما تراخينا في أن نتحصَّن ضده. متى نتوقع من الجندي أنه قد ينام في نوبة حراسته؟ هل في وقت المعركة؟ بالطبع لا. هل يمكن أن يعظم انتصارنا الروحي عندما نجهل أفكاره، أم عندما "لاَ نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ" (2كو2: 11).
إن الاضطرابات في كل مكان تنشأ عن التعامل مع المكتوب بخفة أو بتهاون ولا مبالاة، مع أن كلمة الله هي دليل السائح، وسلاح الجندي، ومِنطقة إنسان الله في كل عمل صالح. ولكن لكي تكون الكلمة هكذا بالنسبة لنا ينبغي أن نكون بالفعل سُيَّاحًا وجنودًا ورجال الله، ولا يجب أن نتوقَّع خلاف ذلك. علاوة على ذلك فإن كلمة الله كما يفسِّرها الروح القدس لقلب الأمين تكون كافية لسد كل احتياج. ليتنا نثق فيها ولا نخشى منها أو عليها.

لقد استخدمت صيحة «الهرطقة» التي كانت تطلق عشوائيًا لإرهاب رجال الله، الذين لولا هذا السيف المسلَّط عليهم لكانوا أكثر نفعًا. لكن هذه الصرخة قيَّدتهم وكانت تخيفهم من أن يدرسوا كلمة الله لأنفسهم دون التقيُّد بالحدود التي رسمها بعض الذي اُعتبروا مفسِّرين للكلمة. وكثيرًا ما قُتلوا كهرطقيين لأنهم استخرجوا من الكلمة حقائق متى تكلم بها أحد بيننا الآن لا تكون سببًا في عزله من الشركة. آخرون نُفوا وعُزلوا لأنهم كتبوا أو تكلموا علنًا عن حقائق كان من المفترض آنذاك أن تبقى موضوع مناقشة الخاصة ولا تُعرض على العامة، فقد كان مجرد نشر ما تعلَّموه من الكلمة يُحسب دعوة إلى التحزُّب، وهذه تهمة كافية للحكم بالهرطقة.
ما أريد أن أبينه هو أن هذه النظرة البشرية للهرطقة والتعامل معها بهذا الأسلوب قيَّد الروح القدس، وبالتالي أوقف النمو في المعرفة للحق الإلهي، حتى أصبح الطريق الوحيد الآمن هو ترديد الحقائق كما صاغها القدماء، وحتى لو كان هناك تقدُّم فلا يُقبل ما لم يصادِق عليه السلطان البشري، فيُقبل من هذا السلطان وليس باعتباره حقًا معلنًا من الله، وبالتالي فقد كان اجتماع المسيحيين يحسب طائفية أو هرطقة، لأنه ينتج عنه مدرسة تعليمية، وهكذا استبدل ينبوع الماء الحي بماء البِرك الراكد، الذي من كثرة الاستخدام المتكرر قد تحول إلى مستنقع فاسد.
نعود مرة أخرى لنسمع مدح السيد لفيلادلفيا: "حَفِظْتَ كَلِمَتِي"، فهو يتضمن أن كل من ينال هذا المدح لا يسمح لشخص أو لأي شيء أن يسلب منه حقه ومسؤوليته في معرفة كلمة المسيح بنفسه. إن تحريض الرسول بولس: "امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ" هو لكل واحد منا على حِدَة، ولا يجوز لنا أن نترك هذه المسؤولية في أيدي الغير، فلا كنيسة، مهما كانت صفتها المسيحية، يكون مسموحًا لها أن تقرِّر لنا ما هو بدعة وما هو حق مسيحي. إن قول الرب: "خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي" (يو10: 27) هو كنز وامتياز ثمين، وينبغي أن تكون الحالة السائدة بصفة مطلقة بين شعب الله أنهم لا يسمحون بحرمانهم منه تحت أية ظروف.
إن كان عندي حق أؤمن به في قلبي كحق من الله، فإن شعب الله لهم عليَّ أن يعرفوه مني، وأنا من جهتي يحب أن أدرك أنه استُودع عندي لكي أعطيه للآخرين. ومتى قدَّمتُه لهم، فكل واحد منهم له أن يقرِّر ما إذا كان يقبله كحق أم لا، وهنا تأتي الفرصة لأن نقدِّم بعضنا لبعض المساعدة الممكنة من خلال المناقشة الحرة لنا كإخوة، الأمر الذي لا يُسمح به عمليًا عندما يكون سلاح الاتهام بالهرطقة مشهرًا. فإذا لم يوجد في هذا الفكر الذي نناقشه ما يناقض حقًا أساسيًا، فلا يوجد ما يمنع نشره بكل حرية وعلى أوسع نطاق لمناقشته في ضوء الكلمة. وعلى قدر ما ننتهج هذا المسلك على قدر ما تكون تذرية التعاليم وتنقيتها من كل خطأ أسرع، ويجد كل مُخْلِص ما يريد الله أن يتكلم به إليه. وهكذا نتدرج في التدريب من جهة الكلمة، حتى ولو لم يوجد حق جديد نستخرجه من هذه التذرية.


الفصل العاشر
الكنيسة وخدمتها العملية
سوف نتناول الآن الكنيسة المحلية نفسها وعملها الحي عندما تأخذ بقوة الروح القدس مركزها المعين لها من الله، والذي يجب عليها أن تملأه لترضي الله وتنال منه المصادقة، لأن حالة الخراب الروحي التي تجتاح الكنيسة ككل لم تخفِّض من مستوى واجبها هذا. ولا يعفيها منه كونه إله كل نعمة، ولا يزيد منه كونه قدُّوسًا لا يدنى منه، فهو لا يتسامح مع أقل انحراف عن كلمته، وإلا فإنه إن سمح به يكون قد تخلى عن قداسته وحقِّه ومحبته.
لقد فشلت الكنيسة فشلاً ذريعًا أدَّى إلى تغيُّر الحالة التي نحن موضوعون فيها اليوم، مما جعل طريقنا أكثر وعورة، وحرَمنا من معونة كبيرة كان يمكن أن نساعد بها أحدنا الآخر. لكن هذا الفشل لا يجبر أحدًا أن لا يطيع أي كلمة قالها الله، ولا يحرِمنا لا من الحكمة ولا من القوة لكي نثبت "كَامِلِينَ وَمُمْتَلِئِينَ فِي كُلِّ مَشِيئَةِ اللهِ" (كو4: 12). فالمصاعب تستطيع فقط أن تساعدنا أن ندرك أكثر من هو الله بالنسبة لنا، مثلما قال يشوع وكالب عن العمالقة الذين كان على بني إسرائيل أن يحاربوهم لامتلاك أرض الموعد: "هُمْ خُبْزُنَا" (عد 14: 9)، فالإيمان يتقوى في ذات الأمور التي تكشف ضعف الإيمان.
لذلك علينا أن ننظر إلى الكنيسة في الصفة التي أعطتها لها كلمة الله، ولا نتعوَّق بحجة تبدُّل الحال اليوم. والكنيسة التي نتكلم عنها الآن ليست كنيسة الله ككل، وإنما الكنيسة المحلية التي في فكر الله أن تمثل كنيسة الله ككل في مكان معين، إذ هم فقط أعضاء المسيح الذين يستطيعون أن يجتمعوا ببساطة معًا في هذا المكان على النحو الكتابي.
ولو أن جميع أعضاء المسيح اجتمعوا معًا لرأينا الكنيسة كجسد المسيح فعلاً. هكذا فإن كل كنيسة محلية هي جسد المسيح في المكان التي هي فيه، (بمعنى أن الكنيسة المحلية هي التطبيق العملي لجسد المسيح. أما إذا كان هناك مسيحيون آخرون في المكان - الحي أو المدينة أو القرية... ولا يجتمعون مع الكنيسة المحلية، فبالرغم من أنهم أعضاء في جسد المسيح، ولكن لأنهم لا يجتمعون على الأساس الكتابي، فإنهم عمليًا لا يمثلون هذا الجسد العجيب – ر. دانيل). إن الكنيسة هي مؤسَّسة إلهية، وهي المؤسَّسة الوحيدة التي يعترف الله بأنها له، وهي كافية لأن تقدم لنا كل ما نتوقَّعه أو نرجوه بحسب الحق.
والكتاب يتكلم عن كل واحد من أعضاء جسد المسيح بمفرده بنفس الصفات التي يسبغها على الجسد، لأن كل فرد هو صورة لجسد المسيح الكامل، وكل الجسد مقترن معًا ومتحد بالرأس بالروح القدس الذي يسكن فيه كله. وعلى ذات المبدأ يُحضِر الروح القدس كل عضو في الجسد إلى علاقة حيَّة وعمليَّة مع كل الأعضاء الأخرى ومع المسيح. فبسكنى الروح القدس ينطبق على كل عضو قول الرسول: "مَنِ الْتَصَقَ بِالرَّبِّ فَهُوَ رُوحٌ وَاحِدٌ" (1كو6: 17، 15). وكل الأعضاء أفرادًا هم للمسيح، وليس مسموحًا لأي منهم أن يكون للعالم أو لذاته تدخُّل في عمله. لذلك فإنه ليس مطلوبًا فقط لبس ثياب الكتان البيضاء، التي تشير إلى البر العملي، تكسونا بالكامل، بل أيضًا ينبغي أن الأهداب الأسمنجونية التي بلون السماء تذيِّلها في خط تلامسها مع الأرض (عد15: 38).
إننا نفقد الأساس الصحيح للشركة مع الله ومع بعضنا البعض إذا لم نضع في قلوبنا أن تكون حياتنا لله بأكملها، كل قدراتنا العقلية والجسمانية. يجب أن نخرج روحيًا من هذا العالم بأن نكون منفصلين لله، وعندئذ سيرسلنا إليه كسفراء عنه (يو17: 15-18). فإن لم نفعل ذلك فلن نستطيع أن نملأ مركزنا في الكنيسة حتى مع حضورنا الاجتماعات ومشاركتنا فيها، لأن مركزنا روحي بصفة أساسية، ولا يمكن أن نملأه إلا روحيًا.
إن قول ربنا يسوع: "مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ" (مت12: 30) له تطبيقه الخاص، وله أيضًا مفهومه العام. فإن لم نكن معه في كل عاداتنا وممارساتنا، فنحن في هذا المجال ضده، وهذه أبأس حالة، لأننا نكون منقسمين على ذواتنا. فنفقد نتيجة لذلك قوتنا الروحية وقدرتنا على النمو في أمور الله، ولا نستطيع أن نثبت ضد مكايد إبليس. وكما يقول بولس إن كل الأشياء تحل له، ولكن ليس كل الأشياء توافقه، ثم يضيف فورًا: "كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، لكِنْ لاَ يَتَسَلَّطُ عَلَيَّ شَيْءٌ" (1كو6: 12). فالأشياء المحلَّلة قد تنتج سلطانًا أو تأثيرًا كان بولس – وبالأحرى نحن – يخشى الوقوع في أسرها.
من هنا يبدأ السؤال حول الشركة بيننا، الواحد مع الآخر. هل نحن كأفراد كل واحد منا في شركة حقيقية بقلب موَحَّدٍ مع المسيح، بلا حواجز تمنعه من الدخول إلى مناطق معينة من حياتنا؟ وهل طاعتنا له لا تُوقفها حدود خفيَّة؟ هل نحن ندرك أننا حينما نعطيه الكل فإننا نربح كل شيء؟ أم نحن نفصل بين ما له وما لنا؟ إن تسليمه كل شيء في حياتنا هو الطريق الوحيد للتمتع والشبع بكل شيء.
بهذا فقط تكون أجسادنا عمليًا أعضاء جسد المسيح. حينئذ ستكون أيدينا لعمله، وأرجلنا لتتميم إرسالياته، وشفاهنا لحديثه للآخرين، كما لتسبيحه، وحياتنا كلها تعبر عن الشركة معه.
ومهما كان فشلنا الذي ينبغي أن نعترف به في تحقيقنا لهذا عمليًا، فإن هذه الحالة ينبغي أن تكون رغبتنا وهدفنا بأمانة، وإلا فكيف نسير مع الله؟ كيف هو يوافق على حالة خلاف هذه؟ ولو حدث أنه وافق جدلاً، فهل يمكن أن يكون هذا لمجده وخيرنا؟
تفكر فيما تتضمَّنه كلمة «جسد المسيح» حيث يربطنا الروح القدس معًا متوافقين في الخضوع لمشيئة الرأس، معطيًا لكل واحد رابطة حية مع الآخر. هذه الرابطة الحية هي التطبيق العملي لوحدانيَّة الروح التي طلب الرسول بولس أن نجتهد لحفظها (أف4: 3). لا يقصد بولس وحدة الجسد، فالله هو الذي يحفظها، وإنما يقصد وحدانية كل ما يلزم لأن نكون عمليًا الجسد اللائق بالمسيح الرأس. هذا ما يجب أن يظهر في كنيسة الله متى أخذت وضعها الصحيح، كنيسة حيَّة تتكلم، وتعمل في طاعة متَّحدة، تنشئها محبة مكرَّسة. ما أعظمها شهادة له، حتى ولو كانت من اثنين أو ثلاثة، يجتمعون بهذه الروح! كان هذا هو الحال في بدء الكنيسة، حين كان "لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ" (أع4: 32). هذه هي الروح الصحيحة في كل زمان، بغض النظر عن الكيفية التي تعبر عن نفسها بها.
ولكن عندما لا تكون هكذا الحال، فإن الناس "يَطْلُبُونَ مَا هُوَ لأَنْفُسِهِمْ لاَ مَا هُوَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ" (في 2: 21). والاهتمامات المختلفة تقودهم إلى طرق مختلفة، وهكذا تدخل حكمة العالم لتبرير وتأمين هذه الطرق، وينفتح الباب على مصراعيه لكل صور الانحراف عن كلمة الله. ولذلك لا يمكن أن يكون جميع المسيحيين في شركة إلا عندما يدركون جميعًا ما لهم في المسيح، ويتشاركون جميعهم فيه، فيزداد الفرح، وتحفظ قلوبهم بهذه الشركة من الشر، ويثمرون لله. وهكذا نجد مرة أخرى لماذا من يحفظون كلمة المسيح هم الفيلادلفيُّون. إن الشركة لا وجود لها إلا حيث يرتبط القلب بإعلانات نعمة الله، ولا يحفظها سوى المنُّ الطازج الذي هو الطعام الروحي الذي نجمعه كل يوم جديدًا من كلمة الله.
لذلك فإن اجتماعات دراسة الكلمة هي امتحان هام لحالة الكنيسة المحلية، لأنه متى كانت الحالة صحيحة، تُجمع فيها المعرفة التي حصَّلها كل فرد خلال الأسبوع، وتُمتحن وتتأكد من خلال المناقشات والمقارنات، التي تساعد على أن يمتلك الحق النفس. كما أنه متى وُجدت بساطة المحبة الأخوية يمكن أن نتعرف فيها على احتياجات الأفراد من الحقائق، حتى يستخدم الحق كطعام حقيقي للمعونة والبنيان والتشديد. وبوسائل كهذه نستطيع أن نمتحن إلى أي مدى نحن قد أمسكنا بالحق، بينما كل ما تَعَلَّمه كل واحد يُطرح على بساط النقاش المشترك لإثراء الجميع. وقد يتعجب البعض ممن لهم معرفة محدودة لأنهم يرون كيف أن أسئلتهم البسيطة التي نبعت من احتياجهم الشخصي ساعدت من لهم ربما معرفة أكبر وهم يبحثون في الكلمة عن إجابة أسئلتهم. هذه وسيلة من الوسائل الكثيرة التي بها يتعلم المعلِّم أيضًا.
لا يمكن أن اجتماع دراسة الكتاب يصبح يومًا بلا نفع مهما بلغنا من المعرفة والتعليم. والواقع أنه كلما تقدَّمنا في التعليم كلما ازدادت الحاجة إلى اجتماعات دراسة الكلمة، حتى يمكن لكل من يوضع أمامه هذا الطعام أن يهضمه.
بالفعل "أَبْنَاءَ هذَا الدَّهْرِ (العالم) أَحْكَمُ مِنْ أَبْنَاءِ النُّورِ فِي جِيلِهِمْ" (لو16: 8). لو أن أحدهم ورث ممتلكات واسعة في هذا العالم لشعر على الفور بحاجته للتعرف كل تفاصيل ما ورثه، وما الذي يهمه منها. أما في الغنى الروحي الذي أُعطي لنا من الله، فما أقل ما اجتهدنا لنضع أيدينا عليه. في أوائل القرن التاسع عشر تحرك روح الله ليرد شعبه الواحد منهم إلى الآخر، وليُحيي الحق الخاص بكنيسة الله، والذي كاد أن يضيع. وكانت اجتماعات دراسة الكتاب علامة مميَّزة على استيقاظ الرغبة في معرفة كلمته، وأن شعب الله يتمسَّكون بنصيبهم فيها ويطلبونه. لم يسمحوا أن يكون بينهم وبين نصيبهم رتب رسمية أو ذوي الدرجات في علم اللاهوت، ولا فئة مميَّزة، مع وجود المواهب بينهم. لذلك فإن إهمال اجتماعات دراسة الكتاب معناه التقليل من الشهيَّة والحماس للحق، وخفْض الإحساس بكون الروح القدس هو المصدر الوحيد للقوة التي أحتاجها لامتلاك الحق شخصيًا.
لم يقصد الله أبدًا أن يكون علم اللاهوت مقصورًا على فئة معيَّنة من الناس يُدْعوْن اللاهوتيين، بل أن تكون كنوز كلمته متاحة لكل شعبه، ولا يخفى منها شيء عن أحد منهم سوى غير المبالين والذين لا يقدرِّونها، الذين بإرادتهم يستبدلون حقَّهم ---اويين بخمار هذا العالم. لم يُقْصِر الله حق امتلاك المعرفة الروحية على المعلِّمين، بل إن هؤلاء المعلِّمين عليهم مسؤولية أن يقودوا الآخرين إلى ذات الينبوع الحي الذي ارتووا منه، وأن يعرِّفوهم أنه في ذات الينبوع ماء ليشرب الجميع مجانًا كما أخذوا هم. إن عمل المعلِّمين هو أن يضعوا كلمة الله أمام أعين من لم يجدها بعد. وليكن شعار كل معلّم أمين "كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ، وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ" حتى يُشجِّع كل الأمناء في المسيح الذي لا يمكن أن يكذب (مت7: 8).
إن نجاح المعلم هو في قدرته على أن يجعل الآخرين يعتمدون على أنفسهم بالاستقلال عنه، حتى تصل كنيسة الله إلى أن تصبح قادرة أن تطعِم نفسها بنفسها. يقول بولس الرسول إن المسيح أعطى الناس عطايا، "أَعْطَى الْبَعْضَ رُسُلاً[12]، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ، لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ، إلى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إلى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إلى إِنْسَانٍ كَامِل. إلى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ" (أف4: 11-14). إذًا عمل الخدمة الحقيقيَّة هو ما يجعل جميع القديسين كاملين، أي لهم مهارة في فهم الكتاب. كل مؤمن له الحق أن يجِدَّ للمواهب الحسنى (1كو12: 31) وعليه مسؤولية أن يستخدم كل الإمكانيات المعطاة له لخير الآخرين لأنه "لِكُلِّ وَاحِدٍ يُعْطَى إِظْهَارُ الرُّوحِ لِلْمَنْفَعَةِ" (1كو12: 7). فمع أن هناك مبشِّرين لهم موهبة خاصة، لكن الجميع لهم الحق، بل وعليهم مسؤولية كل حسب طاقته، أن يبشِّر. كذلك فمع أن هناك معلِّمين لهم موهبة خاصة، لكن الجميع أيضًا لهم وعليهم مسؤولية أن ينقلوا للآخرين ما أعطاهم الله من حقه، وينبغي أن نشجِّع المحبة من نحو بعضنا البعض، ومحبة النفوس، لتأخذ مجالها بحرية في كل مكان.
ما أعظم البركة التي لكنيسة محلية في هذه الحالة، فيها كل واحد يدرك أن التمتُّع بالمعرفة الروحية الكاملة متاح له، وأنه من حقِّه أن يشتهي المواهب الحسنى، وأنه بفضل الروح القدس الساكن فيه هو خادم المسيح إلى هذا العالم والمعونة المرسلة إلى إخوته. لذلك لا ينبغي أن نقبل وضع عوائق أمام نعمة الله لشعبه، بأن نُقصِرها على طبقة معيَّنة، الأمر الذي نحن معرضون دائمًا لأن نسقط فيه. هذا ما يمنع إضرام الموهبة، وهو سبب إحجام الكثيرين عن أن يذهبوا للعمل في الحقل الواسع، وما ينتج عن ذلك من ضعف الاجتماعات وعدم استقرارها. إن المواهب بين شعب الله لا يمكن أن تنمو وهم في حالة اللا مبالاة والصمت من جهة امتيازاتهم الروحية.
من الجهة الأخرى عندما نكون في حالة القوة الروحية، سيكون عند كل واحد منا الإحساس بحاجات الآخرين، أما الضعف الروحي فهو يعني أن أركان العالم قد أخذت مكانًا قويًا في حياتنا. إن أولاد الله الروحيين لا يستطيعون أن تكون لهم شركة في اهتمامات العالم ولا أهدافه ولا مسراته، فمتى كان لهذه الأمور مكانها تَضعُف المعونة الروحية التي يمكن أن يعطيها كل منا للآخر، وتصبح الرابطة الروحية بيننا مجرد نظرية وعلاقات رسمية شكلية. أما عندما تكون الحياة الروحية جادة وعملية، سنشعر باحتياجاتها، وسندرك قيمة النعمة التي وحَّدَتنا معًا. إن الحياة في الطبيعة هي ضد الموت، ونظام الحياة أنها تقاوم الموت دائمًا، وهي لا تلغي الفردية، لأن كل عضو في الجسد ممَيَّز عن الآخر، له مسؤوليته وعمله الخاص الذي يختلف عن عمل باقي الأعضاء، وبدون الحفاظ على هذه الفردية المتميزة لا يتحقق ما هو لخير الجسد. هكذا جسد المسيح، كل واحد له مكانه الذي عليه أن يملأه، والذي لا يمكن لآخر أن يملأه، فلكل عضو أهميته الخاصة.
إن كنيسة الله هي كائن حي، فهي جسد المسيح، وهي جسد يُنظر إليه دائمًا أنه على الأرض لرأس غير منظور في السماء، يحكم الجسد الذي هو واحد معه. ولكون هذا الجسد مرتبطًا ببعضِه بالرأس بواسطة الروح القدس، فإن الكنيسة هي الممثل لله في العالم، لتكُون التعبير عن فكره ومشيئته وطبيعته. وكل فرد أيضًا هو كذلك، ولكن التمثيل الفردي لا يكفي، لذلك سَرَّ الله أن يربطنا معًا كأفراد. لذلك فإن قيامي بواجبي الفردي لا يرضي الله إن لم أملأ مكاني الذي عينني له في الجسد، لنكون معًا "رِسَالَةُ (رسالة واحدة وليس رسائل) الْمَسِيحِ" (2كو3: 3).
ولأننا ارتبطنا هكذا معًا برباط حي لهذا الغرض، فكم تكون أهمية أن نطلب فكر الله باستمرار كلما اجتمعنا معًا، حتى يعرِّفنا ما يريدنا أن نعمله كمن هم تحت نير واحد؟ فأنت وأنا نعمل معًا في خدمته. والواقع أنه يبدو أن قيمة هذا الترتيب الإلهي لا تقدَّر كما ينبغي ممن كان يجب أن يعرفوا قيمتها أكثر، الذين أُعطيت لهم معرفة ترتيب الله الكامل لخدمته، الذي هو الكنيسة، الأمر الذي يتطلب اتحاد كل طاقتنا.
إن الترتيب يُحترم في كل مكان بين الخدام المسيحيين اليوم، ولا يُعمل شيء بلا ترتيب. ولكن بسبب وضعهم لقواعد بشرية، فإنه في الكثير من هذه التنظيمات يُخمد الضمير، وتَحُلُّ إرادة الأغلبية أو الرئيس الرسمي لها محل قيادة الروح القدس، وهذا هو السبب في أننا نرتاب في أي فكر فيها لئلا يكون غير روحي.
ماذا نعمل إذا لأجل جسد المسيح، الذي هو تنظيم كتابي وإلهي؟ إن علاقتنا المشتركة الواحد بالآخر تجعلنا "نُلاَحِظْ بَعْضُنَا بَعْضًا لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ" (عب 10: 24) الأمر الذي يربطه الرسول بأن نكون "غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا كَمَا لِقَوْمٍ عَادَةٌ، بَلْ وَاعِظِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَبِالأَكْثَرِ عَلَى قَدْرِ مَا تَرَوْنَ الْيَوْمَ يَقْرُبُ" (ع25). ألا تتضمن هذه الكلمات أنه ينبغي أن نجتمع معًا واضعين في الاعتبار سداد الاحتياجات الفردية من جانب، وكذلك عمل الرب في وسطنا من جانب آخر، وفي آن واحد، وبوسائل وفي أوقات لا تقتصر على الاجتماعات العامة واجتماعات دراسة الكتاب والصلاة، طالما وجدت هذه الاحتياجات بيننا؟
ألا تكون شركتنا بعضنا مع البعض بالأسف محدَّدة عندما تغيب الشركة في عمل الرب بيننا وحولنا ولا نجتمع معًا لأجلها؟ إن هذه الاجتماعات ينبغي أن تكون قاعدة وليس استثناء، وينبغي أننا نهتم بها كعنصر أساسي في واجباتنا المشتركة، وبالتالي لأجل صحتنا الروحية.
في طوائف كثيرة يجتمع المسيحيون معًا ليدرسوا عمل الرب، ويعبِّروا عن اهتمامهم به، ويدخلوا بأنفسهم فيه، فهل يجوز لنا نحن الذين نجتمع اثنين أو ثلاثة أو أكثر إلى اسم الرب أن لا يكون لنا اجتماعات لأجل هذا الغرض؟ أعتقد أن غياب هذه الاجتماعات هو قصور خطير أينما أهملت، لأنه يُقصِر اهتمامنا على خدمة أحدنا الآخر، ويحرمنا من خير جزيل يمكن أن يأتينا من التنوع الذي بيننا، والذي يجعل التعاون المشترك أمرًا ضروريًا.
علاوة على ذلك فإن هذه الخدمة تساعد على دعم ارتباطنا معًا، وغياب هذه الاجتماعات يفصل الأنشطة المسيحية بعضها عن البعض ويضعفها، ويغلق أبوابًا كان ينبغي أن تكون مفتوحة أمامنا، ويعرضنا لأن نُتَّهم كمجموع بأننا قليلو أو عديمو النفع.
إن كان عندنا الإنجيل، وإن كنا نستطيع أن نقدمه في بساطته كما عند الآخرين، وإن كنا على استعداد أن نتحمل العار ومهاجمات العدو، فلماذا تراجعنا عن التبشير للعالم، وتركنا هذه المهمة للغير بالرغم من أن ليس لهم من النور ما لنا، ومع ذلك فهم غيُّورون في تكاتفهم معًا لهذا الغرض؟ هل جَعَلَنا الحقُ أثقلَ حركة؟ هل هذا الحق الذي عندنا حق ميت، ومجرد معرفة بلا تدريب قلبي يدعمها؟ أخشى أن تكون هذه هي الإجابة، ولكنها لن تكون إذا كان الحق حيًا وفعَّالاً فينا. إن الحق في قدرته الحية هو وزن الطائر، وهو أجنحته في نفس الوقت. لو أن لنا ذات هذه الغيرة، وعملنا بين الناس الذين يطلبهم الآخرون، لما خطف الانتفاخ الذاتي هذه البركة منا، ولكن العائق في سبيلها كان مصاحبًا للمركز الذي شغلناه وما أمسكنا به من الحق.
كثيرًا ما وقعت بيننا انقسامات خطيرة بسبب أمور غير أساسية، بالرغم من أن فيلادلفيا هي المحبة الأخوية. فنحن كثيرًا ما نفشل في زرع روح الشركة الأخوية التي فيها يجب أن نمسك بأيدي بعضنا البعض لأجل عمل الرب. لقد أفسحنا المجال لإضرام المواهب، ونشكر الله لأنه أوجد بيننا مبشِّرين، ومعلِّمين ومواهب أخرى، لكننا قصَّرنا في أن نجعل من اجتماعنا على النحو الذي تكلمنا عنه آنفًا مجالاً لأن يكون عمل الله مسؤولية عامة وموضوع الشركة الأوسع.
لن تسد الاحتياج الاجتماعات النوعية، سواء كانت على أساس مهني أو اجتماعات الشباب. نحن نحتاج إلى ما هو أشمل ليكون لنا اهتمام بكل ما يهم الرب على الأرض، وأن يتسع عمله لأن يكون لكل واحد دوره ومكانه فيه، ويمكننا عمليًا تتميمه في نطاق مكان تجمعنا وسكننا، والدوائر التي نتحرك فيها يوميًا. إننا نحتاج إلى ما يذكِّرنا باستمرار بواجباتنا الفردية كعاملين لأجل الرب، وأن تكون عندنا المبادرة والشجاعة والتعاون في تتميمها. هذا يقوِّي شركتنا معًا كأعضاء في جسد المسيح، ويجعلنا ندرك فكره من جهتنا كجماعة، ويعطينا حكمة عملية في هذه الأيام التي نعيشها. إننا نحتاج أن نكون كرجال يسَّاكر، الذين أتوا إلى حبرون ليملِّكوا داود "الْخَبِيرِونَ بِالأَوْقَاتِ لِمَعْرِفَةِ مَا يَعْمَلُ إِسْرَائِيلُ" (1أخ12: 32). إننا نحتاج إلى ما يترجِم كل الحق الذي عندنا إلى تعبير عملي لإعانة كل من هم حولنا.
إن عضوية جسد المسيح تعني تلقائيًا الخدمة، فكل جزء في الجسد بالضرورة يعمل في علاقة مع مجموعه، ولا توجد أية استقلالية، فكل جزء يحتاج إلى باقي الأجزاء ويخدمها في نفس الوقت. وقد كان عمل الله على هذا المبدأ في كل الطبيعة، ولكنه يكمُل الآن في جسد المسيح بصورة أعظم مما يظهر بها في الإنسان. لقد قال الله "لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ" (تك2: 18) وهكذا صنع المرأة المكمِّلة له، فمزج الأضعف بالأقوى، حتى بضعفها تعمل قوته بصورة أفضل، فقد أُعطيت المرأة للرجل لتُعينه، فتخرجه من ذاته وتنمِّي عواطف قلبه، وهذه بركة لا يعوضُّها أي شيء يمكنه أن يعطيه لها. كذلك أيضًا المجتمع يُبنى من خلال اختلاف اهتمامات أفراده وأعمالهم. حتى الاختلاف بين المجتمعات يجعلها تكمِّل بعضها بعضًا باختلاف مصادر الثروة والإنتاج فيها، مما يستلزم التكامل بين الشعوب على الأرض. والمدينة هي أكثر ما بين الناس تطبيقًا لهذا المبدأ، فالكل فيها يعمل معًا في تكامل من خلال اختلاف عمل كل واحد. والله قد أعد لشعبه مدينة لها الأساسات (عب11: 10) حيث يعمل الجميع في تكامل تام إلى الأبد.
هكذا فإن الخدمة هي قانون الله للطبيعة، والتعبير عن طبيعته هو، التي هي محبة، فالمحبة لا تطلب ما لنفسها، وبالمحبة ينبغي أن نخدم بعضنا بعضًا، فالمحبة هي حرية وسعادة، وهي عكس كل صور القوانين، بل هي روح السماء، تعطي وتعكس بركاتها. في كورنثوس الأولى13 نجد الوصف الكامل للمحبة، حيث تجد مقرها ووسائل تعبيرها الصحيح عن نفسها في جسد المسيح، الذي فيه نجد أن الاحتياج الدائم لكل عضو إلى جميع الأعضاء الأخرى يقود إلى المحبة ويجعل من السلوك الدائم فيها ضرورة لا غنى عنها، إذ تربط الجميع معًا، وتضمحل معها فرصة وقوع الانقسامات. قد تكون هناك بعض الكائنات الأوَّلية الصغيرة التي تتكاثر بالانقسام، ولكن كلما سمى التكوين العضوي زادت حاجته إلى الاتحاد ورفض الانقسام، لأن الجزء الذي يُفقد بالانقسام لا يعوَّض.
هكذا جسد المسيح الذي هو أسمى نموذج يمكن أن يوجد للتكامل على الإطلاق، ويتحقق عمليًا حتى في اثنين أو ثلاثة، ولكن هذا لا يعفيهم من التزاماتهم من نحو باقي أعضاء الجسد، فالمحبة لا تقبل هذا الفكر البغيض بأن الحرية تعني أن أفعل ما أريد، فهذا يكون تسيُّبًا وتلاعبًا بكلمة الله، لكن المحبة تتمسك بقوة بالكنيسة المحلية، التي هي الصورة التعبيريَّة الصحيحة عن الكنيسة ككل حتى مع فشلها، ولكن في نفس الوقت لا تسمح بأن هذا التمسُّك بالكنيسة يضيِّق مجال المحبة حتى يصير محدودًا في مجال طائفي. فالمحبة الحقيقيَّة تمدُّ البصر إلى ما وراء الكنيسة المحلية، لأنها من تلك المحبة الإلهية التي اتجهت نحو الجميع، ولا تتغاضى عن الرابطة التي تجمع كل المسيحيين. إنها تتطلع إلى كل حقل المسيح الذي يهتم به، وتتوحَّد بالقلب معه كله، وتطلب دائمًا أن تمتدَّ رؤيتها وتتسع رقعة عملها. وهكذا تكون الصلاة والطلبات والتشكرات أكثر تحديدًا، ولكن أعظم اتساعًا في مجال رؤيتها، لتشمل "جَمِيعِ النَّاسِ" وتتحقق فيها هذه الوصية الرسولية التي أُغفلت بكل أسف.
لو أننا تحركنا بهذه الروح فقد نجد حركات أخرى من الله بين المسيحيين، حتى وإن كانت تخلط بين ما هو من الله وما هو من البشر من تعاليم وعبادات تناقض المكتوب، حتى أننا لا نستطيع أن نسايرها في شركة عملية معها، ولكننا سنتعلَّم من الله دروسًا عملية نافعة لنا مما يجري حولنا، هذا إذا كنا نتمتع بقدر من الاتضاع يجعلنا نتعلم من كل أصناف المعلِّمين، مع قدر من الحكمة يكفي لأن نُخرج الثمين من المرذول (إر15: 19) الأمر الضروري لكي نصبح مثل فم الرب. قد نجد أمورًا فيها توبيخ لنا فيما قاله أو كتبه آخرون. هذا الأمر هو امتحان يُظهر ما إذا كنا بانتفاخ نريد أن نقنع أنفسنا أن عندنا كل الحكمة الروحية، وأنها لا توجد بعيدًا عنا، وأن كل ما خارجنا ظلمة فقط.
لا أعني بذلك أن أشجع على الذهاب هنا أو هناك، الأمر الذي لا يدلُّ بصورة عامة إلا على عدم الاكتفاء وغياب المشغولية الصحيحة بأمورنا الواجبة، فنحن ينبغي أن نحفظ أقدامنا في الطريق الواضح في الكلمة، ولا ننزلق بها إلى طرق غير مأمونة. لكن ما يجب أن يتسع هو القلب وليس الطريق، الذي يجب أن يظل ضيِّقًا، ويكون هو الطريق الوحيد الذي رسمته كلمة الله. أما من يجول هنا وهناك فهو لا يعرف طريق الله بالقدر الذي يسمح له بأن يقود آخرين فيه. فنحن يجب أن نحفظ أنفسنا من كل ما فيه شك أنه ليس من الله، مما يجعل فيه شبهة إثم. فالقاعدة التي يجب أن نحفظها هي: "لْيَتَجَنَّبِ الإِثْمَ كُلُّ مَنْ يُسَمِّي اسْمَ الْمَسِيحِ" (2تي2: 19). هذا علاوة على ما هو إثم واضح معروف لنا. هذا أيضًا يحفظني من أن أسقط في الاشتراك في عمل ممتزج بأمور يجب أن ندينها لأنها لا تتفق مع فكر الله، على أنه عمل الروح القدس.
إنني أؤمن عن يقين أننا نجتمع معًا حسب الكتاب للعبادة وسماع كلمة الله، ولكننا قلما نجتمع جميعًا معًا كعاملين تحت سلطان الرب رأسنا لنطلب فكره من جهتنا، وأين وكيف نتمِّمه، وبحسب ما نستطيع أن نميِّز من اتساع فكره. ولكنني أعتقد أن اجتماعات كهذه ضرورية لحفظ شركتنا معًا ومع الرب كمسيحيين حقيقيين، ولكي تصبح الكنائس المحلية تمثيلاً حيًا واعيًا لجسد المسيح، حتى مع ضعفها.
* * *


هذه النظرة السريعة لا يمكن أن تكون قد غطَّت كل ما عند الرب لنا في خطابه إلى فيلادلفيا في رؤيا 3، ولكن، إذا سَرَّ الله، أطلب أن يستخدم كل عمل نصبو به إلى تدريب حواس شعبه من خلال هذا الخطاب، الذي هو بكل تأكيد رسالة خاصة منه لنا في هذه الأيام.



سلسلة
اسألوا عن السبل القديمة
سلسلة من الكتيِّبات موضوعها الكنيسة ومسؤوليتنا كجماعة وكأفراد فيها. وقد صدر منها:
1- العبادة وسلطان الرب في كنيسة الله – مراد فارس - ويتناول كيفية ممارسة العبادة في الكنيسة وسلطان الرب في تسييرها.
2- نقاط على حروف – مراد فارس - وفيه رد على بعض الأسئلة التي أثارها الكتيِّب الأول.
3- الانفصال – مراد فارس - ويتناول علاقة القديسين الذين يجتمعون ككنيسة بالتنظيمات المسيحية حولنا.
4- نهضة من الله – ف. و. جرانت – وهو الكتاب الذي بين يديك، وفيه يستعرض الكاتب المبادئ الكتابية التي قامت عليها النهضة الفيلادلفية في الربع الثاني من القرن التاسع عشر، وهي تتضمن – ولا تقتصر على - معظم الحقائق التي تكلمنا عنها في الكتيبات الثلاثة الأولى، ولكن يتناولها الكاتب من خلال قراءة متأنية لخطاب الرب إلى ملاك كنيسة فيلادلفيا (رؤ3: 7-13) وبعمق كتابي عهدناه في كتاباته.
كتاب لا غنى عنه لكل من يريد أن يعيش حسب فكر الله في يومنا الحاضر

[1] ما تقدم عن ما كتبه جون بيورلي John Bjorlie. .
http://www.plymouthbrethren.org/user/131


[2] "Plymouth Brethren"

[3] J. N. Darby. “ Christianity, not Christendom,” pp.7,22

[4] أرجو أن يرجع القارئ إلى الفصل الأول الذي تتبعنا فيه حالة الكنائس السبع.

[5] أرجو أن يلاحظ القارئ التاريخ الذي كتب فيه الأخ جرانت (المعرب).

[6] بابل تعني بلبلة أو تشويش

[7] هذا كان في زمن الكاتب، واليوم نرى ذات هذه التكتلات بصورة أوضح في هيئات ومنظمات للخدمة ترتبط على أساس مهني أو اجتماعي أو خلاف ذلك، فرابطة للأطباء مثلا، وأخرى للسيدات، وأخرى لرجال الأعمال... وهكذا، دون أن تكون أيًا منها مؤسسة على التمسك بالحق المعلن في الكلمة، والذي لا يعترف إلا برابطة واحدة، هي كنيسة الله - (المعرب).

[8]أي: لئلا تتأمل أنت طريق الحياة، فإن طرقها تتغير (أو تتحور) لكي لا تعرفها أو تفهمها
“lest you should ponder the path of life, her ways are changeable that you should not know them.”

[9] يشير الكاتب إلى التعليم والأسلوب الذي انتهجه بنيامين نيوتن في بداية النهضة الفيلادلفية، وكان أول انحراف عن الحق ظهر منه هو أنه حاول – حسب اعترافه شخصيًا بفمه طبقًا لشهادة الأخ ج. ديك - تغيير فكر الإخوة وتحويله عن مبدأ الاجتماع إلى اسم الرب بدون رئاسة بشرية، ورتب قاعة اجتماعه في بليموث بشارع إبرنجتون بحيث يكون للخدام المسموح لهم بقيادة الاجتماع في الترنيم أو خدمة الكلمة مقاعد خاصة على المنصة. وعندما ذهب داربي إلى بليموث خصص له نيوتن مقعدًا على المنصة، لكن داربي رفض الجلوس عليه وكان يجلس في المقاعد العامة، وانتهى الأمر بانفصال من رفضوا تعليم نيوتن عنه وعزل نيوتن ومن بقوا معه في اجتماعه عام 1845. وبعد ذلك تكشفت أمور أخطر عن تعاليم نيوتن فيها إنكار لكمال ناسوت المسيح وكفارته على الصليب. (المعرب نقلاً بإيجاز عن نابوليون نويل – تاريخ الإخوة).
Napoleon Noel, The History Of The Brethren - Part I, p 150-222.

[10] عقِب انقسام بليموث، وعزل اجتماع إبرنجتون، قبِل الإخوة على مائدة الرب في اجتماع بيت حسدا ببريستول بلندن، وهو الاجتماع المحلي للأخ جورج موللر، من يأتون إليهم زائرين من الاجتماع المعزول، بالرغم من أنهم كانوا على علم بالشر التعليمي الذي عندهم، بحجة أن مائدة الرب مسؤولية شخصية، وأنه لا سلطان للكنيسة أن تمنع عنها، وأن كل كنيسة مستقلة في قراراتها، فقرار الإخوة في اجتماع بليموث ليس بالضرورة (حسب فكرهم) أن يكون ملزِمًا لإخوة بيت حسدا. وهذا الفكر الخاطئ يعالجه الكاتب في الفصلين السادس والسابع من هذا الكتاب. وقد أدى عدم قبول اجتماع بيت حسدا لتعليم كلمة الله في هذا الخصوص إلى الانقسام الثاني المسمى بانقسام الإخوة المرحبين، حسبما أسموا أنفسهم بعد الانقسام، وكان ذلك في عام 1848. (المعرب بإيجاز نقلاً عن أندرو ميللر ونابوليون نويل)
1- Andrew Miller, The Brethren, Commonly So Called – Chapter 4.
2- Napoleon Noel, The History Of The Brethren - Part I, p 221-271.

[11] أي أحبال شد الخيمة والدار الخارجية

[12] الترجمة الصحيحة حسب الأصل "أعطى البعض رسلاً...." راجع الكتاب المشوهد وترجمة داربي – المعرب.


;jhf kiqm lk hggi >> ,sdvkh lu hgd,l >>> frgl tvd]vd; ,gdl [vhkj [vhkm ,N]l

   

 

لو الموضوع عجبك اضغط على كل ليك اللى تحت

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
جون وسيم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-06-2012, 01:13 AM   #2
بولا وديع
خادم للجميع
 
الصورة الرمزية بولا وديع
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 2,685
معدل تقييم المستوى: 10
بولا وديع عضو جديد
افتراضي رد: كتاب نهضة من الله .. وسيرنا مع الله اليوم ... بقلم .. فريدريك وليم جرانت

مشاركة
صلوات العدرا و القديسين تكون معنا جميعا امين .
بولا وديع غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-07-2012, 08:11 PM   #3
جون وسيم
خادم للجميع
 
الصورة الرمزية جون وسيم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2011
الدولة: مع المسيح
العمر: 39
المشاركات: 7,975
معدل تقييم المستوى: 15
جون وسيم عضو جديد
افتراضي رد: كتاب نهضة من الله .. وسيرنا مع الله اليوم ... بقلم .. فريدريك وليم جرانت

مشاركة
شكرا لمرورك . أ / بولا وديع
ربنا يباركك
جون وسيم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
مع, من, الله, اليوم, بقلم, جرانة, فريدريك, وآدم, وسيرنا, نهضة, كتاب


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: كتاب نهضة من الله .. وسيرنا مع الله اليوم ... بقلم .. فريدريك وليم جرانت
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حياه الانسان كتاب كتبه الله بن الملك المواضيع الروحية 0 10-09-2011 08:36 AM
استهزأ كاتبٌ صحفي مصري بآية من كتاب الله peter_2010 اخبارعامة 1 12-29-2010 05:15 PM
الله القوي‏..‏ القادر علي كل شيء بقلم | البابا شنودة الثالث ميلانيا عظات وقداسات البابا شنودة 0 12-12-2010 02:53 PM

منتديات الحياة الابدية

↑ Grab this Headline Animator


جميع الأوقات بتوقيت GMT +2. الساعة الآن 02:33 AM.


Powered by vBulletin™ Version 3.8.10 Beta 1
Copyright © 2019 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved. منتديات
|