منتديات الحياة الابدية

مجلة الحياة الابدية - شات الحياة الابدية - الكتاب المقدس مسمـوع - قناة الطريق - altarektv - قناة الحقيقة - The Truth Tv

الكتاب المقدس الالكتروني - افلام دينية مسيحية - قناة سى تى فى - ctv - تفسير الكتاب المقدس - مكتبة الترانيم والبومات المرنمين - مكتبة العظات الدينية

مركز رفع الصور - صفحات الفيس بوك المسيحية - الاعلان على منتديات الحياة الابدية - ترانيم سماع وتحميل مباشر - السنكسار اليومي

Follow us Youtube Rss Twitter Facebook


العودة   منتديات الحياة الابدية > روحانيات الحياة الابدية > الكتاب المقدس > كتب مسيحية

كتب مسيحية كتب مسيحية للتحميل,كتب للتحميل,كتب دينية,كتب دينية مسيحية,تحميل كتب مسيحية,موقع كتب مسيحية,مكتبة كتب مسيحية,مواقع مسيحية,مواقع كتب مسيحية ,الكتاب المقدس, المقدس, الكتاب, يسوع, المسيح, قراءة الكتاب المقدس, اقرأ, ابحث, ابحث في الكتاب, اسفار, معجزات


الكتاب الذى منع نشرة فى الشرق الأوسط ( صدى النبوات ) الجزء الرابع ..اخر جزء

الفصل السابع البوق السادس أو الويل الثاني هجوم جيوش المعسكر الشيوعي على فلسطين «السوط الجارف إذا عبر تكونون له للدوس. كلما عبر يأخذكم فإنه في الصباح يعبر، في النهار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-16-2012, 06:28 AM   #1
جون وسيم
خادم للجميع
 
الصورة الرمزية جون وسيم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2011
الدولة: مع المسيح
العمر: 39
المشاركات: 7,975
معدل تقييم المستوى: 15
جون وسيم عضو جديد
717628176 الكتاب الذى منع نشرة فى الشرق الأوسط ( صدى النبوات ) الجزء الرابع ..اخر جزء

مشاركة
الفصل السابع
البوق السادس أو الويل الثاني
هجوم جيوش المعسكر الشيوعي على فلسطين
«السوط الجارف إذا عبر تكونون له للدوس. كلما عبر يأخذكم فإنه في الصباح يعبر، في النهار وفي الليل، ويكون فهم الخبر فقط إنزعاجاً». (أشعياء 18:28و19)

«ثم بوَّق الملاك السادس فسمعت صوتًا واحدًا من أربعة قرون مذبح الذهب الذي أمام الله. قائلاً للملاك السادس الذي معه البوق: فك الأربعة الملائكة المقيدين عند النهر العظيم الفرات. فإنفك الأربعة الملائكة المُعَدون الساعة ولليوم والشهر والسنة لكي يقتلوا ثلث الناس. وعدد جيوش الفرسان مئتا ألف ألف. وأنا سمعت عددهم. وهكذا رأيت الخيل في الرؤيا والجالسين عليها لهم دروع نارية وأسمانجونية وكبريتية ورؤوس الخيل كرؤوس الأسود ومن أفواهها يخرج نار ودخان وكبريت. من هذه الثلاثة قتل ثلث الناسمن النار والدخان والكبريت الخارجة من أفواهها. فإن سلطانها هو في أفواهها وفي أذنابها شبه الحيات ولها رؤوس وبها تضر. وأما بقية الناس الذين لم يقتلوا بهذه الضربات فلم يتوبوا عن أعمال أيديهم حتى لا يسجدوا للشياطين وأصنام الذهب والفضة والنحاس والحجر والخشب التي لا تستطيع أن تبصر ولا تسمع ولا تمشي. ولا تابوا عن قتلهم ولا سحرهم ولا عن زناهم ولا عن سرقتهم» (رؤيا 13:9ـ21).
تبع صوت البوق السادس خروج صوت من قرون مذبح الذهب الذي أمام الله. وهو المذبح الذي زوَّد صلوات القديسين بالبخور من يد المسيح الكاهن، شفيع إسرائيل في ذلك الوقت، بدليل ظهوره أمام المذبح في صورة ملائكية وليس بصورته الإنسانية، لعدم إلمام إسرائيل في ذلك الوقت بحقيقة موقف الرب من جهتهم. لأن ضباب الضيقات أُخفى عنهم حقيقة عطف قلبه عليهم. كما كانت معاملات يوسف التدريبية لإخوته تحجب عنهم عطفه بل وحقيقة شخصه. ونحن نذكر ما سبق وقيل عن هذا الكاهن المحبوب، شفيعنا الحالي وشفيع إسرائيل العتيد، من أنه في دوره مع إسرائيل بعد أن يمزج صلواتهم في اضطهادهم بشفاعته، يعود كجواب لهذه الصلوات فيصب جام غضب الله على مضطهديهم. فقد قيل عنه: «وجاء ملاك آخر ووقف عند المذبح ومعه مبخرة من ذهب وأعطى بخورًا كثيرًا لكي يقدمه مع صلوات القديسين جميعهم على مذبح الذهب الذي أمام العرش. فصعد دخان البخور مع صلوات القديسين من يد الملاك أمام الله. ثم أخذ الملاك المبخرة وملأها من نار المذبح وألقاها إلى الأرض فحدثت أصوات ورعود وبروق وزلزلة» (رؤيا 3:8ـ5). هذا هو المذبح الذي من قرونه خرج الصوت للملاك السادس الذي معه البوق السادس ليفك الأربعة الملائكة المُقيدين عند النهر الفُرات العظيم.
ولا يغيب هنا عن بالنا أن الوثنية في إسرائيل في تلك الأيام الأخيرة قد سُميَّت «رجسة الخراب» (متى 15:24) أى الرجسة التي تجلب المُخَرب الذي يخرب. فهذه العبارة تبيَّن الرابطة بين البوقين الخامس والسادس. ففي الخامس نرى الرجسة، وفي السادس نرى المُخرَّب والخراب. وفي (دانيال 27:9) يُقال «وعلى جناح الأرجاس مخرب» أو بسبب جناح الأرجاس سيكون مخرِب. وجناح الأرجاس أو الحامي المعبود من مرتدي إسرائيل، الذي هو الإمبراطور الروماني المتأله، هو بالمباينة مع جناح إله إسرائيل الحامي الذي تَعَلَّم متقوا الرب في إسرائيل المرتد أن يثقوا في كفايته وحده لحمايتهم. وهذا الصوت الصارخ من المذبح يُذَكرنا بذلك الوحش المتأله الذي تسبب في إبطال الذبيحة والتقدمة من حيث كانت تصعد لله كما قيل عنه: «وفي وسط الأسبوع يُبطل الذبيحة والتقدمة» (دانيال 27:9). على أن المذبح الصارخ هنا من قرونه هو مذبح الذهب وليس هو مذبح الذبيحة نفسها. ولكن دم الذبيحة كان يوضع على قرون مذبح الذهب في سبيل أن يصعد منه البخور. ومن ثَم فهو أمر له دلالته القوية قول الرائي هنا «صوتًا واحدًا من الأربعة القرون» فللأربعة صيّحتهم المتحدة ضد المضطهد المجدف. والصيّحة هى لأجل صب الدينونة على هذا المجدف ودولة تجديفه، هى لأجل جلب الخراب على الرجسة، هى لأجل فك الأربعة الملائكة المُقيدين عند النهر العظيم، نهر الفرات.
يعتبر نهر الفرات الحد الفاصل بين الدولة الرومانية القديمة ودول الشرق، كما كان حد مملكة سُليمان أيضًا من جهة الشرق والشمال. وسيكون في المستقبل الحد الفاصل بين الدول الخاضعة للنفوذ الغربي الذي يسيطر عليه ”الوحش“، والنفوذ الشيوعي الذي يسيطر عليه ”جوج“. وسيلغي هذا الحد الفاصل بين المعسكرين حيث ستتحرك قوات شيوعية ضخمة يُعبر عن عددها بمائتى مليون مقاتل. وأما قوله «يقتلوا ثلث الناس» فإن الثلث كما سبق وأشرنا يعبر عن الدولة الأوروبية الغربية التي تتكوّن من الوحش والملوك العشرة المتحدين معه. أما وسائل القتل وهى النار والدخان والكبريت فأما أنها أسلحة رمزية لأخرى روحية، وإما أنها أسلحة حرفية مما يتمخض عنه الاختراعات الجبارة لآلات التدمير العديدة التي شرحنا البعض منها في الفصول السابقة (راجع الحرب العالمية الثالثة).
وسيأتي هذا الشر من الشرق بالنسبة للدولة الرومانية ويعتبر من الشمال بالنسبة لدولة إسرائيل التي تكون في ذلك الوقت منطويَّة تحت لواء الوحش رئيس الدولة الرومانية.
فالملوك الآتين من مشرق الشمس هم حلفاء لملك الشمال ”جوج“ أو ”الأشوري“، الذين سيقومون بالهجوم على أرض فلسطين وأرض مصر مع السودان والحبشة وليبيا وسيواجههم جيوش الوحش وحلفائه الذين يتحركون بناء على طلب المعونة التي يلجأ إليها إسرائيل. وهذه بداية النهاية لنظام العالم الحاضر الشرير.
وكان نهر الفرات هو حد الإمبراطورية القديمة، وسيكون حد العتيدة. فهناك الأربعة الملائكة مقيدة أو محجوزة بقوة الإمباطورية نفسها إلى أن تقوم في وجه الله فتحطم الحد الحاجز بأيديها، فتندفع القبائل والشعوب الشيوعية التي هى خارج حدود الإمبراطورية، لتقوم بمهمتها ألا وهى ذبح ثلث الناس أو القسم الثالث من الناس وهو القسم الذي عاد إلى الحياة من أقسام الإمبراطورية الرومانية القديمة الثلاثة وهو القسم الواقع غرب أوروبا حيث تفوّق الوحش واتحدت به قوة ضد المسيح ملك إسرائيل في فلسطين. فعلى أتباع الوحش في أوروبا وفلسطين، سيهجم غزاة معسكر الشرق الواقع شمال فلسطين. وفي (حزقيال 38و39) نجد هذا المخرب الشمالي الذي سيؤتى به على المرتدين في تلك الأيام الأخيرة: «هكذا قال السيد الرب: هل أنت هو الذي تكلمت عنه في الأيام القديمة عن يد عبيدي أنبياء إسرائيل الذين تنبأوا في تلك الأيام سنينًا أن آتي بك عليهم؟» (حزقيال 17:38) أى على إسرائيل. ولما نرجع إلى هذين الأصحاحين نجد طابور الأمم الواقعة على الجانب الآخر من نهر الفرات متدفقًا على أرض إسرائيل التي تتضح لنا جيدًا علاقتها مع ضد المسيح ومع الإمبراطورية الرومانية من سفرى دانيال والرؤيا. وإن كان الفرات هو حد وتخم الإمبراطورية كما كان مرة في الواقع، فهو أيضًا حد وتخم إسرائيل كما أوضحه الله في قوله تعالى: «من البرية ولبنان هذا إلى النهر الكبير، نهر الفرات» (يشوع 4:1). وهكذا صار للاثنين حدًا واحدًا باتحادهما معًا وصيرورتهما واحدًا. وقد رأينا فيما مر بنا مبلغ علاقتهما ببعضهما، العلاقة المشتركة الموحدة روحيًا سياسيًا، في اتحاد الوحشين معًا. ولذلك، مع أن الهجوم سيكون على فلسطين، يقال أن هذه الحملة الشعواء ستهلك ثلث الناس، أو كما فهمنا عن معنى ثلث الناس، رعايا الإمبراطورية الرومانية. وهذا ليس فقط لأن إسرائيل سيكونون من ضمن رعايا الإمبراطورية بل ولأن كثيرين من جنود الإمبراطورية سيكونون في ذلك الوقت مُحتَلين فلسطين لحماية إسرائيل من هؤلاء المغيرين وللانتقام من رافضي السجود لإمبراطورهم. لذلك تعتبر الضربة واقعة فعلاً على ثلث الناس أو أتباع الإمبراطورية في فلسطين من يهود ورومان.
ولكن لماذا يكون الملائكة المقيدين عند نهر الفرات إلى ذلك الوقت أربعة؟ إن الحاجز أو القيد الذي يمنعهم من الحركة، يدل دلالة كافية على أنهم قوات مقاومة ومضادة ومن ثَم يستبعد أنهم ملائكة أطهار. كذلك لا يمكن بالمرة أن يكونوا ملائكة بالمعنى الحرفي. إنما هى قوات تمثل غيرها، أو هناك قوات تتمثل فيها وهى تعابير عنها. والذين طبقوا هذه الرموز على مجرى التاريخ في عصر الكنيسة، اعتبروها دالة على أنقسام الإمبراطورية التركية القديمة الرباعي إلى أربعة ممالك متقدمة للهجوم على الإمبراطورية الرومانية الشرقية أو قسمها الواقع في الشرق. وإذا اعتبرنا هذه الحملة التركية القديمة تشير إلى ما سيتم على الوجه الأتم والأروّع في الأيام الأخيرة باعتباره موضوع النِّبوة بالذات، حينئذ يكون من الجدير بالملاحظة أن «جوج أرض ماجوج، رئيس روش، ماشك وتوبال» (حزقيال 3:38) يعطينا ـ تحت رأس أو قائد واحد، ولاشك ـ أربعة قوات متميَّزة كشركاء أصليين في غزوة الأيام الأخيرة على الإمبراطورية الرومانية في الشرق. وهؤلاء الأربعة سكنوا ربوع روسيا وهم أولاد يافث. ولا تُخفى المشابهة اللفظية بين روش وروسيا وبين ماشك وموسكو وبين نوبال وتوبلسك. وسيكون في الحملة آخرون أيضًا، ولكنهم ليسوا هم أصحاب الحملة الرئيسيين، بل أتباع في رِكابهم وهم ”فارس“ أى إيران ”وكوش“ وهو بن حام (تكوين 6:10) وسكن بعض نسله على نهر جيحون (تكوين 13:2) أى جنوبى إيران وتركيا وشمال العراق كما سكن باقي نسله أثيوبيا والسودان (حزقيال 10:29). وفي حملة ملك الشمال هذه سيكون كوش الشمالي في ركابه إذ سيكون هو نقطة الإبتداء، كما سيكون كوش الجنوبي تحت إمرته إذ سيكون هو نقطة الإنتهاء (دانيال 43:11). «وفوط» أى اللوبيون «معهم كلهم بمجن وخوذة. وجومر» هو ابن يافث (تكوين 1:10). وقد سكن تركيا وشرق أوروبا «وكل جيوشه. وبيت توجرمة» هو ابن جومر بن يافث (تكوين 3:10). وقد سكن أرمينيا «من أقاصي الشمال» بالنسبة لإسرائيل في فلسطين «مع كل جيشه. شعوبَا كثيرين معك» (حزقيال 5:38و6) (أنظر نِّبوة نوح عن مستقبل أولاده، وتفرق نسلهم، بالباب الثاني من الجزء الأول).
والملائكة المُعدين للساعة واليوم والشهر والسنة لكي يقتلوا ثلث الناس. والعدد العديد للجيوش الهاجمة الذي هو 200 مليون والمنبر عليه في قول الرائي «وأنا سمعت عددهم» هو عدد له مدلولاته. فعدد 2 باعتباره أول عدد يقسم الأعداد، هو رمز قوة العدو أو قوة الشر التي دخلت ففصلت الإنسان عن الله بالخطية وفصلت الإنسان عن نفسه بالموت. وكونه 200 مليون يدل على الشر في أكمل صورة وأشد قوته. ولكن لعدد 2 معاني جميلة متى كان خاصًا بالله، لأنه يدل على الخلاص والمخلص كالأقنوم الثاني والإنسان الثاني الذي أقام الإنسان الأول الساقط «إثنان خير من واحد… لأنه إن وقع أحدهما يقيمه رفيقه. وويل لمن هو وحده إن وقع إذ ليس ثانٍ ليقيمه» (جامعة 9:4و10). فليس ملك الشمال إلا آله في يد الرب للانتقام من إمبراطورية الوحش في فلسطين إذ أذاقت القديسين الأمَرّين بسبب رفضهم السجود لصورة الوحش. فهم أداة الله للخلاص، أو آله في يد المخلص لإنقاذ أحبائه من أعدائهم. وهكذا نرى الشر في كل قوته يخدم الخير في صالح أغراضه، لأن يد الله الحاكم الحكيم تحكمه. إذًا فليس من المعقول أن يكون هذا العدد حرفيًا ما لم يكن الغرض منه الإشارة إلى عدد الشياطين التي تقذف بهذه القوات الهائلة المتلاطمة على الإمبراطورية الرومانية العتيدة في فلسطين. أما الخيول المذكورة فلها أهميتها. ومبدئيًا يُلاحظ أن كل هجوم لجيوش الشرق قديمًا أو حديثًا مميَّز بكثرة الخيول وهذا في القديم. كما دلَّت عليه حديثًا حملات القوقاز ضد الألمان وحملات الصين الشيوعية في كوريا.
ولكن عنا نتحول عن الحرف إلى معناه. فقد وصف الراكبون على الخيل أو الفرسان أولاً، ولكن بالنسبة فقط لدروعهم «النارية والأسمانجونية والكبريتية»، وهذه تتجاوب وتتوافق مع «النار والدخان والكبريت» الخارجية من أفواه الخيل (رؤيا 17:9). وهذا معناه أنهم ليسوا إلا آلات في يد الدينونة الإلهية التي تجعلهم قوات لا تنغلب أثناء قيامها بعملها المقصود من الله، فهى حملة نارية كاسحة بلهبها. وللخيل أوجه كأوجه الأسود، فالدمار والهلاك والافتراس يكون بوسيلة في الطليعة هى دينونة الله. إذ سيخلع الرب على هذه الحملة صفته كالأسد المفترس لأعدائه في وثوبه عليهم، الصفة التي سيكون قائمًا بها في العرش في ذلك الوقت (رؤيا 5:5)، الصفة التي وصفها بقوله بالنسبة لأعدائه: «فأكون لهم كأسد. أرصد على الطريق كنمر. أصدمهم كدبة مثكل وأشق شغاف قلبهم، وآكلهم هناك كلبوة. يمزقهم وحش البرية» (هوشع 7:13و8).
فليس للأيدي البشرية التي مجرى القضاء أهمية تذكر، لأن الغضب الإلهي هو الذي يستخدم الأيدي التي تجريه. وهكذا في هذه المعركة تلاقينا دينونة الله في المقدمة كالمحرك الأول. ولكن هناك أيضًا في المعركة قوة الشيطان. وليس في هذا تناقض كما نعلم لأن يد الله على مقاصد الشر في الإنسان والشيطان تسخرها لمقاصد خيره على غير علم منهما وغير إرادة. فهما يقصدان الشر وإذا بالنهاية خير شعبه. إن أذناب الخيل شبه الحيات ولها رؤوس وبها تضر. فيالها من شخصيات ضارة بقوة ورئاسة شيطانية. وإن التعليم الكاذب هو ما يميز تلك الأيام حين يسلم الناس لكي يصدقوا الكذب. وكما فعل الوحش على يد نبيه الكذاب وأذنابه في إقامة عبادة الأوثان، بعبادته في صورته الحرفية وصورته الشخصية، أو ممثله الذي هو النبي الكذاب وهذا في الهيكل ذاته، كذلك ملك الشمال في هجومه العتيد على إسرائيل المرتد وقوات الإمبراطورية في فلسطين، سوف لا يخرب المدينةوالبلاد ويهلك السكان والجيوش فقط، بل وسيكون له هو أيضًا أذنابه الذين من جانبهم هم أيضًا وفي دورهم، يحاولون إبطال عبادة الله، «وفي آخر مملكتهم» أى مملكة ملوك الشمال «عند تمام المعاصي يقوم ملك جافي الوجه وفاهم الحيَّل. وتعظُم قوته. ولكن ليس بقوته» أى بقوة غيره الذي هو الروس، «يهلك عجبًا وينجح ويفعل ويبيد العظماء وشعب القديسين. وبحذاقته ينجح أيضًا المكر في يده ويتعظم بقلبه» يعني يتكبر، «وفي الإطمئنان يهلك كثيرين ويقوم على رئيس الرؤساء» (دانيال 23:8ـ25). يعني يتأله ويحارب الرب وعبادته كما قيل عنه قبل ذلك: «ومن واحد منها» أى من المملكة الواقعة شمال فلسطين التي هى إحدى أقسام مملكة اليونان القديمة «خرج قرن صغير وعظُمَ جدًا نحو الجنوب ونحو الشرق ونحو فخر الأراضي. وتعظم حتى إلى جند السموات» رمز أتقياء إسرائيل «وطرح بعضًا من الجند والنجوم إلى الأرض وداسهم. حتى إلى رئيس الجند» أى الرب «تعظم وبه أُبطِلت المحرقة الدائمة وهدم مسكن مقدسه. وجعل جند على المحرقة الدائمة بالمعصيَّة فطرح الحق على الأرض وفعل ونجح» (دانيال 9:8ـ11). وإن كان هذا قد تم مبدئيًا في التاريخ القديم في أنتيوخس أبيفانس، ولكنه سيتم على وجهه الأشنع في ملك الشمال الأخير العتيد. لأجل ذلك نرى في هذه المعركة أن الموت الروحي والموت الجسدي صنوان لا يفترقان. وستكون إبادتهم عن وجه الأرض بكيفية مرعبة كعذابهم في الهلاك الأبدي. ولكن الذين خلصوا من الفناء في هذه الحملة، لم يخلصوا من خطاياهم التي نرى أنها جوهر العبادة الوثنية وما ينتج عنها من مآثم. لأن الشر يتوالد من بعضه كما هو واضح في الأصحاح الأول من رسالة رومية. فترك الله العمدى يقود حتمًا إلى كل إثم آخر. ولكن لأن الذين جاءت عليهم هذه الحملة هم النصارى واليهود الذين رفضوا ملء الحق، لذلك كانت النتائج هى أكثر النتائج هوّلاً وشؤمًا.
أسباب الحملة وخط سيرها

إن هجوم ملك الشمال هذا على إسرائيل حليف الإمبراطورية في فلسطين هو ما نجده في (دانيال 11). ففي الأعداد 36 ـ 39 نجد الملك اليهودي الذي معه، كما مرَّ بنا، سيبرم الرئيس الروماني معاهدة لمدة سبع سنين. على أن هذا الرئيس أو الزعيم أو الإمبراطور الذي سيحمي إسرائيل في بلادهم ودينهم، سينقض عهده هذا معهم في نصف الأسبوع كما مر، عندما يتوحش شخصيًا ويتأله إذ يلغي دينهم وينادي بنفسه معبودًا لهم، ويكون ملكهم هو يده اليمنى في تنفيذ هذا المشروع الشيطاني. وسيتسلط هذان الوحشان، المُشار إليهما في (رؤيا 13)، على هذا النحو باقي الأسبوع فتنكشف حقيقتهما الكفرية التجديفية عندما يقيمان في الهيكل المقدس رجسة الخراب أو العبادة الوثنية للوحش الروماني مقام عبادة الله التي سيبطلانها وبسبب هذه الرجسة يجلب الله الخراب على الهيكل والمدينة والبلاد والإمبراطورية، الخراب العاجل الشامل، الهجوم الخاطف الذي سيهجمه السوط الجارف المذكور في (إشعياء 15:28ـ19) والذي أعطيَّت لنا تفاصيله في (دانيال 40:11ـ45). وأعني به ملك الشمال هذا. ففي الأيام الختامية للأسبوع السبعين، عندما يبلغ إلى الذروّة ارتداد الأمة اليهودية تحت تاج ضد المسيح مؤيدًا بالرئيس الروماني، وعندما تكون ساعة الدينونة قد دنَّت، فالله في طرق عنايته سيعمل على تمهيد السبيل لجمع كل قوى الشعوب والأمم لتلاقي حتفها عند ظهور الرب في مجده. ولذا فملك الجنوب، أى ملك مصر الواقعة جنوبي فلسطين، سيجد في ذلك الوقت سببًا للهجوم على ملك إسرائيل المالك والحاكم والفاعل كإرادته. وربما يكون السبب ما يلاحظه ملك مصر في ملك إسرائيل من تعاظم القوة وامتداد النفوذ كحليف إمبراطور روما الطاغية في ذلك الوقت وقاعدته الحربية في الشرق، مما يجعله يطمع المرّة بعد الأخرى في تخطي الحدود لتوسيع رقعته على حساب مصر. فيهجم عليه ملك مصر لإيقافه عند حده، وللحد من هيبته ونفوذه. «ويفعل الملك» ملك إسرائيل «كإرادته… ففي وقت النهاية» نهاية أسبوع الضيق «يحاربه ملك الجنوب» أى ملك مصر (دانيال 36و40). وهجوم مصر هذا على إسرائيل حليف الإمبراطورية الرومانية في الشرق، وفي قلب الدول العربية، يدل على أن مصر ستكون حرة مستقلة ولا شأن لها بأحد بل ستكون منصرفة إلى شئونها الخاصة لتقوية جيشها وتحسين حالة أراضيها وصناعاتها وسكانها. فسوف لا تكون جزءًا من الإمبراطورية ولا تحالف معها، بدليل قيامها في وجه إسرائيل حليف الإمبراطورية، ومما يدل على استقلالها وقوة بطشها وجيشها في ذلك الوقت، ومع أن إمبراطور روما بعد توحشه شخصيًا في وسط الأسبوع سيقوى على ملوك غرب أوروبا العشرة ويجعلهم في تحالفهم متحالفين معه قلبًا وقالبًا، إلا أنه سيترك الدول العربية وشأنها، مكتفيًا باتخاذ إسرائيل قاعدة حربية له في الشرق في وجه التوسع والنفوذ الروسي، وخطبًا لِود الدول العربية حتى لا تتمثل بالشرق الأقصى في الانضمام إلى المعسكر الشرقي. ولكن إذ يرى ملك الشمال، وهو قائد القوات الحربية المحالفة للروس والمرابطة عبر الفرات شمال بلاد إسرائيل، إذ يرى هجوم ملك مصر على ملك إسرائيل، يتحرك هو أيضًا للعمل للفوز بقصب السبق على مصر في احتلال إسرائيل وامتلاكه لنفسه. ولكن إذ يكون هجوم ملك الشمال هجومًا خاطفًا جارفًا، لأن التدريبات والحركات والمُعدات ستكون من آخر طراز، سيفوز بنصر ساحق كما يقول النبي «فيثور عليه» أى على ملك إسرائيل «فيثور عليه ملك الشمال بمركبات وبفرسان وبسفن كثيرة» أى حملة جوية وبرية وبحرية ويصفه يوئيل هكذا: «شعب كثير وقوى لم يكن نظيره منذ الأزل ولا يكون أيضًا بعده إلى سني دور فدور. قدامه نار تأكل وخلفه لهيب يحرق. الأرض قدامه كجنة عدن وخلفه قفر خرب ولا تكون منه نجاة. كمنظر الخيل منظره ومثل الأفراس يركضون. كصريف المركبات على رؤوس الجبال يثبون. كزفير لهيب نار تأكل قشًا. كقوم أقوياء مصطفين للقتال. منه ترتعد الشعوب. كل الوجوه تجمع حمرة. يجرون كأبطال. يصعدون السور كرجال الحرب ويمشون كل واحد في طريقه ولا يغيرون سبلهم. ولا يزاحم بعضهم بعضًا، يمشون كل واحد في سبيله. وبين الأسلحة يقعون ولا ينكسرون. يتراكضون في المدينة، يجرون على السور، يصعدون إلى البيوت، يدخلون من الكوى كاللص. قدامه ترتعد الأرض وترجف السماء. الشمس والقمر يظلمان والنجوم تحجز لمعانها» (يوئيل 2:2ـ10).
ولنرجع إلى باقي ما يقوله دانيال النبي عنه: «ويدخل الأراضي ويجرف ويطمو. ويدخل الأرض البهية» أى أرض إسرائيل «فيعثر كثيرون» أى يسقط كثيرون في يده (دانيال 40:11و41). ولكن أين قوات الإمبراطورية الرومانية في ذلك الوقت لتحمي إسرائيل من هؤلاء الأمم الذين اجتاحوه؟ الجواب مجرد استنتاج لأن الكتاب قد صمت عنه. فمما سيضعف مركز الإمبراطورية الحربي في فلسطين هو: أولاً ـ هرب معظم أتقياء إسرائيل من البلاد فرارًا من اضطهاداته وتعذيباته ومحاولته إبادتهم بسبب رفضهم لعبادته وتمسكهم بالله. وهؤلاء أكثرية لا يُستهان بها لذلك يترتب على هربهم من البلاد ضعف مركزها الحربي، مؤكد كما سيضعف المركز الحربي للممالك الإنجيلية في أمريكا وأوروبا، بسبب اختطاف الكنيسة الحقيقية إلى السماء، إذ أن معظم المؤمنين الحقيقيين موجودون في هذه الممالك. وضعفها هذا هو مما سينجم عنه تفوّق روما مستقبلاً عن لندن وواشنطن لأن كل المسيحيين بالإسم المتروكين على الأرض في ذلك الوقت، سينضوون تحت لواء روما الديني. ثانيًا ـ مما سيضعف مركز الإمبراطورية الحربي في فلسطين في ذلك الوقت، هو مناورات طوابير المعسكر الشرقي من شرق أوروبا شمالاً إلى غرب آسيا جنوبًا على حدود الفرات، من بحر البلطيق إلى بحر العجم مما سيضطر الإمبراطور على توزيع قواته بين الشمال في غرب أوروبا والجنوب في شرق آسيا أى في إسرائيل، مما سيجعل القوى موّزعة وخطوط المواصلات صعبة وطويلة. ثالثًا ـ أن حملة ملك الشمال على إسرائيل ستكون في نهاية النصف الثاني من الأسبوع. والوحش في نهاية هذه المدة، سيكون غيره في أولها. ففي أولها سيكون في شدة بطشه وتوحشه مما جعل أصقاع الإمبراطورية تدين له. أما في نهايتها، إذ ستكون أكثرية إسرائيليية قد هربت من تحت يده، كما وستكون الضربات الإلهية قد لاشت كثيرًا من جيوشه، هذا وغيره سيجعله في النهاية أضعف حربيًا مما كان في البداية. رابعًا ـ ورغم هذا وذاك فقد يكون ضعف مركزه الحربي مفتعلاً للايقاع بالأعداء فيما ينصبه لهم من فخاخ المطامع في فلسطين بل وفي الشرقين الأوسط والأدنى، بما يصوّره لهم كذبًا من ضعف مركزه الحربي في فلسطين، بانسحاب قواته ومعداته منها إلى غرب أوروبا بدعوى حماية الإمبراطورية مما يمكن أن يشنه الشيوعيون عليها في أوروبا. وخطته الموضوعة هى: إذ يرى أعداؤه أن فلسطين قد أصبحت غنيمة باردة لانسحاب الجيوش الرومانية منها فيهجمون عليه، يُنَفِذ هو حينئذ باقي خطته الموضوعة بأن يُطَبِق عليهم في فلسطين إطباقًا خاطفًا بَرًا وبحرًا وجوًا، فيلاشيهم ويخلو له جو العالم من المنافسين والمزاحمين. ولعل ضعف مركزه الحربي المفتعل هذا في فلسطين هو ما سيحدو بمصر لأن تفتكر أنه قد سنحت لها الفرصة للانتقام من عدوّها وغريمها اليهودي، بعد أن ضعف مركزه وقوى مركزها هى وقويَّت شوكتها فتبادر للهجوم على إسرائيل.
ملك الشمال هو السوط الجارف

وهجوم ملك مصر على ملك إسرائيل في فلسطين، هو ما سيحدو بملك الشمال في دوره لأن يسابق مصر في الهجوم على إسرائيل أيضًا من الشمال. لأنه هو أيضًا سيكون طموحًا في تبوّء مركز السيادة على العالم. ولذلك سيرقب بعين الحسد والغيرة امتداد نفوذ وسلطان ملك فلسطين الذي أقام في قلب الدول العربية حليفًا وممثلاً للتحالف الغربي العظيم. وعليه إذ يخشى من أن يسبقه ملك الجنوب أى مصر في حملته، إلى ما كان يطمع هو فيه من سؤدد وسلطان، فيندفع هو أيضًا للهجوم على فلسطين. بجيوش جرارة أطوّع له من بنانه فيكتسح فلسطين اكتساحًا. ويقول النبي إشعياء عن ذلك: «لذلك اسمعوا كلام الرب، يا رجال الهزء» أى الهازئين بالله وأموره «ولاة هذا الشعب الذي في أورشليم» أى أعضاء البرلمان والوزراء ومجلس البلاط والملك «لأنكم قلتم قد عقدنا عهدًا» هو العهد الذي سيُبرم بينهم وبين الإمبراطور الروماني ولا يدوم أكثر من سبع سنين «قد عقدنا عهدًا مع الموت وصنعنا ميثاقًا مع الهاوية» أى أن الإمبراطور الذي عقدوا معه العهد كان في نظرهم موتًا يصعق أعداءهم، وهاوية تبتلعهم من الوجود. «السوط الجارف» هو ملك الشمال «إذا عبر لا يأتينا» أى لا يصل إلينا، ظنًا منهم أنهم بملكهم وحاميه صاروا أمنع من العقاب. «لأننا جعلنا الكذب ملجأنا وبالغش استترنا» المجسمين في أكاذيب ملكهم ودبلوماسيات إمبراطورهم. «لذلك هكذا يقول السيد الرب» بالمباينة مع سيد روما: «هأنذا أؤسس في صهيون حجرًا، حجر امتحان، حجر زاوية كريمًا أساسًا مؤسسًا» هو الرب يسوع المسيح نفسه الذي سيكرز به الشاهدان في أورشليم وشركاؤهم في باقي مدن إسرائيل، إذ يقودون المعيّنين لعبادة الإله الحقيقي رافضين عبادة إمبراطور روما وممثله الذي هو ملكهم، ولانتظار ظهور الرب يسوع المسيح الملك الحقيقي، رافضين ضد المسيح ملكَا عليهم. أما المرتدون فيعبدون الإمبراطور كإلههم ممثلاً لضد المسيح، ويخضعون لضد المسيح كملكهم. لذلك يقول سمعان الشيخ للعذراء منبئًا عن الرب يسوع: «هذا قد وضع لسقوط وقيام كثيرين في إسرائيل» (لوقا 34:2)، «من آمن لا يهرب» أى لا يحتاج للهرب من غضب الله لأنه محمي منه بختم الله عليه، «وأجعل الحق خيطًا والعدل مطمارًا» لقياس الدار التي هى خارج الهيكل لتخريبها وهى رمز معابد الوحش في البلاد ابتداء من الهيكل نفسه (رؤيا 2:11) ولقياس العابدين له لإبادتهم. وهذا وذاك بالمباينة مع قياس معابد الله وعابديه ابتداء من الهيكل نفسه (رؤيا 1:11). «فيخطف البرَد» أو القنابل المنهمرة، «ملجأ الكذب، ويجرف الماء» أو الجيوش الجرارة، «الستارة» أو جيوش الإمبراطورية التي لجأوا إليها واستتروا بها «ويمحى عهدهم مع الموت» أى لايبقى بعد أية قيمة أو فائدة للمعاهدة المبرمة بين أورشليم وروما «ولا يثبت ميثاقكم مع الهاوية. السوط الجارف» ذو البرَد والماء سيلاً جارفًا للبلاد وجيوشها وسكانها، «إذا عبر تكونون له للدوس. كلما عبر يأخذكم. فإنه كل صباح يعبر في النهار وفي الليل» مما يدل على روحات وغدوات الطيارات والقطارات والدبابات والسيارات وغيرها من معدات الحرب الخاطفة التي في وسعها أن تتم خططها ذهابًا وجيئة في أقصر وقت «ويكون فهم الخبر فقط انزعاجًا» (إشعياء 14:28ـ19) كما يقول الرب في العهد الجديد «متى رأيتم أورشليم محاطة بجيوش» هى في الأيام الأخيرة جيوش ملك الشمال «فحينئذ اعلموا أنه قد اقترب خرابها. حينئذ ليهرب» الكلام ليس للهاربين من اضطهاد الوحش المتأله في أورشليم، لأن هذا سيكون في بداية النصف الثاني من الأسبوع، وقد هربوا فعلاً وخلَّت البلاد منهم. ولكن الكلام هنا هو للأتقياء الذين بقوا في أورشليم وباقي مدن إسرائيل، للشهادة في وجه الوحش والنبي الكذاب، محفوظين من أذاهما بالقوة المعجزية. فهؤلاء يوصيهم الرب بالهرب من وجه ملك الشمال، نظرًا لما ستعمله جيوشه في أورشليم وباقي البلاد من تخريب وتدمير للأشياء والأشخاص الأردياء «حينئذ ليهرب الذين في اليهودية إلى الجبال. والذين في وسطها فليفروا خارجًا. والذين في الكور فلا يدخلوها. لأن هذه أيام انتقام ليتم كل ما هو مكتوب. وويل للحبالى والمرضعات في تلك الأيام لأنه يكون ضيق عظيم على الأرض وسخط على هذا الشعب. ويقعون بفم السيف ويُسبون إلى جميع الأمم. وتكون أورشليم مدوسة من الأمم حتى تكمل أزمنة الأمم. وتكون علامات في الشمس والقمر والنجوم. وعلى الأرض كرب أمم بحيرة. البحر والأمواج تضج. والناس يُغشى عليهم من خوف وانتظار ما يأتي على المسكونة لأن قوات السموات تتزعزع» (لوقا 20:21ـ26). ويقول الرب على فم زكريا النبي أيضًا وصفًا لهذه الحملة الحربية المخربة: «هوذا يوم للرب يأتي. فيقسم سلبك في وسطك. وأجمع كل الأمم على أورشليم للمحاربة فتُؤخَذ المدينة وتنهب البيوت وتُفضَح النساء ويخرج نصف المدينة إلى السبي. وبقية الشعب» أى البقية المتقية بين الشعب «لا تقطع من المدينة» (زكريا 1:14و2).
قطع خط الرجعة عليه وهو في مصر ورجوعه منها

وسوف لا يسبق ملك الشمال هذا ملك الجنوب في غزو إسرائيل فقط، بل وسينزل أيضًا في طغيانه ومطامعه ونشوة ظفره إلى مصر ويأخذها، في حين تكون الأمم المجاورة لمصر، وهى ليبيا من الغرب والحبشة من الجنوب، على قاب قوسين أو أدنى منه لذلك يكونان في خدمته. ويقول النبي دانيال عن أعمال ملك الشمال هذه: «ويدخل الأراضي» أراضي الدول العربية «ويجرف ويطمو. ويدخل إلى الأرض البهية» أرض إسرائيل «فيعثر كثيرون وهؤلاء يفلتون من يده أدوم وموآب ورؤساء بني عمون» أى شرق الأردن التي عاصمتها عمان. ولعل السبب في تحوله عن شرق الأردن هو تعجله لامتلاك باقي بلاد إسرائيل قبل وصول ملك مصر. «ويمد يده على الأراضي» أى بالنهب والسلب «وأرض مصر لا تنجو. ويتسلط على كنوز الذهب والفضة وعلى كل نفائس مصر» وهذا يدل على أن مصر ستكون ذات ثروة قومية مغرية ناتجة من مناجمها ومزارعها ومصانعها ومتاجرها. «واللوبيون والكوشيون» أى الأحباش «عند خطواته» (دانيال 40:11ـ43).
سوف تزيد عظمة مصر في الأيام الأخيرة وتَرقى جدًا اقتصاديًا وحربيًا وسيكون لها كلمة مسموعة في المحيط الدولي وخصوصًا في الشرق. وسيكون لها علاقات ومشاكل مع كل من إسرائيل ”فلسطين“ وأشور ”العراق“ وكوش ”الحبشة“ وفوط ”ليبيا“ وتكون العراق حينذاك في حلف مع الدول الشيوعية التي تتزعمها روسيا السوفياتية ويعبر عن هذا الحلف ”ملك الشمال“ وأما مصر فستكون في حلف مع جارتيها الحبشة وليبيا ويعبر عنها ”ملك الجنوب“. ولكن هاتين الجارتين ستخذلان مصر في النهاية وتنضمان إلى حلف ”ملك الشمال“. وسيصيب مصر أضرارًا جسيمة بسبب ذلك. إذ تُنهَب كنوزها وتهدم منشآتها التي تقيمها على النيل، والتي تكون سبب خسارتها الفادحة «ويبيد الرب لسان مصر. ويهز يده على النهر بقوة ريحه ويضربه إلى سبع سواقي ويجيز فيها بالأحذية» (إشعياء 25:11) «وتنشف المياه من البحر ويجف النهر وييبس. وتنتن الأنهار وتضعف وتجف سواقي مصر ويتلف القصب والأسل. والرياض على النيل على حافة النيل وكل مزرعة على النيل تيبس وتتبدد ولا تكون. والصيادون يئنون وكل الذين يلقون شصًا في النيل ينوحون. والذين يبسطون شبكة على وجه المياه يحزنون. ويخزى الذين يعملون الكتان الممشط والذين يحيكون الأنسجة البيضاء. وتكون عمدها مسحوقة. وكل العاملين بالأجرة مكتئبي النفس… في ذلك اليوم تكون مصر كالنساء فترتعد وترجف من هزة يد رب الجنود التي يهزها عليها. وتكون أرض يهوذا رعبًا لمصر. كل من تذكرها يرتعب من أمام قضاء رب الجنود الذي يقضي به عليها» (إشعياء 1:19ـ10).
واللوبيون ”نسل فوط“ والكوشيون ”أجداد الأحباش“، سيكونان في تحالف وتعاون مع جوج أيضًا في حملته الأخيرة. أما مصر فلن تكون في حملته الأولى ولا الأخيرة. مما يدل على أنها ستكون في استقلال وحيدة عن المعسكرين الشرقي والغربي، كما وأنها ستحظى بالبركة في المُلك مع إسرائيل في حين يبيد المعسكران. وبينما ملك الشمال في مجاورة مصر «تفزعه أخبار من الشرق ومن الشمال» أى من فلسطين التي تكون بالنسبة له وهو في ليبيا في الشمال الشرقي. فيثير هذا غضبه ويجعله يقفل راجعًا وهو مستشيط غيظًا على عدوه الذي بَلَغته عنه هذه الأخبار «فيخرج» من مصر «بغضب عظيم ليخرب وليحرم كثيرين» أى يعدمهم الحياة ويخرب بلادهم ويعود إلى فلسطين «وينصب فسطاطه» أى خيمته الملكية، مركز القيادة العليا وسط جيوشه الجرارة «بين البحور» أى البحر الميت والبحر الأبيض «وجبل» أو عند جبل «بهاء القدس» الذي هو جبل بيت الرب في أورشليم (دانيال 44:11و45).
إن تجمع الجيوش لمحاصرة وسبي أورشليم، لا يمكن أن يكون هو مجمع الجيوش الغربية، جيوش الإمبراطورية الرومانية العائدة إلى الحياة والتي يُشار إليها في (رؤيا 19). لأن جيوش الإمبراطورية هذه ستكون متحدة بملك إسرائيل وجيشه ومعضدة له ومؤيدة ضد ملك الشمال الذي سيهجم عليه هجوم العاصفة الثلجية الهوجاء. فالأمم التي تتكلم عنها النِّبوة في (زكريا 1:14ـ3، يوئيل 3)، هى الواقعة شمال وشرق الأرض البهية أو البهيجة. وهى أعداء ملك إسرائيل، المسيح الكذاب، وأعداء التحالف الغربي الذي يعضده وإذ نحفظ هذا في بالنا، وأن نذكر أن جوج ”زعيم الروس“ سيعمل في ذلك الوقت على جمع كل تلك القوى لتلقي دينونتها في ظهور الرب، فلابد وأن يوافينا فكر من جهة ماهية الأخبار التي بلغت ملك الشمال وهو في مصر ومجاورتها. فقد تكون هى أخبار وصول جيوش الإمبراطور الغربية إلى فلسطين، لتقطع على ملك الشمال خط الرجعة قاطعة أيضًا عنه مواصلاته من الخلف، لتعزله منفردًا وتضربه الضربة القاضية التي تفصل في أمر سيادة العالم لحساب الوحشين، إمبراطور روما وحليفه الإسرائيلي اللذين سيكونان أداة القوة أو الحيلة الشيطانيين. فالأخبار التي تصل ملك الشمال وهو في مجاورة مصر وتفزعه من جهة وصول النجدة الإمبراطورية لملك إسرائيل ونزولها في ميناء حيفا وتجمعها في وادي هركجدون ستجعله يقفل راجعًا على عجل، مصممًا هو أيضًا على أن يضرب أعداءه الضربة التي تقصم ظهورهم وتضع في يده ما يشتهبيه من القبض على صولجان الحكم على العالم متصورًا أنهم سبق وأخلوا له البلاد شعورًا منهم بالضعف أمامه، ولذلك مهما كانت القوة التي عادوا بها، فلن تكون شيئًا أمام قواته. هذا فضلاً عن أنه سيجد أنه من المحتَّم تصفية الموقف فهو لن يرضى لنفسه أن يكون حبيسًا في أفريقيا وهو الأسيوي الخطير في عدده، والأوروبي القدير في عدته، وهم أيضًا لم يقصدوا حصره إلا لعزله والقضاء عليه. لذلك لابد في نظره من أصطدام المعسكرين الشرقي والغربي مع بعضهما في فلسطين، لذلك الإصطدام الذي طالما تحاشاه المسكران تفاديًا لخراب العالم وهلاك البشرية. ومع أن المعسكرين سيصممان على المواجهة هذه المرَّة ولكنهما لن يتقابلا. فسيغنيهما الرب عن مقابلة بعضهما، إذ سيقابلهما ويقاتلهما ويلاشيهما بنفسه عن وجه الأرض. فمن المدهش أن النِّبوة تثبت أن المعسكرين الخطرين بعد اختطاف الكنيسة لن يصطدما، بل سيصدمهما الرب ويصرعهما!
على أن قادة هذين المعسكرين المتعاديين لا يعلمون شيئًا عمن سيبغتون بملاقاته، ذاك الذي سيكون ظهوره لهم من السماء بضربات قضائه الخاطفة، ملاشيًا لهم من الأرض ملاشاة كلية «فيخرج الرب ويحارب تلك الأمم كما في يوم حربه يوم قتال» (زكريا 3:14).
الجام السادس ـ هجوم ملك الشمال لهلاكه

«ثم سكب الملاك السادس جامه على النهر الكبير الفرات فنشف ماؤه لكي يعد طريق الملوك الذين من مشرق الشمس» (رؤيا 12:16).
إن الجامات أبعد من أن تكون قاصرة على الوحش وأتباعه الذين هم الأعداء الرئيسيين لإسرائيل أى لأتقيائه، كما هم أكثر الأعداء جرأة في تحدي الله في وقت النهاية. ومع ذلك فهناك مقاومون آخرون له غير هؤلاء الذين من الإمبراطورية الغربية الجديدة المقامة من الموت. فمن الواضح أن ملك الشمال سيكون مقاومًا ومضادًا للملك في أرض إسرائيل ”الملك“ الذي سيكون نائب الوحش في اليهودية (دانيال 36:11). وملك الشمال أيضًا ولو أنه سيكون قويًا ولكن «ليس بقوته» (دانيال 24:8). إذ سيكون في الواقع من خلفه وظهرًا له، رئيس جبار الذي في (حزقيال 38و39) يأتي إلى المشهد بكيفية واضحة كرأس لعدة أمم شرقية جوج أرض ماجوج، رئيس روش، ماشك، وتوبال. وفي حلف معه تكون فارس، وكوش وقوط مع بيت توجرمة ”وهى أرمينيا“. وكما مر بنا في الكلام عن البوق السادس أن ماجوج هو الجِد الأصلي للروس، وروش هى روسيا. وماشك وتوبال هما موسكو وتوبلسك. وفارس أو إيران وأرمينيا وبلغاريا ورومانيا ويوجوسلافيا أو البلقان الذي هو بلاد اليونان القديمة، باعتبارها من الآن مناطق نفوذ للروس بكيفية مباشرة أو غير مباشرة أمر واضح. وهذا النفوذ في خطر الإمتداد أيضًا لتركيا واليونان يومًا ما فضلاً عن وجوده الحالي في بولاندا وشرق المانيا ومعظم آسيا.
وهذه قوات ستكون خارج حدود الإمبراطورية الرومانية، العتيدة وفي علاقة مضادة لإسرائيل في وقت النهاية. لقد سكب الجام السادس على النهر العظيم الفرات «فتنشف ماؤه لكي يعد طريق الملوك الذين من مشرق الشمس» ونهر الفرات هو مشهد البوق السادس أيضًا. وقد فُتِح لهم الباب على مصراعيه بجفاف مياه النهر الذي كان هو حد الإمبراطورية الرومانية في الزمن القديم، كما وسيكون أخيرًا هو حد دولة إسرائيل القائمة الآن في فلسطين. فما كان في البوق السادس، لم يكن أكثر من هجوم على الإمبراطورية. ولكن في الجام السادس ما هو أكثر من ذلك، تجمع لقتال اليوم العظيم، يوم الله القادر على كل شيء. إذ هو هجوم واحد، في البوق نجد بدايته، وفي الجام نجد بدايته ونهايته. ومن كل ما فات يتبيَّن أن كل قوات الشر الشرقية والغربية ستكون عاملة متجمعة في فلسطين لمواجهة مصيرها المحتوم.
يوجد اتجاهان لنِّبوات العهد القديم من جهة الأمم قل التمييز بينهما. فأنبياء العهد القديم، عدا دانيال، في معظم، إن لم يكن في كل نِّبواتهم، يتكلمون عن خطة ودينونة ”الشعوب“ أو الأمم الواقعة شمال وشرق بلاد إسرائيل، والتي كانت في علاقة مباشرة مع إسرائيل، ولكنها التي يقال عنها دائمًا أنها أعداء إسرائيل ومقاوميه. وهؤلاء هم أشور، ملك الشمال وحلفاؤه من الشعوب. أما الإتحاد الغربي العظيم، أو جزء الإمبراطورية الرومانية العائد إلى الحياة والوجود، لا يتكلم عنه بكيفية مباشرة إلا دانيال الذي هو في الواقع من يكشف عما لهذين التحالفين العظيمين من علاقة مضادة لبعضهما. أما ما يكلمنا عنه العهد الجديد فهو الإمبراطورية الغربية وليس تلك الشعوب الشمالية الشرقية التي تشغل معظم نِّبوات العهد القديم. والسبب في ذلك واضح وهو أن مقاومة ومضادة الله هى ضد ”الوثنيين“ أو ”الشعوب“ الواقعة شمال وشرق وجنوب شعبه في فلسطين، وهم الملاصقون مباشرة لإسرائيل لأنهم محيطون به، والذين منهم تعلم إسرائيل طرقه الشريرة، والذين كرهه كل منهم كراهة مريرة، مزدرين الرب، ومعاونين على مضايقة إسرائيل في كل مناسبة، ممكنة لأنهم كانوا يرغبون في أن يلاشوه من الوجود. وأيضًا مما يملأ العهد القديم، تلك النِّبوات الخاصة بهجوم هذه الشعوب على البلاد ومحاصرتهم لأورشليم وقضاء الرب عليهم قضاء ماحقًا عند مجيئه للدينونة والملك. وأما ما مملأ نِّبوات العهد الجديد فهو الكلام عن الإتحاد الغربي الذي هو في علاقة مباشرة مع الكنيسة والمسيحية، ”التي هى موضوع العهد الجديد، كما أن إسرائيل هو وبلاده موضوع العهد القديم“. في ذلك الإتحاد الأوروبي الذي اضطهد المسيحيَّة مبدئيًا ثم قبلها. وفي النهاية إذ يكون مرتدًا عنها، نجد سلطات وقوات هذا الإتحاد الغربي وقد اتحدت مع ضد المسيح، أى مسيح اليهود الكذاب. وملك الشمال وحلفاؤه يكونون أعداء علنيين لهذا الملك اليهودي المرتد الذي يمارس السلطة الملكية في فلسطين. وهكذا نجد لدينا قسمان هائلان من الأمم. كما نجد في وقت النهاية تجميعًا عسكريًا لكل منهما. فالمعسكر الشمالي الشرقي يشغل العهد القديم، كما يشغل المعسكر الغربي العهد الجديد. المعسكر الأول تحت زعامة وقيادة مضايق وظالم إسرائيل، أشور المستقبل، أو آخر ملك من ملوك الشمال. والثاني تحت زعامة وقيادة الوحش والنبي الكذاب. فبما أنه سيكون هناك معسكران لذلك سيكون لكل منهما موقعًا استراتيجيًا يوجد فيه في فلسطين. وفي تأملنا في هذين المعسكرين في نِّبوات الكتاب لا يصح أن يغيب عن بالنا هذا الفارق المميّز لكل منهما. فالمعسكر الذي تحت قيادة الوحش هو في علاقة صداقة مع مرتدي اليهود ومدينتهم، وقائدهم المرتد سيكون حليف الوحش ومتحدًا به. أما المعسكر الشرقي فسيكون ضدًا بوحشية وافتراس لليهود وزعيمهم الكاذب الذي عليه ستكون حملة هذا المعسكر.
وادي يهوشافاط هو مقر المعسكر الشرقي فب فلسطين

أما الموضع الذي ستتجمع فيه جيوش وجحافل المعسكر الشرقي في فلسطين بعد عودتهم من شمال أفريقيا، فسيكون هو وادي يهوشافاط. وهو يقع بالضبط خارج أورشليم عند سفح جبل الزيتون «لأنه هوذا في تلك الأيام، وفي ذلك الوقت، عندما أرد سبي يهوذا وأورشليم. أجمع كل الأمم وأنزلهم إلى وادي يهوشافاط وأحاكمهم هناك على شعبي وميراثي إسرائيل الذين بددوهم بين الأمم وقسموا أرضي، وألقوا قرعة على شعبي وأعطوا الصبي بزانية وباعوا البنت بخمر ليشربوا» (يوئيل 1:3ـ3) «هوذا يوم للرب يأتي فيقسم سلبك في وسطك. وأجمع كل الأمم على أورشليم للمحاربة فتؤخذ المدينة وتنهب البيوت وتفضح النساء ويخرج نصف المدينة إلى السبي وبقية الشعب لا ينقطع من المدينة. فيخرج الرب ويحارب تلك الأمم كما في يوم حربه يوم القتال. وتقف قدماه في ذلك اليوم على جبل الزيتون الذي قدام أورشليم من الشرق فينشق جبل الزيتون من وسطه نحو الشرق ونحو الغرب واديًا عظيمًا جدًا وينتقل نصف الجبل نحو الشمال ونصفه نحو الجنوب» (زكريا 1:14ـ4) «وينصب فسطاطه بين البحور» أى البحرين، البحر الميت والبحر الأبيض «وجبل بهاء القدس» (دانيال 45:11) أى في القسم الشرقي من الوادي. ويسمى هذا القسم ”وادي يهوشافاط“ أو وادي قضاء الله. «تنهض وتصعد الأمم إلى وادي يهوشافاط لأني هناك أجلس لأحاكم جميع الأمم من كل ناحية» (يوئيل 12:3).
وادي هرمجدون هو مقر المعسكر الغربي في فلسطين

أما جحافل المعسكر الغربي فسيكون موضعها في فلسطين هو وادي هرمجدون «فجمعهم إلى الموضع الذي يدعى بالعبرانية هرمجدون» (رؤيا 16:16) وهرمجدون هذا قد تحقق أنه سهل أسدريلون، الذي يقطع الطريق الذي يجتاز فلسطين من الشمال إلى الجنوب. وطرف هذا السهل المشهور من ناحية البحر الأبيض يمتد من حيفا جنوبًا إلى عكا شمالاً. فهو واحد مع وادي يهوشافاط. فقط يهوشافاط من الشرق عند أورشليم حيث تعسكر جحافل الشرق محاصرة المدينة، وهرمجدون من الغرب حيث تستخدم موانئه كحيفا ويافا وتل أبيب لأجل رسو قطع الأسطول الإمبراطوري الرهيب لإنزال الجيوش الأوروبية والمستعمرات التابعة لها بمعداتها الحربية إلى البر، معداتها الخفيفة والثقيلة، البرية والجوية، السرية والعلنية.
ويذكرنا هرمجدون هذا بوادي نهر مجدو التاريخي، حيث انكسر فيه جيش ”يابين“ ملك كنعان شر كسرة على يدي ”باراق ودبورة“ (قضاة 10:4ـ24) وحيث قيل: «جاء ملوك. حاربو. حينئذ حارب ملوك كنعان في تعنك على مياه مجدو. بضع فضة لم يأخذوا. من السموات حاربوا. الكواكب من حبكها حاربت سيسرا. نهر قيشون جرفهم. نهر وقائع نهر قيشون. دوسي يا نفسي بعزّ» (قضاة 19:5ـ21). وواضح أن هذا رمز عجيب إلى الموقعة العظيمة المستقبلة، حين ينزل الرب من السماء لخلاص شعبه وإبادة أعدائه وإقامة حكومته المجيدة. «فجمعهم إلى الموضع الذي يُدعى بالعبرانية هرمجدون» وهرمجدون معناه «جبل الذبح». ولكننا نقرأ في العهد القديم عن «مجدو» أنه واديًا وليس جبلاً. وسواء كانت تشير إلى هرمجدون أو لا تشير فعبارة ”هرمجدون“ مساوية لعبارة ”جبل الذبح“، أى جبل الجثث المكدسة. فلهذا المصير الذي يجهلونه قد تجمعوا. ونفس كلمة ”مجدو“ القديمة معناها ”موضع الجيوش“. وفي هذا الصدد تأتي عبارة تحذير لابد منها، ولا حاجة لنا أن نبيَّن المتكلم بها لأنه معروف لنا: «ها أنا آتي كلص. طوبى لمن يسهر ويحفظ ثيابه لئلا يمشي عريانًا فيروا عورته». إن مجيء المسيح كلص، هو للعالم لأنه «في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان». «طوبى لمن يسهر» هو تحذير خطير للمهمل العديم الإنتباه كما هو واضح من الكلمات الختامية. فمن هو مستعد للسمع في وقتنا الحاضر؟ على أن حال فقد أسمعت الحكمة الإلهية صوتها. ولن يخرج شخص ليلاقي هلاك العصاة دون أن يحذره الله. وجميل من جانب الله تحذير الرحمة هذا، في مثل هذه المناسبة، سواء تحذر الإنسان أو لم يتحذر. ولكن سيكون الهلاك مرعبًا بنسبة عدم المبالاة بالتحذير.
تأثير الثلاثة الأرواح النجسة

«ورأيت من فم التنين ومن فم الوحش ومن فم النبي الكذاب ثلاثة أرواح نجسة شبه ضفادع. فأنهم أرواح شياطين صانعة آيات تخرج على ملوك العالم وكل المسكونة لتجمعهم لقتال ذلك اليوم العظيم يوم الله القادر على كل شيء. ها أنا آتي كلص. طوبى لمن يسهر ويحفظ ثيابه فلا يمشي عريانًا فيروا عريته. فجمعهم إلى الموضع الذي يُدعى بالعبرانية هرمجدون» (رؤيا 13:16ـ16).
الضفادع مخلوقات المدر أى الطين اللزج، ليلية كثيرة الصياح، ضعيفة ولكنها سليطة. فما أرخصها وما أقل قيمتها. خطباء تتمكن رغم ذلك من جمع البشر ليقوموا بأخطر الأعمال! وهؤلاء المتجمعون ما أقل ما عرفوا عمن خرجوا للقائه. ولكن هذا هو تاريخ البشر معلن في صفته الحقيقية. إن الصليب كشفه لنا من جانب، ومعركة الأيام الأخيرة هذه ترينا إياه من الجانب الآخر. لقد كشف الستار عن حقيقة العالم، وظهر هنا أية المؤثرات هى التي تؤثر عليهم وتحملهم. فهى «التنين» صاحب روح الحكمة «الأرضية النفسانية الشيطانية» (يعقوب 15:3). و ”الوحش“ صاحب نفوذ السلطة التي إذ هى مرتدة عن الله، صار صاحبها كأنه حيوان أو وحش «أنسان في كرامة ولا يفهم يشبه البهائم التي تباد» (مزمور 20:49). ”والنبي الكذاب“ صاحب وحيَّ الآمال التي ليست من الله. وهكذا، تحت هذه المؤثرات، تجمعت الأمم في أرض الرب. فالمباديء المضادة لبعضها والأغراض المضادة لبعضها تستدعى أصحابها للنزال والمبارزة. ولكن الرب هو الذي سيقضي على الطرفين.
ولزيادة الإيضاح نقول: أن هذه الأرواح النجسة هى قوة شيطانية عاملة في المباديء الآتية:
المبدأ الأول: الروح الخارج من فم التنين ـ وهو الحيَّة القديمة المدعو إبليس والشيطان، ذلك هو التشكك في وجود الله. وهو التعليم الخبيث المنتشر الآن بكل تبجح بين الذين يدعون العلم والمعرفة كعلوم الروحانية والتصوّف التي تعلم أن المادة هى علة الكون ولا تعترف بوجود الله مبدع الكون الأعظم. وبالتبعية لا تعترف بالخلود في السماء أو جهنم، ولا بالعقاب الأبدي ولا بموت المسيح الكفاري ولا بالفداء ولا بالقيامة. وهى التي تسوى بين شخص المسيح المبارك بشخص مهاتما أو بوذا أو كونفوشيوس!. بل تجرؤ بالتصريح أن بوذا أكبر منه شأنًا إذ سبقه في التاريخ بأكثر من ستمائة سنة!. بل يتجاسرون بالقول أن المسيح له المجد اقتبس تعاليمه ممن سبقوه!! وهذا هو زفير الشيطان الذي يسمى بكل قوته في نفثه بين البشر «ولكن الروح يقول صريحًا أنه في الأزمنة الأخيرة يرتد قوم عن الإيمان تابعين أرواحًا مضلة وتعاليم شياطين في رياء أقوال كاذبة موسومة ضمائرهم» (تيموثاوس الثانية 1:4ـ2).
المبدأ الثاني: الروح الخارج من فم الوحش ـ والوحش هو الممثل للسلطة الأممية والحكم. وهذا الروح هو تأليه القوة والاعتزاز بالعلوم والمخترعات المخربة وبالعلم الكاذب الذي يقود إلى الكفر والفوضى والتحزب للمباديء الهدامة السياسية، كما نرى بين ظهرانينا ما يسمى الآن بالديموقراطية والأتوقراطية والاشتراكية والشيوعية وغيرها من المذاهب الفوّضوية والإباحية. وكل هذه السياسات المتناقضة، ستكون الوسائط التي يستعين بها الشيطان أبو الكذابين لجمع الكتل العديدة من البشر لمعركة ذلك اليوم العظيم، يوم الدينونة الأخير.ولذا فإن انتشار هذه الموجات الجارفة مصحوبًا بالكفر العلني بوجود الله وإنكار كل ما له علاقة بالله، فانه علامة ظاهرة بأن الوقت أصبح قريبًا جدًا لتهيئة الطريق لمجيء الرب الذي قال: «ولكن متى جاء ابن الإنسان ألعله يجد الإيمان على الأرض؟» (لوقا 8:18).
المبدأ الثالث: الروح الخارج من فم النبي الكذاب ـ وهى الأنظمة الدينية الكاذبة التي يبشر بها أضداد المسيح. فتعم الإصنامية ومذاهبها المتعددة الأشكال والمراسيم، وتزداد انتشارًا بسرعة عجيبة وينقاد لها العالم انقيادًا أعمى.
ولاشك أن التجاديف العلنية والرجاسات الظاهرة والعبادة الأصنامية السافرة، هى من عمل ضد المسيح «الذي مجيئه بعمل الشيطان بكل قوة وبآيات وعجائب كاذبة وبكل خديعة الإثم في الهالكين. لإنهم لم يقبلوا محبة الحق حتى يخلصوا» (تسانوليكي الثانية 9:2و10). «ولكن الناس الأشرار المزوّرين سيتقدمون إلى أردأ مُضِلين ومُضَلين» (تيموثاوس الثانية 13:3) ويقول الرسول يوحنا «أيها الأولاد هى الساعة الأخيرة. وكما سمعتم أن ضد المسيح يأتي. قد صار الآن أضداد للمسيح كثيرون. ومن هنا نعلم أنها الساعة الأخيرة» (يوحنا الأولى 18:2) فهذه الحالات المحزنة التي نلمسها كل يوم وكل ساعة ترشدنا بأكثر وضوح عن قرب النهاية.
إستغاثة الأمناء أيضًا من شرور ملك الشمال
يُشار إلى حملة المعسكر الشرقي على فلسطين وتخريبه للبلاد ومقاومته لعبادة الله وتجديفه على الله واضطهاده لأتقيائه، بحملة جيش سنحاريب ملك أشور قديمًا سنة 705 ق.م، إذ أخذ مدن يهوذا المحصنة وحاصر أورشليم، وكان قائده ربشاقي يجدف على الله ويُعَيِّر حزقيا ملك يهوذا، الذي التجأ إلى الرب ونشر أمامه الرسائل في الهيكل وجاءه الجواب على يدي إشعياء النبي، رمزًا للبقية التقية «وضرب ملاك الرب من جيش أشور مئة ألف وخمسة وثمانين ألفًا ولما بكروا صباحًا إذا هم جميعًا جثث ميتة» (ملوك الثاني 13:18ـ19و20، إشعياء 1:36ـ37، إشعياء 36).
روح التضرعات للانقاذ
وكما سلك حزقيا قديمًا بالتذلل والصلاة، هكذا ستتعالى صلوات الأمناء المضطهدين وتوسلاتهم إلى الله لينقذهم من أعدائهم الذين في الداخل والذين في الخارج.
«اللهم إن الأمم قد دخلوا ميراثك. نجسوا هيكل قدسك. جعلوا أورشليم أكوامًا دفعوا جثث عبيدك طعامًا لطيور السماء. لحم أتقيائك لوحوش الأرض. سفكوا دمهم كالماء حول أورشليم وليس من يدفن. صِرنا عارًا عند جيراننا وهزء وسخرة للذين حولنا. إلى متى يا رب تغضب كل الغضب. وتتقد كالنار غيرتك؟ أفض رجزك على الأمم الذين لا يعرفونك. وعلى الممالك التي لم تدع باسمك. لأنهم قد أكلوا يعقوب وأخربوا مسكنه» (مزمور 1:79ـ7). «يا إله النقمات يا رب يا إله النقمات أشرق. ارتفع يا ديان الأرض. جاز صنيع المستكبرين. حتى متى الخطاة يا رب. حتى متى الخطاة يشمتون؟ يبقون يتكلمون بوقاحة كل فاعلي الإثم يفتخرون. يسحقون شعبك يا رب ويذلون ميراثك. يقتلون الأرملة والغريب. ويميتون اليتيم. ويقولون الرب لا يبصر وإله يعقوب لا يلاحظ… الرب يعرف أفكار الإنسان أنها باطلة. طوبى للرجل الذي تؤدبه يا رب وتعلمه من شريعتك. لتريحه من أيام الشر حتى تحفر للشرير حفرة. لأن الرب لا يرفض شعبه ولا يترك ميراثه… من يقوم لي على المسيئين. من يقف لي ضد فعلة الإثم؟ لولا أن الرب معيني لسكنت نفسي سريعًا أرض السكوت. إذ قلت قد زلَّت قدمي فرحمتك يا رب تعضدني» (مزمور 1:94ـ18). «يا رب استمع صلاتي. وليدخل إليك صراخي. لا تحجب وجهك عني في يوم ضيقي. أمل إلىّ أذنك في يوم أدعوك. استجب لي سريعًا. لأن أيامي قد فنيَّت في دخان. وعظامي مثل وقيد قد يبست. ملفوح كالعشب ويابس قلبي. حتى سهوت عن أكل خبزي. من صوت تنهدي لصق عظمي بلحمي. أشبهت قوق البرية. صرت مثل بومة الخرب. سهدت وصرت كعصفور منفرد على السطح. اليوم كله عيَّرني أعدائي. الحنقون علىَّ حلفوا علىَّ. إني قد أكلت الرماد مثل الخبز. ومزجَّت شرابي بدموع بسبب غضبك وسخطك لأنك حملتني وطرحتني. أيامي كظل مائل وأنا مثل العشب يبست. أما أنت يا رب فإلى الدهر جالس. وذِكرك إلى دور فدور. أنت تقوم وترحم صهيون لأنه وقت الرأفة لأنه جاء الميعاد. لأن عبيدك قد سروا بحجارتها وحنوا إلى ترابها» (مزمور 1:102ـ14). «يا رب إله خلاصي بالنهار والليل صرخت أمامك. فلتأتِ قدامك صلاتي. أمل أذنك إلى صراخي. لأنه قد شبعت من المصائب نفسي. وحياتي إلى الهاوية دنت. حُسِبت مثل المنحدرين إلى الجب. صرت كرجل لا قوة له. بين الأموات فراشي مثل القتلى المضطجعين في القبر. الذين لا تذكرهم بعد وهم من يدك انقطعوا. وضعتني في الجب الأسفل في ظلمات في أعماق. علىَّ استقر غضبك وبكل تياراتك ذللتني. أبعدت عني معارفي. جعلتني رجسًا لهم. أغلق علىَّ فما أخرج. عينىّ ذابت من الذل. دعوتك يا رب كل يوم. بسطت إليك يدىَّ» (مزمور 1:88ـ9). «ارحمني يا الله ارحمني لأنه بك احتمت نفسي. وبظل جناحيك احتمي إلى أن تعبر المصائب. أصرخ إلى الله العلىّ إلى الله المحامي عني. يرسل من السماء ويخلصني. عيَّر الذي يتهممني. يرسل الله رحمته وحقه. نفسي بين الأشبال. أضطجع بين المتقدين بني آدم أسنانهم أسنة وسهام. ولسانهم سيف ماضٍ… هيأوا شبكة لخطواتي. انحنّت نفسي. حفروا قدامي حفرة. سقطوا في وسطها» (مزمور 1:57ـ6) أنقذني من أعدائي يا إلهي. من مقاومي أحمني. نجني من فاعلي الإثم ومن رجال الدماء خلصني. لأنهم يكمنون لنفسي، الأقوياء يجتمعون علىَّ لا لإثمي ولا لخطيتي يا رب. بلا إثم مني يجرون ويعدون أنفسهم. استيقظ إلى لقائي وأنظر. وأنت يا رب إله لجنود إله إسرائيل انتبه لتطالب كل الأمم. كل غادر أثيم لا ترحم. يعودون عند المساء يهرون مثل الكلب ويدورون في المدينة. هوذا يبقون بأفواههم سيوف في شفاههم. لأنهم يقولون من سامع. أما أنت يا رب فتضحك بهم. تستهزيء بجميع الأمم. من قوّته إليك ألتجيء لأن الله ملجأي. إلهي رحمته تتقدمني. الله يريني بأعدائي. لا تقتلهم لئلا ينسى شعبي تيههم بقوتك وأهبطهم يا رب ترسنا. خطية أفواههم هى كلام شفاههم. وليؤخذوا بكبريائهم ومن اللعنة ومن الكذب الذي يحدثون به. أفن بحنق أفن ولا يكونوا. وليعلموا أن الله متسلط في يعقوب إلى أقاصي الأرض. ويعودون عند المساء. يهرون مثل الكلب ويدورون في المدينة. هم يتيهون للأكل. إن لم يشبعوا ويبيتوا. أما أنا فأغني بقوتك. وأرنم بالغداة برحمتك لأنك كنت ملجأ لي ومناصًا في يوم ضيقي. يا قوتي لك أرنم لأن الله ملجأي إله رحمتي» (مزمور 1:59ـ17). «ليتك تشق السموات وتنزل. من حضرتك تتزلزل الجبال كما تشعل النار الهشيم وتجعل النار المياه تغلي. لتعرَّف أعداءك اسمك لترتعد الأمم من حضرتك. حين صنعت مخاوف لم تنتظرها نزلت تزلزلت الجبال من حضرتك. ومنذ الأزل لم يسمعوا ولم يصغوا. لم تر عين إلهًا غيرك يصنع لمن ينتظره. تلاقي الفرح الصانع البر. الذين يذكرونك في طرقك. ها أنت سخطت إذ أخطأنا. هى إلى الأبد فتخلص. وقد صرنا كلنا كنجس وكثوب عدة كل أعمال برنا وقد ذبلنا كورقة وآثامنا كريح تحملنا. وليس من يدعو باسمك أو يتنبه ليتمسك بك لأنك حجبت وجهك عنا وأذبتنا بسبب آثامنا. والآن يا رب أنت أبونا. نحن الطين وأنت جابلنا وكلنا عمل يديك. لا تسخط كل السخط يا رب ولا تذكر الإثم إلى الأبد. ها أنظر. شعبك كلنا. مدن قدسك صارت برية. صهيون صارت برية وأورشليم موحشة. بيت قدسنا وجمالنا حيث سبحك آباؤنا قد صار حريق نار. وكل مشتهياتنا صارت خرابًا. ألأجل هذه تتجلد يا رب. أتسكت وتذلنا كل الذل»؟ (إشعياء 1:64ـ12).
إستجابة الرب لصراخ أتقيائه
تلقاء تضرعات المضطهدين داخل أورشليم وصراخ الأمناء، يتنازل الرب إليهم بالمعونة ويطمئنهم بالقول: «هل تسلب من الجبار غنيمة وهل يفلت سبي المنصور؟ فإنه هكذا قال الرب: حتى سبي الجبار يسلب وغنيمة العاتي تفلت. وأنا أخاصم مخاصمك وأخلص أولادك وأطعم ظالميك لحم أنفسهم ويسكرون بدمهم كما من سلاف فيعلم كل بشر إني أنا الرب مخلصك وفاديك عزيز يعقوب» (إشعياء 24:49ـ26).
«هلم يا شعبي أدخل مخادعك وأغلق بابك خلفك. اختبيء نحو لحيظة حتى يعبر الغضب. لأنه هوذا الرب يخرج من مكانه ليعاقب إثم سكان الأرض فيهم فتكشف الأرض دماءها ولا تغطي قتلاها فيما بعد» (إشعياء 20:26و21).

النِّبوات على أشور قديمًا رمز إلى حملة المعسكر الشرقي أخيرًا
«ولكن هكذا يقول السيد رب الجنود لا تخف من أشور يا شعبي الساكن في صهيون. يضربك بالقضيب ويرفع عصاه عليك على أسلوب مصر. لأنه بعد قليل جدًا يتم السخط وغضبي في أبادتهم» (إشعياء 24:10و25) «ويكون هذا سلامًا. إذا دخل أشور في أرضنا وإذا داس في قصورنا نقيم عليه سبعة رعاة وثمانية من أمراء الناس. فيرعون أرض أشور بالسيف وأرض نمرود في أبوابها فنُنقَذ من أشور إذا دخل أرضنا وإذا داس تخومنا» (ميخا 5:5و6). «فيكون متى أكمل السيد كل عمله بجبل صهيون وبأورشليم أني أعاقب ثمر عظمة قلب ملك أشور وفخر رفعة عينيه. لأنه قال بقدرة يدي صنعت وبحكمتي. لأني فهيم. ونقلت تخوم شعوب ونهبت ذخائرهم وحططت الملوك كبطل» (إشعياء 12:10و13). «ويل لك أيها المخرب وأنت لم تخرب وأيها الناهب ولم ينهبوك. حين تنتهي من التخريب تخرب وحين تفرغ من النهب ينهبوك» (إشعياء 1:33).


الفصل الثامن
البوق السابع أو الويل الثالث
المناداة بممالك العالم ملكًا للرب
«اسألني فأعطيك الأمم ميراثًا لك وأقاصي الأرض ملكًا لك. تحطمهم بقضيب من حديد مثل إناء خزاف تكسرهم»
(مزمور 8:2و9).
«ثم بوّق الملاك السابع فحدثت أصوات عظيمة في السماء» هى أصوات كل من في السماء، «قائلة: قد صارت ممالك العالم لربنا ومسيحه» وهذه لغة المزمور الثاني عن الآب وابنه باعتبار الآب آخذًا مركز السيد صاحب الملك الضائع، والإبن آخذًا مركز آدم الأخير، أو العبد الثاني لهذا السيد، ليرد له المُلك الذي أضاعه عبده الأول آدم، «فسيملك إلى أبد الآبدين» لا يقول فسيملكان بل سيملك «لأن الآب والإبن واحد» (يوحنا 30:10) كما قال الإبن نفسه رغم المركز الرسمي الذي يأخذه كل منهما لتتميم الخلاص أو رد المُلك. «والأربعة والعشرون شيخًا» وهم كل القديسين السماويين، وقد انضم إليهم شهداء الضيقة الممثلين في الشاهدين، «الجالسون أمام الله على عروشهم خروا على وجوههم وسجدوا لله قائلين: نشكرك، أيها الرب الإله» اسم الله في علاقته بالإنسان الساقط في غنى النعمة (تكوين 3) «القادر على كل شيء» وهو اسمه الذي عُرف به للآباء بأزاء عجزهم أمام سكان فلسطين الذين تغربوا بينهم (تكوين 17) «الكائن والذي كان والذي يأتي» وهو اسمه اذي قدَّم به نفسه كالسرمدي الدائم الوجود للأمة الإسرائيلية كأمة دائمة الوجود على الأرض، ووجودها مرتبط بوجوده (خروج 3) «لأنك أخذت قدرتك العظيمة وملكت» فملك المسيح يقوم، ليس بالنعمة كما في أمر خلاص النفس، بل بالقدرة العظيمة التي تسحق البشر الذين وضعوا يدهم على أرضه وملكه في إسرائيل ولا يريدون أن يسلموه له. لذلك سيأخذه منهم عنوة. «وغضبت الأمم» بسبب مطالبته بأرضه وملكه على يد أتقياء إسرائيل وفي مقدمتهم الشاهدين «فأتى غضبك» الذي طالما أخرته التماسًا لتوبة هؤلاء الأردياء الأحياء على وجه الأرض فلما لم يتوبوا، أتيت به عليهم مؤخرًا ومذخرًا «وزمان الأموات ليدانوا» في دورهم. لأن الرب يفتتح الملك بإدانة الأحياء (متى 25) كما سيأتي، ويختتمه بإدانة الأموات (رؤيا 20) فهو «العتيد أن يدين الأحياء والأموات عند ظهوره وملكوته» (تيموثاوس الثانية 1:4) «ولتعطي الأجرة» في الملك «لعبيدك الأنبياء» كالشاهدين وأمثالهما ممن كان معهما ومثلهما في النِّبوة والشهادة سواء كانوا محليين في أورشليم كالشاهدين أو متجولين في كل مدن إسرائيل أو في كل الأمم على ما سبق وبيَّننا. «والقديسين» سماويين وأرضيين، والأرضيين من يهود وأمم «والخائفين إسمك الصغار والكبار ولتهلك الذين كانوا يهلكون الأرض» أى الوحش والنبي الكذاب وملك الشمال وكل أتباعهم من عسكريين ومدنيين. «وانفتح هيكل الله في السماء وظهر تابوت عهده في هيكله»، مما يدل على أن الأمور سائرة في طريق أخذ الرب للمُلك لرده لإسرائيل حسب ثابت صفات قدسه وثابت وثيق عهده لهم. «وحدثت بروق وأصوات ورعود وزلزلة وبَرد عظيم» (رؤيا 15:11ـ19)، مما يدل على أن وسائل أخذ المُلك هى وسائل الدينونة والعنف.
الجام السابع ـ زوال ممالك العالم وعواصمه
«ثم سكب الملاك السابع جامه على الهواء فخرج صوت عظيم من هيكل السماء، من العرش قائلاً: قد تم. فحدثت أصوات ورعود وبروق. وحدثت زلزلة عظيمة لم يحدث مثلها منذ صار الناس على الأرض، زلزلة بمقدارها عظيمة هكذا. وصارت المدينة العظيمة ثلاثة أقسام. ومدن الأمم سقطت. وبابل العظيمة ذكرت أمام الله ليعطيها كأس خمر سخط غضبه. وكل جزيرة هربت، وجبال لم توجد. وبرد عظيم نحو ثقل وزنة نزل من السماء على الناس فجدف الناس على الله من ضربة البَرد لأن ضربته عظيمة جدًا» (رؤيا 17:16ـ21).
سكب هذا الجام على الهواء. والشيطان هو «رئيس سلطان الهواء» (أفسس 2:2) وإذا بكل دائرة سلطان الشيطان، أو الأرض بجملتها أو هيئة هذا العالم برمتها بعد سكب الجام، قد اهتزت وتزعزعت. وإذا بصوت أيضًا ينطلق من الهيكل قائلاً قد تم. والأصوات والبروق والرعود ليست مجرد نتيجة نوء طبيعي بل هى أيضًا دينونة قيادها في يد الله. ثم أن زلزلة فريدة في نوعها قد حدثت. والمدينة العظيمة هى أورشليم وتسمى عظيمة في كل زمان عبادة الوحش فيها لأن الوحش سينتقل إليها عظمة روما الدينية، لكن لعبادته هو، كما سينتقل إليها نوع عظمتها العمرانية (رؤيا 8:11) على حد قول نبوخذ نصَّر على مدينته «أليست هذه بابل العظيمة التي بنيتها لبيت الملك بقوة اقتداري ولجلال مجدي؟» (دانيال 40:4). هذه المدينة العظيمة ستمزقها الهزة الأرضية العنيفة إلى ثلاث قطع. ثم تذكر روما كمن اختصها الله بأكبر قسط من هذا الدمار لتاريخها الطويل فى الإثم والإجرام. ”وبابل العظيمة“ بابل العالم المسيحى أو التى سبت الكنيسة، سبت الشعب السماوى وليس الأرضى، وأعنى بها روما «ذكرت أمام الله ليعطيها كأس خمر سخط غضبه». بعد البوق السابع نقرأ عن إعلان سقوطها «ثم تبعه ملاك آخر قائلاً: سقطت سقطت بابل المدينة العظيمة لأنها سقت جميع الأمم من خمر غضب زناها» ( رؤيا 14: 8 ) وخمر غضب زناها يعنى خمر هياج زناها أو خمر زناها الذى أهاج الله عليها بالغضب. قيل عن بابل الكلدانيين القديمة الرمزية «بابل كأس ذهب بيّد الرب تسكر كل الأرض، من خمرها شربت الشعوب. من أجل ذلك جنت الشعوب» ( إرميا51: 7) . ولكنه لم يقل «خمر غضب زناها» كما قيل عن بابل التى أوقعت العالم المسيحى فى أسرها، بابل المرموز إليها أى روما. مما يدل على أن بابل هذه ليست مجرد سلطة سياسية تخرب الممالك سياسيًا كالقديمة، بل هى سلطة روحية تخرب العالم روحيًا وتحول دون عمرانه الروحى ودون تحرره من نيرها عليه. فالتى اعترفت أنها للمسيح أسلمت نفسها للعالم لأجل التمتع بالسلطان عليه. وقد ألهبت الأمم وأهاجتها بمبادىء غير مقدسة ودنسة أثرّت فى عواطف الناس السهلة التأثر والثوران. وهذا فى الواقع ما نراه فى روما. فبمثل هذه الوسائل كسبت السلطة واستبقتها فى يدها. وهى لا تزال قابضة عليها بمثل هذه الوسائل بعد قرون تقلبات. ولكن قد آن الأوان الذى فيه يخذلها هؤلاء الناس طارحين نيرها عن أعناقهم فى رفضهم للدين جملة. ثم فى تحولهم لعبادة الإمبراطور وممثليه بدل عبادتهم للبابا وممثليه. فقد سقطت بابل. سقطت سقوطًا نهائيًا لأن هذا السقوط هو دينونة الله عليها. فهو حكم جزائى من أجل قرون فسادها. ولا يخفى أن هذا القضاء هو من ضمن البشارة الأبدية التي تطالب بالأرض لله وتنادي بعتقها من المضايقين. ولكن بعد البوق السابع لنا مجرد النطق بالحكم، أما في الجام السابع فلنا تنفيذه بتجريد روما لا من مجرد سلطتها الروحية، الأمر الذي تم تاريخنا قبل هذه الحوادث حسب منطوق الإصحاح السابع عشر من سفر الرؤيا، بل لنا تنفيذه أيضًا بتدميرها هى نفسها، وملاشاتها من الوجود في زمان الجام السابع على ما سيجيء وصفه بحسب منطوق الإصحاح الثامن عشر من الرؤيا. وعلى قياس سقوطها أو دمارها وهلاكها أبديًا، ستسقط أيضًا كل مدن العالم الكبرى كباريس ولندن وواشنطن ونيويورك وبرلين ومدريد وموسكو وأثينا الخ. «ومدن العالم سقطت». ولو أن سقوط هذه المدن قد يكون بحملة إيدروجينية يحملها المعسكر الشرقي على غرب أوروبا، حملة مصاحبة لحملة حلفائه على الإمبراطورية نفسها في فلسطين. «وكل جزيرة هربت» فحتى الذين يبدون كأنهم في عزلة وحياد، كأنهم لا مع المسيح ولا عليه، لن يفلتوا من القضاء والدمار «كيف ننجو نحن إن أهملنا خلاصًا هذا مقداره؟» (عبرانيين 3:2) لأن المسيح قال: «من ليس معي فهو علىّ ومن لا يجمع معي فهو يفرّق» (متى 30:12). «وجبال لم توجد» فأية قوة مهما كانت عظمتها لابد من أن تذل وتخضع ويندك تعاليها. يقول الرسول عن عمل النعمة في النفوس الآن بالإنجيل: «أسلحة محاربتنا ليست جسدية بل قادرة بالله على هدم حصون، هادمين ظنونًا وكل علو يرتفع ضد معرفة الله ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح، ومستعدين لأن ننتقم على كل عصيان متى كملت طاعتكم» (كورنثوس الثانية 4:10ـ6). ولكن ما لا يتم بهذه النعمة الروحيَّة سيتم بقوة الدينونة الإلهية. «وبَرد عظيم نحو ثقل وزنة نزل من السماء على الناس فجدف الناس على الله من ضربة البرد لأن ضربته عظيمة جدًا» وفي هذا البَرد نرى أثر ابتعاد الله وانصرافه عن البشر ظاهرًا في الدينونة. فمصدر النور والحرارة واحد وهو الشمس. والله كالشمس الروحيَّة هو مصدر الإثنين روحيًا للنفس. فالبَرد يكلمنا بلغة رمزية عن ابتعاد الله، ولكن ينشأ عن ذلك عاصفة دينونة بلا رحمة تخضع الكل عدا قلب الإنسان، بكل أسف، الذي في شدة عذابه وآلامه المبرحة يقرّ بالسلطة الإلهية التي يتألم منها، باقيًا في قساوته وعدم توبته، الذي يشهد لعدالة الدينونة الإلهية ويبرِّر الغضب الإلهي الذي يتسبب في جلبه على نفسه.


إحتراق روما وهلاك سكانها
«وبابل العظيمة ذكرت أمام الله ليعطيها كأس خمر سخط غضبه» (رؤيا 19:16) «لأن خطاياها لحقت السماء وتذكر الله آثامها» (رؤيا 5:18).
إن الأصحاح الثامن عشر من سفر الرؤيا من العدد الرابع إلى الآخر، يعطينا دينونة بابل من الجانب الإلهي، أو زلزلة مدينة روما ذاتها من الوجود وهلاك سكانها هلاكًا أبديًا، كما حصل لسدوم. وهنا تقوم أمامنا مشكلة هى: هل إدانة الله هذه لها، هى غير ما سيعمله الوحش وقرونه بها؟ هنا في الإصحاح الثامن عشر من ع4 الخ حيث ينسب لله أمر القضاء عليها، لا يوجد ذكر للوحش أو قرونه، لا يوجد ذكر لتدخل الإنسان على الإطلاق. فضلاً عن وجود علامات واضحة في إصحاح 18 من ع4 الخ، تدل على ويل آخر أشد هولاً وأعظم مما يمكن ليد الإنسان أن تنتجه. لأنه ويل جهنمي أبدي. وهذه هى الحجة القاطعة المانعة على أن القضاء عليها في إصحاح 18 من ع4 الخ هو عمراني من يد الله لمحوّها عن وجه الأرض، وجهنمي لهلاك سكانها في الجحيم إلى الأبد. أما إصحاح 17 لغاية 3:18 فهو ديني من يد الإنسان لمحو نصرانيتها من الوجود وتحويلها إلى وثنية رسمية علنية. ولكننا سنرجع إلى فحص تلك الحجة الخاصة بهلاك سكان روما هلاكًا أبديًا في الجحيم.
ينزل من السماء ملاك آخر له سلطان عظيم وقد استنارت الأرض بمجده. وللأرض الآن حقًا أن تستنير بنور أو مجد ليس من الأرض. وبابل ينادي عليها أنها سقطت، لا خربت، كما هو موضح مما يلي في الأعداد من 4 الخ. ففي إصحاح 17 لغاية 3:18 سقوطها الديني كقول الرسول «سقطتم من النعمة» (غلاطية 4:5) وقوله عن الذين «سقطوا» هذا السقوط إنه «لا يمكن تجديدهم أيضًا للتوبة» (عبرانيين 6:6). وسقوطها الديني هذا أو ارتدادها عن الديانة المسيحيَّة هو تسليمها لحالة خراب روحي أردأ من الخراب المادي الذي خربته بابل الحرفية القديمة التي سقطت تحته إلى زمان طويل والذي منه على ما يبدو قد استمدت العبارات الأخيرة في الموضوع والتي هى العبارات الأولى في إصحاح 1:18ـ3. فقد قيل عن بابل: «وتصير بابل بهاء الممالك وزينة فخر الكلدانيين كتقليب الله سدوم وعمورة. لا تعمر إلى الأبد… بل تربض هناك وحوش القفر ويملأ البوم بيوتهم وتسكن هناك بنات النعام وترقص هناك معز الوحش، وتصبح بنات آوى في قصورهم والذئاب في هياكل التنعم، ووقتها قريب المجيء وأيامها لا تطول» (إشعياء 19:13ـ22).
وهنا يعن لنا أن نبحث باختصار في الدليل الموجود في إصحاح 18 من ع 4 الخ. على أن الدينونة الإلهية لها هى شيء آخر غير ما يجريه معها الوحش وقرونه، ومتميَّز ومنفصل عنه. فعما سيعمله معها الوحش وقرونه نقرأ: «فهؤلاء سيبغضون الزانية وسيجعلونها خربة وعريانة ويأكلون لحمها ويحرقونها بالنار» (رؤيا 16:17). وهنا نقرأ عما سيعمله الله بها: «وتحترق بالنار، لأن الرب الإله الذي يدينها قوي… وسيبكي وينوح عليها ملوك الأرض … حينما ينظرون دخان حريقها واقفين من بعيد لأجل خوف عذابها» (رؤيا 8:18ـ10). وهكذا سيفعل التجار (ع 11ـ17) وكل بحار (ع 17ـ19). وفي النهاية تقرأ: «ودخانها يصعد إلى أبد الآبدين» (رؤيا 3:19). وليس غير الشاهد الأخير في كل هذه الشواهد، ما يلزمنا على الإعتقاد بأن ما جاء في الإصحاح الثامن عشر من ع 4 الخ، إنما هو دينونة إلهية خاصة خارج نطاق ما يجريه الله من دينونة بواسطة الوحش وقرونه كآلات في يده، حسبما جاء في (إصحاح 17). فقوله: «ودخانها يصعد إلى أبد الآبدين» هو ما يضطرنا للحكم بذلك، لأنه إنما يعيد إلى أذهاننا ما قيل في (إصحاح 14) عمن سيعبدون الوحش والنبي الكذاب حيث تستعمل نفس الكلمات. وهذه ليست دينونة على الأرض بالمرة. فهل يمكن أن يقال عن أية دينونة أرضية «ودخانها يصعد إلى أبد الآيدين»؟ أبدًا. لأن الكلمات المستعملة هذه هى ما ينطبق على الأبدية كل الإنطباق. فما من دينونة أرضية يمكن أن تدوم على هذا النحو ويكون لها هذا الإستمرار. وتقريره أن الذي يصعد إلى أبد الآبدين إنما هو دخانها هى بالذات، يمنع الفكر بأن الإستمرار والدوام هو لنتائج الدينونة ويجله لدينونة المدانين أنفسهم. فالأبدية لا يمكن أن تقر الدينونة في الزمان وتواصلها. ومما يدل على اتصال الدينونة في الأبدية واستمرارها هناك، إننا سوف لا نشاهد صعود دخانها، إلا بعد أن نأخذ مكاننا وسط الجمع الممجد في السماء، الجمع الذي عندما يرى صعود دخان عذابها إلى أبد الآبدين أو في الأبدية التي لاينتهي يتعالى صوته بالهتاف والتهليل. وأليس هذا ما قيل عن سدوم وعمورة والمدن التي حولهما «مكابدة في عقاب نار أبدية» (يهوذا 7) أى بعد احتراق أجسادهم معذبين بالنار، في الزمان على وجه الأرض، استمروا بأرواحهم معذبين بالنار في الأبدية في هاوية العذاب كما يقول بطرس عنهم أيضًا «يحفظ الأثمة إلى يوم الدين معاقبين» (بطرس الثانية 6:2). فلم يكن عقابهم فقط بنار الزمان في سدوم، بل واستمر أيضًا بنار الأبدية (لوقا 23:16و24)، كما سيواصل بعد ذلك في بحيرة النار (رؤيا 10:20).
في (ص 17ـ18 : 3) لا نرى أى تصريح حاسم عن أية دينونة لبابل على الأرض غير التي سيجريها الرأس الأخير للامبراطورية الغربية هو وملوكه. أما في (ص 4:18 الخ)، وهذا ما لا يجب أن ننساه، لا يذكر شيء عن هؤلاء الملوك، بل كل الدينونة المذكورة هنا هى بجملتها من الله. كذا يستفاد من (ص 4:18 الخ) أن موضوعه هو المدينة، مدينة السكان والحكام، وليس المرأة الزانية المرموز بها إلى النظام الكنسي الساقط. أنه لا يمكن التنبير الكثير على هذه الملاحظة، نظرًا لأن الوحدة بين المرأة والمدينة مقررة بكل وضوح في (ص 18:17) بل وعبارات (ص 18) نفسه لغاية (ص 4:19) تفترض أيضًا هذه الوحدة. ومع ذلك فإنه لا توجد بينهما في الواقع وحدة مطلقة، كما أنه ليس من العسير أن نفتكر في ملاشاة النظام الديني دون أن يكون مشتملاً بالمرة على ملاشاة المدينة، كما أنه ليس من السهل أن نفترض أن الرأس الإمبراطوري مع مرؤسيه يلاشي من الوجود العاصمة القديمة لإمبراطوريته. فإذن دينونة بابل الواردة في (إصحاح 18 من ع 4 الخ) هى دينونة إلهية تمامًا وإلهية لا غير، في حين لا ننكر بل نحتم أن دينونتها التي من البشر في (إصحاح 17 لغاية 3:18) هى أيضًا من الله. لأن هذا فكر أقل ما يقال فيه أنه فكر طبيعي وجدير بالاعتبار.
بل أيضًا وبعيدًا عن سفر الرؤيا نجد الكتاب في تمام الإنسجام مع إجراء الله لدينونته الخاصة هذه بدون واسطة بشرية. فالأرض الألفية نفسها لابد وأن تكون لها شهادة لهذا النوع من القضاء الإلهي العادل الأبدي المنظور على المقضي عليهم. ففيها ستكون السماء والجحيم كما لو كانتا ماثلتين أمام أعين الناس وهذا في سبيل تحذيرهم التحذير كله من الغضب الآتي. في الوقت الحاضر يعترض بأنه لا توجد شهادة كافية عليه، ومن ثم لن يترك مجال لمثل هذا الشك في مدة الألف السنة.وعليه يكون السحاب والنار كما في القديم مستقرين على أورشليم كالجناحين الحاميين لها، وبذلك تمثل أمام الأنظار الشهادة للسماء غير امنظورة مدة الألف السنة «يخلق الرب على كل مكان من جبل صهيون وعلى محفلها سحابة نهارًا ودخانًا ولمعان نار ملتهبة ليلاً. لأن على كل مجد غطاء. وتكون مظلة للفيء نهارًا من الحر ولملجأ ولمخبأ من السيل ومن المطر» (إشعياء 5:4و6). ومن جهة أخرى نجد شهادة صريحة علنية في دينونة الله للعاصين، دينونة في كل مدة الألف يجريها الرب بنفسه كرمز للدينونة الأبدية الأعمق تحت الأرض، في الهاوية ثم في البحيرة: «ويكون من هلال إلى هلال، ومن سبت إلى سبت أن كل ذي جسد يأتي ليسجد أمامي، قال الرب، ويخرجون ويرون جثث الناس الذين عصوا علىَّ، لأن دودهم لا يموت ونارهم لا تطفأ ويكونون رذالة لكل ذي جسد» (إشعياء 23:66و24) وتطرح في جهنم النار حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفأ (مرقس 47:9و48).
فضلاً عن ذلك فإن أدوم ستبقى خربة وبابل القديمة أيضًا بما يقرب من معنى ما هو أمامنا خاصًا بروما في أصحاح 18 «وتصير بابل… كتقليب الله سدوم وعمورة. لا تعمر إلى الأبد ولا تسكن إلى دور فدور» (إشعياء 19:13و20) «لأنه قد روى في السموات سيفي. هوّذا على أدوم ينزل، وعلى شعب حرمته للدينونة … لأن للرب يوم انتقام، سنة جزاء من أجل دعوى صهيون. وتتحول أنهارها زفتًا وترابها كبريتًا وتصير أرضها زفتًا مشتعلاً. ليلاً ونهارًا لا نتطفيء. إلى الأبد يصعد دخانها. من دور إلى دور تخرب. إلى أبد الآبدين لا يكون من يجتاز فيها» (إشعياء 5:34ـ10). وكم يوافق هذا روما التي هى قاعدة لسلطان أردأ بما لا يقاس! وكم يليق بها أن يفتقدها الله بهذه الدينونة، إنما بما لها من أبعد المعاني!. ومن قلب النِّبوة ممكن أن تملأ صفحات مما يطابق هذه الدينونة تمام المطابقة. فأية صورة رهيبة للدينونة الأبدية تلك التي تصورها لنا دينونة أدوم الزمنية في يوم الانتقام منها وسنة الجزاء لها!؟ «وتتحول أنهارها زفتًا وترابها كبريتًا وتصير أرضها زفتًا مشتعلاً. ليلاً ونهارًا لا تنطفيء إلى الأبد يصعد دخانها». وكما أن روما هى بابل العظيمة كذلك هى أدوم العظيمة. ولابد أن يتم فيها ما قيل في الإثنين. ويكون من الغريب، وهى أشر منهما، ألا يكون في حالتها جزاء شبيه بجزائهما بل أشد، وانتقام مثيل بالانتقام منهما بل أَمرّ. وقد قال أحد السواح في سنة 1850 ما أثبته بعد ذلك بكيفية عجيبة، كل من زار إيطاليا من ذوي العيون المفتوحة: لقد شاهدت في كل مكان من هذه البلاد الإيطالية، في روما، وبالقرب من روما، وفي كل الإقليم الممتد من روما إلى نابولي، شاهدت ولمست البراهين المفحمة الدالة، لا على مجرد الإمكانية بل والأرجحية، على أن كل منطقة إيطاليا الوسطى ستبيد يومًا بمثل ذه الكارثة النارية ككارثة أدوم، فتربة روما كبريتية قابلة للاشتعال، هذا إلى ما في جوف الأرض من عمل بركاني ماضٍ في طريقه بلا توقف. وعند نابولي يرى الكبريت في درجة الغليان والفوران قريبًا من سطح الأرض. وعندما سحبت عصًا على أديم الأرض، تلا حز العصا في أديم الأرض دخان كبريتي. وليس إقليم العاصمة فقط بل البلاد كلها بركانية. وهى مشبعة بطبقات من الكبريت وبطبقات تدمير وإفناء سفلية. فالبلاد تبدو بالتأكيد كما لو كانت مهيأة للهب كحطب وفحم على موقد معدين لشمعة صغيرة تشعل النار في الموقد لإفنائهما. فيبدو لي أن اليد الإلهية وحدها هى التي تمنع النار عن الإشتعال في روما وكل إيطاليا، وذلك بمعجزة كتلك التي حمى بها المدن التي في السهل إلى أن هرب لوط البار منها إلى الجبال!. هذه الشهادة صادقة وقد أقرها الجميع. ونحن نعتقد أن هلاك روما سيكون على هذا النحو كما هو موضح. وما تدمير مدينتي بومبي وهركولانيوم ودفنتهما تحت الحمم الملتهبة سنة 80 م. وفوران بركان فيزوف القريب من روما، من وقت لآخر وتهديد كل المنطقة، إلا شاهدًا قويًا على صدق هذه الأقوال. وإنه لما يتفق معها على منوال مخيف أن تلك المدينة التي طالما أشعلت النيران في قديسي الله، لابد وأن تكون هكذا هى نفسها نارًا أبدية أثرية دائمة كل مدة الألف، لتذكر الناظرين بالزيارة الرهيبة التي زارها بها الرب للانتقام منها انتقامًا أبديًا، يجعلها هى شعلة مشتعلة ما دامت الأرض الحالية، ويجعل سكانها شعلة مشتعلة إلى الأبد في الهاوية ثم في البحيرة المتقدة بالنار.
وإذ تتلاشى عظمتها العمرانية، تلك التي كانت مفخرة الغرب، سيليها كل الملوك الذين تعلقوا بها والتجار الذين استفادوا منها. «ثم بعد هذا رأيت ملاكًا آخر نازلاً من السماء له سلطان عظيم واستنارت الأرض من بهائه وصرخ بشدة بصوت عظيم قائلاً: سقطت سقطت بابل العظيمة وصارت مسكنًا لشياطين ومحرسًا لكل روح نجس ومحرسًا لكل طائر نجس وممقوت. لأنه من خمر غضب زناها قد شرب جميع الأمم وملوك الأرض زنوا معها وتجار الأرض استغنوا من وفرة نعيمها …لأنها تقول في قلبها أنا جالسة ملكة ولست أرملة ولن أرى حزنًا. من أجل ذلك في يوم واحد ستأتي ضرباتها موت وحزن وجوع وتحترق بالنار. لأن الرب الإله الذي يدينها قوى. وسيبكي وينوح عليها ملوك الأرض الذين زنوا وتنعموا معها حينما ينظرون دخان حريقها، واقفين من بعيد لأجل خوف عذابها قائلين: ويل ويل. المدينة العظيمة، بابل، المدينة القوية، لأنه في ساعة واحدة جاءت دينونتك، ويبكي تجار الأرض وينوحون عليها لأن بضائعهم لا يشتريها أحد فيما بعد … ويقولون: ويل ويل. المدينة العظيمة … لأنه في ساعة واحدة خرب غنى مثل هذا. وكل ربان وكل الجماعة في السفن والملاحون وجميع عُمال البحر وقفوا من بعيد» تفاديًا من الإحتراق بنارها «وصرخوا إذ نظروا دخان حريقها قائلين: أية مدينة مثل المدينة العظيمة؟ وألقوا ترابًا على رؤوسهم وصرخوا باكين ونائحين قائلين: ويل ويل … ورفع ملاك واحد قوى حجرًا كرحى عظيمة ورماه في البحر قالاً: هكذا بدفع سترمى بابل المدينة العظيمة ولن توجد فيما بعد. وصوت الضاربين بالقيثارة والمغنيين والمزمرين والنافخين بالبوق لن يسمع فيك فيما بعد … ونور سراج لن يضيء فيك فيما بعد. وصوت عريس وعروس لن يسمع فيك في ما بعد …» (رؤيا 18). وما فعله هذا الملاك هنا هو الكناية عن خرابها العمراني. أما عن خرابها وسقوطها الديني عن كرسي سيادتها فقد نادى به ملائكة آخرون ذاكرين أمر زناها (رؤيا 8:14، 19:16، 2:17) حتى تم سقوطها وإبادتها.
ويؤيد فكر خراب روما عمرانيًا، أن الملوك الذين مزقوها في ص 17 هم أنفسهم الذين ناحوا عليها في ص 18 قارن (رؤيا 12:17ـ18 مع 9:18و10). مما يدل على أن تخريبها في ص 17، من نوع رغبه الملوك ونفذوه. أما خرابها في ص 18 فهو من نوع آخر لم يكونوا يرغبون فيه ولم يكونوا هم الذين نفذوه بدليل نوحهم عليها في خرابها الأخير، هذا مما يدل على أن خرابها الأول في ص 17 هو من الناحيَّة الدينية، خراب للباباوية والكثلكة ودولة الفاتيكان وكل مظاهرها وادعاءاتها المناوئة لسلطة الملوك. على أن خرابها الثاني هو من الناحيَّة العمرانية والإجتماعية. ويدل على ذلك أيضًا أنه في ص 17 حيث يذكر الخراب الديني، يرمز إلى روما الدينية بالمرأة الزانية رمز الكنيسة المرتدة عن عريسها السماوي والمرفوضة منه. أما في ص 18 حيث يذكر الخراب العمراني، فتذكر روما لا في صورة المرأة الزانية، بل كالمدينة العظيمة الحاكمة العامرة وكذلك تذكر أوجه عمرانها الاجتماعية التي ستخرب وتنتهي. ويؤيد ذلك أيضًا مباينتها بأورشليم السماوية من حيث كونها في الرؤيا امرأة الخروف العفيفة، وفي العبرانيين هى المدينة العامرة الحاكمة التي لن تتزعزع قارن (رؤيا 9:21ـ22 : 5 مع عبرانيين 10:11و16،22:12،14:13).
«وبعد هذا سمعت صوتًا عظيمًا من جمع كثير في السماء قائلاً: هللويا! الخلاص والمجد والكرامة والقدرة للرب إلهنا. لأن أحكامه حق وعادلة إذ دان الزانية العظيمة التي أفسدت الأرض بزناها وانتقم لدم عبيده من يدها. وقالوا ثانية: هللويا! ودخانها يصعد لى أبد الآبدين. وخر الأربعة والعشرون شيخًا والأربعة الحيوانات وسجدوا لله الجالس على العرش قائلين: آمين، هللويا!» (رؤيا 1:19ـ4). وهكذا أخيرًا يرن صوت فرح السماء بسقوط هذه الساحرة الفاتنة. وفي فيض فرحها تتبادل التهاني وتقدم السجود للذي أخربها وأبادها هكذا.
***


الفصل التاسع
مباديء إقامة الملكوت
مجازاة القديسين
«ها أنا آتي سريعًا، وأجرتي معي لأجازي كل واحد كما يكون عمله»
(رؤيا 12:22).
رأينا في الفصل السابق أن البوق السابع والجام السابع هما، بالنسبة للملك على الأرض، نهاية الإنسان وبداية الله. فبينما هما يدكان ممالك العالم فإنهما يبدآن تحويلها إلى المسيح. لأنه بينما تسقط على الأرض ممالك العالم وملوكها وعواصمها، إذا بالمسيح في السماء في ذات اللحظة يقيم قديسيه السماويين ملوكًا على هذه الممالك معيَّنًا لكل منهم دائرة ملكه على الأرض بحسب مبلغ ما كان منه لسيده على الأرض من أمانة في المعيشة والخدمة. فيمثل كل منهم بين يديه ليستعرض الرب ما كان منه بالجسد من الخير والصالحات ليكافئه عليه بالأكاليل ومدن الملك على الأرض. لذلك يقول الرسول «لأنه لابد أننا جميعًا» مؤمنين وخطاة «نُظهر» بحسب حقيقة أمرنا وأعمالنا «أمام كرسي المسيح». المؤمنين في السماء قبل بدء المُلك الألفي ليقسم عليهم الملك بحسب استحقاق كل منهم، والخطاة بعد المُلك الألفي عند احتراق السماء والأرض ليكون لكل منهم نصيبه الذي يستحقه إلى الأبد «لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيرًا كان أم شرًا» (كورنثوس الثانية 10:5). وجزاء الخير هو للمؤمنين في المُلك الألفي، وجزاء الشر هو للأشرار في العذاب الأبدي. لأن المؤمنين عند قيامتهم للحياة يوصفون بأنهم الذين فعلوا الصالحات كما لو لم يكونوا قد فعلوا سيئات قط. لأن المسيح حوسب عليها بالنيابة عنهم على الصليب. «فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة» (يوحنا 29:5) لذلك لا تذكر لهم أمام كرسي المسيح إلا الصالحات ليكافأوا عليها. كما يقول المسيح «لأنك تكافأ في قيامة الأبرار» (لوقا 14:14) وهذا قبل المُلك. أما الأشرار فعند قيامتهم للدينونة بعد المُلك، يوصفون بأنهم الذين فعلوا السيئات كما لو لم يكونوا قد فعلوا صالحات قط. لأن صالحاتهم ليست في نظر الله صالحات لأنها ليست بالله معمولة (يوحنا 21:3).
وفي مثول المؤمنين أمام كرسي المسيح في السماء قبل النزول إلى الأرض للمُلك، سيمتحن أعمالهم له، ولا يجازيهم خيرًا إلا ما يحسبه هو خيرًا. كما يقول الرسول «أنا غرست وأبلوس سقى لكن الله كان ينمي. إذًا ليس الغارس شيئًا ولا الساقي بل الله الذي ينمي. والغارس والساقي هما واحد ولكن كل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه. فإننا نحن عاملان مع الله وأنتم فلاحة الله بناء الله. حسب نعمة الله المعطاة لي كبناء حكيم قد وضعت أساسًا وآخر يبني عليه. ولكن فلينظر كل واحد كيف يبني عليه. فإنه لا يستطيع أحد أن يضع أساسًا آخر غير الذي وُضع الذي هو يسوع المسيح. ولكن إن كان أحد يبني على هذا الأساس ذهبًا فضة حجارة كريمة خشبًا عشبًا قشًا» وهى تشابيه عن قيم الخدم للرب وأعمال الخير والصلاح بحسب وزن وتقدير الرب لها، «فعمل كل واحد سيصير ظاهرًا» في ذاته ونوعه. وهذا يفسر قوّله السالف «لأنه لابد أننا جميعًا نظهر» «فعمل كل واحد سيصير ظاهرًا لأن اليوم» يوم ظهورنا أو انكشاف حقيقة أمورنا أمام كرسي المسيح «لأن اليوم سيبيّنه. لأنه بنار يستعلن» إن كان من المعادن ذات القيمة، المعادن التي لا تحترق، أو إن كان من المواد العديمة القيمة القابلة للاحتراق والفناء. «ستمتحن النار» نار الفحص الإلهي «عمل كل واحد ما هو. إن بقى عمل أحد بناء عليه» أى إن ثبتّت قيمته، «فسيأخذ أجرة، إن احترق عمل أحد» أى لم تثبت قيمته «فسيخسر» أجرته «وأما هو» ذات الشخص «فسيخلص» أى يُعفى من العقوبة لسابقة احتمال المسيح إياها بالنيابة عنه «فسيخلص ولكن كما بنار» أى باعتباره قد تجرد بالنار من كل أعماله إذ لم تكن في حقيقتها للرب. كما حصل في خلاص لوط من سدوم مجردًا من كل ما كان له (كورنثوس الأولى 9:3ـ15).
في هذا الموقف تكون مكافأة المؤمنين الحقيقيين على أعمال إيمانهم على ما هو مبيَّن في مَثَل الإنسان الشريف الجنس الذي هو الرب يسوع الذي «ذهب إلى كورة بعيدة ليأخذ لنفسه ملكًا ويرجع. فدعا عشرة عبيد له» هم المنتمين إليه كسيدهم في العصر المسيحي سواء كان انتماؤهم إليه عن إيمان حقيقي أو إسمي. كمَثل العشر العذارى المكوّنين من خمس حكيمات وخمس جاهلات مع هذا الفارق، إن مَثل العبيد هو لتمثيل الأمانة في العيشة، ومَثل العذارى لتمثيل الأشواق في الانتظار. «وأعطاهم عشرة أمناء» أى لكل منهم منا، على حد سواء، إشارة إلى مركز المسئولية المسيحيَّةلكل من وضع نفسه في مركز عبد للمسيح، مركز المسئولية في الأمانة الذي يستوي فيه الكل. والمنا عملة فضية والفضة رمز الفداء (خروج 11:30ـ16، بطرس الأولى 18:1و19). فهى مسئولية المتاجرة بالأمناء أو الاستفادة من الفداء وإفادة الآخرين به. «وقال لهم: تاجروا حتى آتي … ولما رجع، بعدما أخذ المُلك»، حسبما نودى في البوق السابع بأخذه إياه، «أمر أن يدعى إليه أولئك العبيد الذين أعطاهم الفضة ليعرف بما تاجر كل واحد. فجاء الأول قائلاً: يا سيد، مناك ربح» ينسب الربح لمنا سيده أو ينسب العمل لنعمة الله عليه، «عشرة أمناء» رمز الحد الأعلى في المكسب أو الأمانة للسيد. لأن عدد عشرة هو عدد الوصايا كلها فهو رمز آخر حد للمسئولية ورمز آخر حد في طاقة الإنسان للعمل. وعدد خمسة هو الحد الأدنى لأن عدد خمسة هو عدد أصابع اليد الواحدة وأقل ما يمكن للانسان أن يعمله لأنه عمل اليد الواحدة. وعدد عشرة هو عدد أصابع اليدين ويدل على آخر ما يمكن للانسان عمله لأنه عمل يديه الإثنين. «فقال له: نعما، أيها العبد الصالح» لأن المقصود هنا هو المكافأة على خدمة السيد بصلاح العيشة «لأنك كنت أمينًا في القليل فليكن لك سلطان على عشر مدن» هنا يقسم المسيح الأرض أجرة، الأمر الذي قصد الشيطان أن يسبقه إليه، بما عمله المسيح الكذاب كما جاء في التعليقات على البوق الخامس من حيث أنه كان يقسم الأرض أجرة على من كانوا يعبدونه ويعبدون وحشه وشيطانه فيه (دانيال 39:11) ويسلطهم على كثيرين. «ثم جاء الثاني قائلاً: يا سيد، مناك عمل»، فكلمة عمل مرادفة لكلمة ربح وتفسير لها، «خمسة أمناء. فقال لهذا أيضًا: وكن أنت على خمس مدن». وفي هذين الشخصين نرى العمل ومكافأته من حدهما الأدنى إلى حدهما الأعلى. وبعد ذلك يأتي الرب على ذكر واحد كعيّنة للمؤمنين بالإسم، ونوع معاملته لهم بعد تركهم على الأرض، هذه المعاملة التي تستمر مدة الأسبوع، وتختتم بظهوره وإدانته للباقين منهم، فيقول «ثم جاء آخر قائلاً: يا سيد» إعتراف شفهي كما سيتبيَّن «هوذا مناك الذي كان عندي موضوعًا في منديل» فلم يرده لنفسه وإنما كان يحتفظ به لسيده ليرده إليه بسبب عدم رغبته فيه، كما يقال في سفر أيوب «الذين يقولون لله أبعد عنا وبمعرفة طرقك لا نُسَر» (أيوب 14:21). «لأني كنت أخاف منك» بسبب عدم إيمانه بمحبة الله له في المسيح التي تطرد الخوف إلى خارج (يوحنا الأولى 18:4) «إذ أنت إنسان» جهل وكفر بلاهوته ”صارم“ جهل وكفر بموته في طريق محبته للخطاة لخلاصهم والنظر إليه كواضع شريعة أكثر صرامة من شريعة موسى لأن موسى حرم الفعل أما هو فحرم مجرد الميل. «تأخذ ما لم تضع وتحصد ما لم تزرع» كأنه الناموس. مع أنه بالعكس قال عن نفسه «خرج الزارع ليزرع» (متى 13) وإنما العيب في الأرض التي لم تقبل البذار أو قبلتها سطحيًا أو في قلب غير تائب، غير نقي «فقال له: من فمك أدينك، أيها العبد الشرير» هنا كشف الرب حقيقته «عرفت أني إنسان صارم آخذ ما لم أضع وأحصد ما لم أزرع فلماذا لم تضع فضتي على مائدة الصارفة فكنت متى جئت أستوفيها مع ربًا» شأن المرابي الصارم الذي يحصد ما لم يزرع، «ثم قال للحاضرين، خذوا منه المنا» هذا هو تجريد المسيحيين بالإسم من مركزهم المسيحي أولاً يتركهم في الاختطاف على الأرض، ثم بإرسال عمل الضلال إليهم في المسيح الكذاب ليصدقوا الكذب، «وأعطوه للذي عنده العشرة الأمناء» لأنه في حين يتجرد الإسميون من إسم المسيح على الأرض يتلألأ المسيح في الحقيقيين في السماء. «فقالوا له: يا سيد، عنده عشرة أمناء. لأني أقول لكم، إن كل من له» رِبح أثبت به ملكية المنا لنفسه للمتاجرة، أو كل من خصص المسيح لنفسه بالإيمان القلبي به وأصبح المسيح عاملاً فيه، «يعطي. من ليس له» رِبح أثبت أنه غير راغب في المنا ورافض للمسيح كموضوع الإيمان القلبي العامل بالمحبة «فالذي عنده» وهو مجرد المركز والإسم والرسم «يؤخذ منه» (لوقا 11:19ـ26).
وفي هذا الموقف أيضًا يكافأ من أعطوا مواهب روحيَّة لخدمة الرب على ما قاموا به من خدم بحسب مواهبهم المتفاوتة في النوع والمنسوب «وكأنما إنسان مسافر» هو الرب يسوع في عودته إلى الآب، «دعا عبيده» هنا العبيد فريق أصحاب المواهب والخدم «وسلمهم أمواله فأعطى واحدًا خمس وزنات» رمز المسئولية في الخدمة وإن كانت المواهب والإختبارات تنمو وتزيد وتتضاعف فتصير الخمسة عشرة والاثنتان أربعة، ولكن هذا ليس هو البلوغ للكمال وإنما هو التقدم إليه لأننا نعلم بعض العلم ونتنبأ بعض التنبؤ ولكن متى جاء الكامل حينئذ يبطل ما هو بعض (كورنثوس الأولى 9:13و10). «وآخر وزنتين» مما يدل على أنه مهما قَلّت وصغرت المواهب، فالموهوب موضوع في مركز الشهادة للسيد وعلى العالم. «وآخر وزنه كل واحد على قدر طاقته. وسافر للوقت. فمضى الذي أخذ الخمس وزنات وتاجر بها فربح خمس وزنات أخر» مما يدل على أن الخدمة تضرم المواهب وتزيد في القلب والفكر والفم غنى رأسمال الكلمة والقوة «وهكذا الذي أخذ الوزنتين ربح أيضًا وزنتين أخرتين» إشارة إلى مضاعفة الشهادة واتساع نطاقها. وهذان الشخصان يمثلان لنا المؤمنين الحقيقيين أصحاب المواهب للخدمة وإن تفاوتت مواهبهم وإنتاجها. «وأما الذي أخذ الوزنة» وهو رمز وعيّنة لمن نال بعض مواهب الخدمة من المؤمنين بالإسم كيهوذا الأسخريوطي (يوحنا 64:6و70و71، متى 1:10ـ4) «فمضى وحفر في الأرض وأخفى فضة سيده» أى إنه بسبب عدم إيمانه القلبي كان فقط مفتكرًا في الأرضيات (فيليبي 17:3ـ19) فقتل مواهبه أو استغلها في سبيل كسب المادة. «وبعد زمان طويل أتى سيد أولئك العبيد وحاسبهم فجاء الذي أخذ الخمس وزنات وقدم خمس وزنات أخر قائلاً: يا سيد، خمس وزنات سلمتني. هوذا خمس وزنات أخر ربحتها فوقها. فقال له سيده: نعما، أيها العبد الصالح والأمين، كنت أمينًا في القليل» الذي هو بعض العلم وبعض التنبؤ «فأقيمك على الكثير» هو الكمال من هذه الناحيَّةوغيره، «أدخل إلى فرح سيدك. ثم جاء الذي أخذ الوزنتين وقال: يا سيد، وزنتين سلمتني، هوذا وزنتان أخريان ربحتهما فوقهما» قال له سيده: نعما أيها العبد الصالح والأمين. كنت أمينًا في القليل فأقيمك على الكثير. أدخل إلى فرح سيدك».ويُلاحظ ذكر وتكرار الأمانة في الخدمة لأن الموقف موقف خدام، ولو أن ذكر الصلاح في العيشة يقدم في الأهمية على الأمانة في الخدمة. «ثم جاء أيضًا الذي أخذ الوزنة الواحدة وقال: يا سيد، عرفت أنك إنسان قاس تحصد حيث لم تزرع وتجمع من حيث لم تبذر»، نفس عبارات من أعطى له المنا لأن المؤمن بالإسم خادمًا كان أو مخدومًا هو هو في اعتقاده ورأيه في المسيح وارتداده القلبي عنه وتنحيه عن خدمته رغم انتسابه إليه «فخفت ومضيت وأخفيت وزنتك في الأرض. هوذا الذي لك» متصوّرًا أنه إذا كان يتنحي عن المسئولية فلا يكون لسيده شأن به، ونسى أنه مسئول شاء أو لم يشاء «فأجاب سيده وقال له: أيها العبد الشرير» في عقيدتك وعيشتك، «والكسلان» في خدمتك، «عرفت أني أحصد حيث لم أزرع وأجمع من حيث لم أبذر. فكان ينبغي أن تضع فضتي عند الصيارفة. فعند مجيئي كنت آخذ الذي لي مع ربًا» يعني إنك لم تعاملني ولا كرأيك الشرير فيَّ، ولا بأسهل السبل وأريحها للكسن «فخذوا منه الوزنة وأعطوها للذي له العشر وزنات. لأن كل من له يعطى فيزداد ومن ليس له فالذي عنده يؤخذ منه». وهذا يتم أيضًا فيمن لهم مواهب للخدمة بين المؤمنين بالإسم، في تجريدهم من التعليم الصحيح في نهضة المسيح الكذاب المبدئية، وفي تجريدهم من مراكزهم الدينية للخدمة، في تأله الوحش وإلغائه للمسيحيَّة من الأرض «والعبد البطال اطرحوه إلى الظلمة الخارجية» (متى 14:25ـ30) وهذا سيتم في ضربات سبع سني الضيق ولاسيما في ويلاتها الثلاثة الأخيرة كما وفي ظهور الرب.
وفي هذا الموقف أمام كرسي المسيح في السماء، سيكتشف بعض المؤمنين أنه قد ضاعت منهم أكاليل خدم عرضت عليهم، ولكن إذ تهاونوا فيها قام بها آخرون وأخذوا أكاليلها «تمسك بما عندك لئلا يأخذ أحد إكليلك» (رؤيا 11:3) كما سيأخذون أكاليل الأمانة في العيشة والشهادة والخدمة، خدامًا كانوا أو مخدومين، رجالاً كانوا أم نساء «قد جاهدت الجهاد الحسن» عن صلاح العيشة وعدم التساهل فيها، «أكملت السعي» عن نشاط الخدمة وعدم التراخي فيها، «حفظت الإيمان» عن سلامة العقيدة وعدم التسليم فيها، «وأخيرًا قد وضع لي إكليل البر» أو إكليل الإستقامة في هذا جميعه، «الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الذيان العادل وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضًا» (تيموثاوس الثانية 6:4ـ8) «كن أمينًا إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة» (رؤيا 10:2) «ومتى ظهر رئيس الرعاة تنالون إكليل المجد الذي لا يبلى» (بطرس الأولى 4:5) «ألستم تعلمون أن الذين يركضون في الميدان جميعهم يركضون ولكن واحد» هو الفائز «يأخذ الجعالة؟ هكذا اركضوا لكي تنالوا. وكل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء. أما أولئك فلكي يأخذوا إكليلاً يفنى وأما نحن فإكليلاً لا يفنى» (كورنثوس الأولى 24:9و25) «وأيضًا إن كان واحد يجاهد لا يكلل إن لم يجاهد قانونيًا» (تيموثاوس الثانية 5:2).
وبديهي أن هذه أكاليل الملوك. وبما أنه قد قيل في منطوق البوق السابع «قد صارت ممالك العالم لربنا ومسيحه»، ينتج أن المؤمنين سيملكون مع المسيح على ممالك العالم للاشتراك معه في إدانة أشرارها والملك على أبرارها العتيدين.
ولكن ليس معنى المُلك على الأرض هو عودة القديسين السماويين إلى الأرض ليعيشوا فيها آكلين شاربين، لأن هذا نصيب القديسين الأرضيين من يهود وأمم. أما السماويين ف---اويين روحانيين نورانيين علويين، سيكونون مثل الملائكة «ولكن الذين حسبوا أهلاً للحصول على ذلك الدهر والقيامة من الأموات لا يزوجون ولا يزوَّجون، إذ لا يستطيعون أن يموتوا أيضًا لأنهم مثل الملائكة وهم أبناء الله إذ هم أبناء القيامة» (لوقا 35:20و26) وسيحلون محل الملائكة في إدارة الأرض وحكمها «فإنه لملائكة لم يخضع العالم العتيد الذي نتكلم عنه. لكن شهد واحد في موضع قائلاً: ما هو الإنسان حتى تذكره، أو ابن الإنسان حتى تتقده؟! وضعته قليلاً عن الملائكة» من حيث القدرة في الخلق الأصلي وقابليته للموت، ورغم ذلك «بمجد وكرامة كللته وأقمته على أعمال يديك. أخضعت كل شيء تحت قدميه. لأنه إذ أخضع الكل له لم يترك شيئًا غير خاضع له. على أننا الآن» بسبب لسقوط «لسنا نرى الكل بعد مخضعًا له. ولكن الذي وضع قليلاً عن الملائكة يسوع»الذي وضع نفسه في مركز الإنسان ليرفعه من سقوطه، ويرده إلى مركز سيادته الذي قصده له الله في خلقه، «نراه مكللاً» كممثلنا «بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت» (عبرانيين 5:2ـ9). ولذلك سيكون حكم الرب يسوع وقديسيه للأرض، لا باعتبارهم عبيد كالملائكة، بل باعتبارهم ملوك وأسياد. لذلك يقال عن الرب أنه «رب الأرباب» أو سيد الأسياد «وملك الملوك. الذين معه أى هؤلاء الأرباب والملوك الذين سيكونون هم القديسين السماويين «والذين معه مدعوون» من الله للتوبة والإيمان والحياة والمجد والمُلك. وهذا لا ينطبق على ملائكة بل على بشر «ومختارون ومؤمنون» (رؤيا 14:17) لذلك يقال عنه، تبارك اسمه، «الذي أحبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه وجعلنا ملوكًا وكهنة لله أبيه» (رؤيا 6:1). ويقال له منا بعد جلوسنا على عروشنا في السماء: «ذبحت واشتريتنا لله بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة وجعلتنا لإلهنا ملوكًا وكهنة فسنملك على الأرض» (رؤيا 9:5و10). ويملكون على الأرض وهم جلوس على عروش المجد السماوية وفي صفتهم السماوية التي تغيروا بها على صورة سيدهم الذي قال عن نفسه: «ومتى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه فحينئذ يجلس على كرسي مجده … ثم يقول الملك» يقصد شخصه المبارك (متى 31:25و34).
وبنفس المعنى يقال عن القديسين السماويين النازلين معه من السماء «والأجناد» وصف للمؤمنين كأتباع الرب يسوع كملك محارب نازل للحرب، «الذين في السماء» وصف آخر للمؤمنين السماويين كسكان السماء وكالذين لم ينزلوا إلى الأرض قبل الآن بعد اختطافهم منها. في حين أن الملائكة موجودون في السماء لتلقي الأوامر وتقديم التقارير، وفي الأرض لتنفيذ الأوامر، فهم في الأرض والسماء وليس في السماء وحدها «والأجناد الذين في السماء كانوا يتبعونه» وهذه كلمة تميّزهم أيضًا كبشر أتباع ليسوع تبعوه من بين الناس من ساعة إن دعا كلاً منهم إليه من بين الناس بقوله له «اتبعني»، «كانوا يتبعونه على خيل بيض» رمز النصرة في الخروب والسلام «لابسين بزًا أبيض ونقيًا» وهو لا يدل على قداسة الملائكة الطبيعية، بل على قداسة القديسين نتيجة انتصارهم بالله على قوى الشر المضادة لهم، القوى التي كانت فيهم وفي العالم وفي الشيطان (رؤيا 14:19) ولذلك يسمى هذا البز في (ع 8) «تبررات القديسين» أى ما أثبت وأيد في تصرفاتهم أنهم قديسون. «ورأيت عروشًا فجلسوا عليها أعطوا حكمًا» (رؤيا 4:20) والمقصود هو هؤلاء القديسون السماويون إذ لم تسبق الإشارة إلى غيرهم ممن يمكن أن ينطبق عليهم هذا القول. ولا يمكن أيضًا أن هذا القول يخص الملائكة، إذ ليس الجلوس من امتياز الملائكة. لأنهم جميعًا خدام من رؤساء ومرؤوسين «جميعهم أرواحًا خادمة» (عبرانيين 14:1). ولذلك هم وقوف أمام الله دائمًا ولا يجلسون قط. أما المؤمنين فيقول الرب نفسه عنهم «طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيدهم يجدهم ساهرين. الحق أقول لكم: أنه يتمنطق ويتكئهم ويتقدم ويخدمهم» (لوقا 37:12).
وقد أعطى لرسل الختان الإثني عشر الحكم على إسرائيل. لذلك يقول لهم الرب «أنتم الذين تبعتموني» الآن، «في التجديد» تجديد الأرض للمُلك الألفي على ما سيأتي بيانه «متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم أيضًا على أثني عشر كرسيًا وتدينون» أى تكونون قضاة وحكامًا على «أسباط إسرائيل الإثني عشر» (متى 28:19و29). وأما بقية المؤمنين فسيكون نصيبهم الحكم على الأمم ومعهم طبعًا بولس رسول الأمم. ولكن أين يكون مركز الرب وقديسيه عندما ينزلون من السماء إلى الأرض ويدينون أشرارها ويسوسون أبرارها طيلة الألف السنة؟ سيكون مركزهم في أورشليم السماوية حالَّة فوق أورشليم الأرضية وأرض فلسطين. وأما عن أورشليم السماوية كمسكن القديسين السماويين فيقال «لا يستحي بهم الله أن يدعى إلههم لأنه أعد لهم مدينة» (عبرانيين 15:11). «وأكتب عليه إسم إلهي وإسم مدينة إلهي، أورشليم الجديدة النازلة من السماء من عند إلهي» (رؤيا 12:3) «مدينة الله الحيّ أورشليم السماوية» (عبرانيين 22:12) «ليس لنا هنا مدينة باقية لكننا نطلب العتيدة» (عبرانيين 14:13) «…ينتظر المدينة التي لها الأساسات التي صانعها وبارئها الله» (عبرانيين 10:11) «أورشليم العُليا التي هى أمنا جميعًا» (غلاطية 26:4) وهى مسكن قديسي العهدين. على أنها ليست هى أورشليم السماوية المذكورة في (رؤيا 21) لأن هذه ليست إلا كناية مجازية عن مؤمني العهد الجديد، عروس المسيح.
عرس الخروف

وصل المسيح في الاختطاف إلى بيت الآب ومعه عروسه، مؤمنو العهد الجديد (أفسس 3)، وأصدقاؤه، مؤمنو العهد القديم كإبراهيم خليل الله (يعقوب 23:2، إشعياء 8:41) وكالمعمدان صديق العريس (يوحنا 29:3). ولكن لم يكن الظرف ظرف الزفاف، بل ظرف تطهير الميراث من مغتصبيه، الأمر الذي استغرق أسبوع دانيال الأخير. ولذلك بمجرد أن انتهى الأسبوع بالبوق السابع والجام السابع، بدأت الإستعدادات على عجل للظهور والنزول لاستكمال الدينونة حضوريًا وتأسيس الملك. وكان هذا الإستعداد العاجل هو مجازاة القديسين، ثم زفاف العروس على عريسها. ومع أن جميع القديسين قد لبسوا صالحاتهم بزًّا بهيًا نقيًا إلا أنه كان للعروس بمثابة «بدلة الإكليل» الناصعة البياض، ولأصدقاء العريس ارتدائهم لما يصبحون به في وجه شبه مع اعريس في ملابسهم، الأمر الذي يرى رمزه في صاحبات العروس على الأرض من أنهن يرتدين مثل رداء العروس، وفي أصدقاء العريس على الأرض من أنهم يرتدون مثل رداء العريس. ولذلك إذ يتم لبس البزَّ الذي هو من وجه مجازاة القديسين، ومن وجه آخر هو لبس الزفاف، يقال في الحال كخلاصة لكل ما فات: «وبعد هذا سمعت صوتًا عظيمًا من جمع كثير في السماء قائلاً: هللويا! الخلاص والمجد والكرامة والقدرة للرب إلهنا. لأن أحكامه حق وعادلة إذ قد دان الزانية العظيمة» الكنيسة الإسمية في كل العالم، والممثلة في ذلك الوقت في روما الباباوية، وتذكر دينونتها هنا بصفة خاصة بمناسبة زفاف الكنيسة الحقيقية التي طالما نافستها وضايقتها روما هذه «التي أفسدت الأرض بزناها، وانتقم لدم عبيده من يدها» حسبما جاء وصفه في البوق الخامس من ملاشاة الوحش لنظامها الديني، وفي البوق السابع والجام السابع من ملاشاة الله لمدينتها روما مع بقية كل مدن العالم المتمدن وأنظمة حضارته السياسية والاجتماعية. «وقالوا ثانية: هللويا! ودخانها» أى دخان عذاب سكانها في الأبدية «يصعد إلى أبد الآبدين. وخرّ الأربعة والعشرون شيخًا» رمز القديسين ككهنة عابدين «والأربعة الحيوانات» أو الكائنات الحيَّةرمز القديسين كملوك حاكمين «وسجدوا لله الجالس على العرش قائلين: آمين. هللويا!. وخرج من العرش صوت قائلاً: سبحوالإلهنا، يا لجميع عبيده الخائفيه، الصغار والكبار. وسمعت كصوت جمع كثير وكصوت مياه كثيرة وكصوت رعود شديدة قائلة: هللويا! فإنه قد ملك» أى أزفت ساعة ملكه «قد ملك الرب الإله، القادر على كل شيء. لنفرح ونتهلل ونعطه المجد لأن عرس الخروف قد جاء» في هذه اللحظة فقط، أى بعد كل الذي فات من دينونات السبع السنين المنسكبة على سكان الأرض الأشرار لملاشاتهم عن وجهها والتطويح بأرواحهم إلى سجن العذاب في الهاوية. «وامرأته هيأت نفسها» بلباس الزفاف «وأعطيت أن تلبس بزًا نقيًا بهيًا لأن البزَّ هو تبررات القديسين» (رؤيا 1:19ـ8) أى ما أثبت قداستهم من أعمال بارة حكم الرب ببرارتها. «وقال لي: أكتب طوبى للمدعوين إلى عشاء عرس الخروف» وهم أصدقاء وأحباء العريس والعروس، أو مؤمنو العهد القديم «وقال: هذه هى أقوال الله الصادقة» (رؤيا 9:19).
العلامات المخفية في السماء

لقد انتهى الرب من محاسبة قديسيه وتقسيم الأرض عليهم أجرة لأعمالهم وأصبح على أتم استعداد ليظهر للعالم. ولكن قبل ظهوره مباشرة من السماء، تظهر في السماء علامات مخيفة «وللوقت بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوءه والنجوم تسقط من السماء وقوات السموات تتزعزع. وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء» (متى 29:24) قارن (مرقس 24:13ـ26، لوقا 25:21ـ28) «وأعطي عجائب في السماء والأرض دماً وناراً وأعمدة دخان. تتحول الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دم قبل مجئ يوم الرب العظيم المخوف» (يوئيل 30:2و31).
لا شئ يزعج الإنسان على الأرض بدرجة مريعة أكثر من مشاهدتة لإختلال النظام في الأجرام السماوية. حيث يشعر بعجزه من جهه وبغضب الله عليه من جهه أخرى. أما في الأزمنة الأخيرة فستصل الحالة إلى أن يطلب الإنسان لنفسه السجود كإله، متحدياً الله خالق السموات والأرض. فهنا تظهر قوة الله كخالق أعظم متحكم في عمل يديه. فيعطي العجائب في السماء وفي الأرض مما يسبب رعب الإنسان الضعيف، وبعد ذلك سيظهر بشخصه ويجري الدينونة بنفسه.
ظهور الرب

الآن سيظهر الرب من السماء ومعه ملائكته وقديسوه السماويون لدينونة باقي الأحياء الأشرار، وللملك على الأبرار الأحياء من يهود وأمم. فإسمع آيات الكتاب المنبئة بهذا الظهور العظيم المجيد:
«فإن إبن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكتهوحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله» (متى 27:16)، «من الآن تبصرون إبن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً على سحاب السماء» (متى 64:26)، «وحينئذ يبصرون إبن الأنسان في سحابة بقوة ومجد كثير» (لوقا 27:21)، «وحينئذ تظهر علامة إبن الإنسان في السماء» (متى 29:24)، «لأنه كما أن البرق يخرج من المشارق ويظهر إلى المغارب، هكذا يكون أيضاً مجئ إبن الإنسان» (متى 27:24)، «متى أظهر المسيح حياتنا حينئذ تظهرون أنتم أيضاً معه في المجد» (كولوسي 4:3)، «منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم»
(تيطس 13:2)، «فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا» (رومية 18:8)، «إذ هو عادل عند الله أن الذين يضايقونكم يجازيهم ضيقاً. وإياكم الذين تتضايقون» يجازيكم «راحة معنا عند إستعلان الرب يسوع من السماء مع ملائكة قوته. في نار لهيب معطياً نقمة للذين لا يعرفون الله والذين لا يطيعون إنجيل ربنا يسوع المسيح. الذين سيعاقبون بهلاك أبدي من وجه الرب ومن مجد قوته. متى جاء ليتمجد في قديسيه ويتعجب منه في جميع المؤمنين» (تسالونيكي الثانية 6:1ـ10)، «ويأتي الرب إلهي وجميع القديسين معك» (زكريا 5:14)، «هوذا يأتي مع السحاب وستنظره كل عين والذين طعنوه وينوح عليه جميع قبائل الأرض. نعم آمين. أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية، يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتي، القادر على كل شيء» (رؤيا 7:1و8) وهذا بالمباينة مع الوحش الذي قيل فيه «كان، وليس الآن، وهو عتيد أن يصعد من الهاوية» (رؤيا 17). أيضًا قيل عن ظهور الرب للدينونة والملك «العتيد أن يدين الأحياء والأموات عند ظهوره وملكوته» (تيموثاوس الثانية 1:4) و«هوذا قد جاء الرب في ربوات قديسيه ليصنع دينونة على الجميع ويعاقب جميع فجارهم على جميع أعمال فجورهم التي فجروا بها، وعلى جميع الكلمات الصعبة التي تكلم بها عليه خطاة فجار» (يهوذا 14و15)، وكأعمال وكلمات تأله وتجديف الوحش الروماني ونصيره اليهودي وأذنابهما. وعن هذا الظهور يقول يوحنا أيضًا: «ثم نظرت وإذا سحابة بيضاء وعلى السحابة جالس شبه ابن إنسان له على رأسه إكليل من ذهب وفي يده منجل حاد. وخرج ملاك آخر من الهيكل يصرخ بصوت عظيم إلى الجالس على السحابة: أرسل منجلك واحصد لأنه قد جاءت الساعة للحصاد إذ قد يبس حصيد الأرض. فألقى الجالس على السحابة منجله على الأرض فحصدت الأرض» (رؤيا 14:14ـ16). ويقول دانيال: «كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطى سلطانًا ومجدًا وملكوتًا لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض» (دانيال 13:7و14). وهذا يوافقه قول الآب للابن قبل ظهوره ونزوله للملك مباشرة: «إسألني فأعطيك الأمم ميراثًا لك وأقاصي الأرض ملكًا لك فتحطمهم بقضيب من حديد، مثل إناء خزاف تكسرهم» (مزمور 8:2و9) وقد تنبأ ملاخي النبي عن هذا الظهور لأتقياء إسرائيل المتضايقين في ذلك الوقت والصارخين إلى الرب: «ولكم، أيها المتقون إسمي، تشرق شمس البر والشفاء في أجنحتها» (ملاخي 2:4) «يأتي بغتة إلى هيكله السيد الذي تطلبونه وملاك العهد الذي تسرون به. هوذا يأتي، قال رب الجنود، ومَن» من أعدائه «يحتمل يوم مجيئه؟ ومن يثبت» منهم «عند ظهوره؟ لأنه مثل نار الممحص ومثل أشنان القصار. فيجلس ممحصًا ومنقيًا للفضة فينقي بني لاوي ويصفيهم كالذهب والفضة ليكونوا مقربين للرب تقدمة بالبر» (ملاخي 1:3ـ3).
وكما ان صعود الرب من على جبل الزيتون، هكذا سيكون نزوله أيضًا على جبل الزيتون. كما قال الملاكان للرسل «وفيما كانوا يشخصون إلى السماء وهو منطلق إذا رجلان قد وقفا بهم بلباس أبيض وقالا: أيها الرجال الجليليون، ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء؟ إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء. حينئذ رجعوا إلى أورشليم من الجبل الذي يدعى جبل الزيتون» (أعمال 10:1ـ12). لذلك يقول زكريا النبي: «فيخرج الرب ويحارب تلك الأمم كما في يوم حربه يوم القتال. وتقف قدماه في ذلك اليوم على جبل الزيتون الذي قدام أورشليم من الشرق» بخلاف مجيئه السري لاختطاف فإنه لا يصل إلى الأرض بل يقف في الهواء. أما هنا في الظهور فينزل إلى الأرض على جبل الزيتون، «فينشق جبل الزيتون من وسطه نحو الشرق ونحو الغرب واديًا عظيمًا جدًا وينتقل نصف الجبل نحو الشمال ونصفه نحو الجنوب. وتهربون» الكلام للقديسين اليهود الموجودين في فلسطين ساعة ظهور الرب من السماء «وتهربون كما هربتم م الزلزلة في أيام عزّيا ملك يهوذا. ويأتي الرب إلهي وجميع القديسين معك» (زكريا 3:14ـ5).


الفصل العاشر
الملك الديان
حوادث الخمسة والسبعين يومًا الملحقة بالأسبوع

«ومن وقت إزالة المحرقة الدائمة وإقامة رجس المخرب ألف ومئتان وتسعون يومًا. طوبى لمن ينتظر ويبلغ إلى الألف والثلاثمائة والخمسة والثلاثين يومًا»
(دانيال 11:12و12).
يتبيَّن من هذا الشاهد أنه بعد الألف والمائتين والستين يومًا أو النصف الأخير للأسبوع، تضاف مدتان: أولاً ـ ثلاثون يومًا، تجعلها ألفًا ومئتان وتسعون يومًا. ثانيًا ـ خمسة وأربعون يومًا فتصبح ألفًأ وثلاثمائة وخمسة وثلاثون يومًا. وفي هاتين المدتين ينتهي الرب من القضاء حضوريًأ بعد ظهوره، على جيوش الوحش وجيوش ملك الشمال، وجمع إسرائيل ودينونة الأمم الجداء وجوج وجمهوره، ثم يبدأ المُلك.
وهناك مزامير نبوية عديدة تتكلم عن ثورة هؤلاء الملوك والأمم ضده، وعن مباغتتهم بظهوره وإدانته لهم. نقتبس منها ما يأتي: «لماذا ارتجت الأمم وتفكر الشعوب في الباطل. قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معًا على الرب وعلى مسيحه قائلين: لنقطع قيودهما ولنطرح عنا ربطهما. الساكن في السموات يضحك. الرب يستهزيء بهم. حينئذ يتكلم عليهم بغضبه ويرجفهم بغيظه. أما أنا فقد مسحت ملكي على صهيون جبل قدسي» هذا كلام الآب، «إني أخبر من جهة قضاء الرب»، هذا كلام الإبن، «قال لي، أنت إبني» أزليًا «أنا اليوم ولدتك» عن ولادته في الزمان من العذراء «إسألني فأعطيك الأمم ميراثًا لك وأقاصي الأرض ملكًا لك. تحطمهم بقضيب من حديد، مثل إناء خزاف تكسرهم. فالآن». وهذا كلام الروح القدس، «يا أيها الملوك، تعقلوا. تأدبوا يا قضاة الأرض. أعبدوا الرب بخوف، وإهتفوا برعدة. قبلوا الإبن» أي بايعوا الملك «لئلا يغضب فتبيدوا من الطريق» وها قد جاء وقت إبادتهم من طريقه إلى الملك، «لأنه عن قليل يتقد غضبه. طوبى لجميع المتوكلين عليه» أي المؤمنين به (مزمور 2). «قال الرب » الآب السماوي، «لربي» الإبن الحبيب عند صعوده للسماء في صورته الإنسانية بعد إكمال عمل الكفارة على الصليب، «إجلس عن يميني» كناية مجازية عن مركز القوة والإعزاز، «حتى أضع أعدائك موطئاً لقدميك» وقد جاء الآن هذا الوقت، لذلك يوجه النبي للرب يسوع كالملك الديان هذا الخطاب: «يرسل الرب قضيب عزك من صهيون. تسلط في وسط أعدائك. شعبك منتدب في يوم قوتك في زينة مقدسة، من رحم الفجر لك طل حداثتك. أقسم الرب» الأب السماوي «ولن. أنت»، أيها الإبن الحبيب، «كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق»لبركة شعبك في ملكك على أساس قضائك على أعدائك. ثم يوجه النبي خطابه للآبعن إبنه كالملك الديان قائلاً: «الرب عن يمينك» راجع (عدد1) «يحطم في يوم رجزه ملوكاً. يدين بين الأمم. ملأ جثثًا، أرضًا واسعة، سحق رؤوسها» أى رؤساؤها «من النهر يشرب في الطريق لذلك يرفع الرأس» منتصرًا ومفاخرًا بالله (مزمور 110) ولذلك أيضًا يوجه النبي هذا الخطاب للملك الديان الرب يسوع المسيح لينجز قضاءه، إذ آن أوانه، قائلاً: «تقلد سيفك على فخذك، أيها الجبار، جلالك وبهاءك. وبجلالك اقتحم. إركب. من أجل الحق والدعة والبر» أى انتقامًا لها بسبب دوسها، «فتريك يمينك مخاوف» أى ما يخيف أعداءك «نبلك مسنونة في قلب أعداء الملك. شعوب تحتك يسقطون» (مزمور 3:45ـ5).
وها هو الرب قد ظهر، إجابة لهذه النِّبوات، للقضاء على هؤلاء الملوك وشعوبهم «ثم رأيت السماء مفتوحة وإذا فرس أبيض والجالس عليه يدعى أمينًا وصادقًا وبالعدل يحكم ويحارب. وعيناه كلهيب نارٍ وعلى رأسه تيجان كثيرة وله اسم مكتوب ليس أحد يعرفه إلا هو. وهو متسربل بثوب مغموس بدم ويدعى اسمه كلمة الله. والأجناد الذين في السماء كانوا يتبعونه على خيل بيض ولابسين بزًا أبيض ونقيًا. ومن فمه يخرج سيف ماضٍ لكي يضرب به الأمم وهو سيرعاهم بعصًا من حديد وهو يدوس معصرة خمر سخط وغضب الله القادر على كل شيء. وله على ثوبه وعلى فخذه إسم مكتوب ملك الملوك ورب الأرباب» (رؤيا 11:19ـ16). وإذ قد نزل الرب بملوكه وجيوشه للقضاء على خصومه، يجد الوحش نفسه فجأة في حرب، لا مع ملك الشمال، بل مع ملك السماء أيضًا.
هلاك الوحش والنبي الكذاب وأتباعهما

في التعليقات على البوق السادس والجام السادس تركنا ملك الشمال وجيوشه معسكرين حول أورشليم في وادي يهوشافاط، والوحش وجيوشه معسكرين على ساحل البحر الأبيض في وادي هرمجدون. وسيبدأ الرب أولاً في إهلاك الجيوش الغربية على الشاطيء على النحو الآتي:
«ورأيت ملاكًا واحدًا واقفًا في الشمس فصرخ بصوت عظيم قائلاً لجميع الطيور الطائرة في وسط السماء: هلم اجتمعي إلى عشاء الإله العظيم. لكي تأكلي لحوم ملوك ولحوم قواد ولحوم أقوياء ولحوم حيل والجالسين عليها ولحوم الكل حرًا وعبدًا صغيرًا وكبيرًا ورأيت الوحش وملوك الأرض وأجنادهم مجتمعين ليصنعوا حربًا مع الجالس على الفرس ومع جنده. فقبض على الوحش والنبي الكذاب معه الصانع قدامه الآيات التي بها أضل الذين قبلوا سمة الوحش والذين سجدوا لصورته، وطرح الإثنين حيين» بغير حساب «في بحيرة النار المتقدة بالكبريت. والباقون قتلوا بسيف الجالس على الفرس» السيف «الخارج من فمه. وجميع الطيور شبعت من لحومهم» (رؤيا 17:19ـ21). ويقول الرسول عن هلاك ضد المسيح «الرب يبيده» عن وجه الأرض «بنفخة فمه» أى بمجرد كلمة من فمه لاقترانها بقوة روحه للقضاء «ويبطله» أى يلاشيه من مركزه «بظهور مجيئه» (تسانوليكي الثانية 8:2). لأن مجيئه كان في الخفاء وإلى طبقة الهواء عند اختطاف الكنيسة قبل بدء الأسبوع. أما في نهاية الأسبوع الذي هو نهاية أزمنة الأمم في سيادتهم على إسرائيل واغتصابهم لمُلك الله عليه وعلى العالم، فيكون بحسب لغة العهد الجديد المفصلة «ظهور مجيئه» أى مجيئه الظاهر، بخلاف مجيئه الخفي السابق. وسيكون إهلاك الرب في هذه الموقعة الفاصلة بينه وبين أعدائه الغربيين، شاملة للوحش والنبي الكذاب بطرحهما حيين بلا موت ولا حساب في بحيرة النار، وإهلاك كل جيوشهما وأتباعهما الإسرائيليين والأروبيين والأمريكيين وما يتبعهما من حلفاء من مختلف الدول والمستعمرات. وسيكون الهلاك شاملاً، لا للجيوش في ميدان الحرب في هرمجدون فقط، بل ولكل المدنيين أنفسهم التابعين لهم في بلادهم. لأن الكل سيكونون واء في الكفر بالله والعبادة للوحش والتجند من كل وجه لأغراضه وحروبه حتى الذي عزم أن يحارب بها الرب عند ظهوره لدينونته فكل هؤلاء «سيعاقبون بهلاك أبدي من وجه الرب ومن مجد قوته متى جاء ليتمجد في قديسيه ويتعجب منه في جميع المؤمنين» (تسانوليكي الثانية 10:1و11). فإذ يوجهون للرب أثناء نزوله من السماء مع قديسيه طلقات مدافعهم من الأرض والطائرات والبالونات، وقنابلهم الصاروخية والذرية والإيدروجية، فإذا جميعها تصلهم منطفئة ويجتازون خلالها آمنين فيتولاهم العجب من تفوق هؤلاء السماويين الهابطين من العلا على كل وسائل إهلاكهم، في الوقت الذي فيه يتولاهم العجب مما يروهم فيه من أنوار وأمجاد تبهر الأبصار. ولكن لا يطول عجبهم من قوة ومجد الرب وقديسيه النازلين معه، حتى يحيق بهم الهلاك بوسائله الإلهية التي لا تقاوم فيقعون صرعى أمواتًا محترقين وترسل أرواحهم في ذات اللحظة إلى سجن أرواح الأشرار في هاوية العذاب. راجع (إشعياء 24، مزمور 45، 110).
الحصاد والعصير

«ثم نظرت وإذا سحابة بيضاء وعلى السحابة جالس شبه ابن إنسان له على رأسه إكليل من ذهب وفي يده منجل حاد. وخرج ملاك آخر من الهيكل يصرخ بصوت عظيم إلى الجالس على السحابة أرسل منجلك وأحصد لأنه قد جاءت الساعة للحصادإذ قد يبس حصيد الأرض. فألقى الجالس على السحابة منجله إلى الأرض فحصدت الأرض ثم خرج ملاك آخر من الهيكل الذي في السماء معه أيضًا منجل حاد. وخرج ملاك آخر من المذبح له سلطان على النار وصرخ صراخًا عظيمًا على الذي معه المنجل قائلاً: أرسل منجلك الحاد وأقطف عناقيد كرم الأرض لأن عنبها قد نضج. فألقى الملاك منجله إلى الأرض وقطف كرم الأرض فألقاه إلى معصرة غضب الله العظيمة. وديست المعصرة خارج المدينة فخرج دم من المعصرة حتى إلى لجم الخيل مسافة ألف وستمائة غلوة» (رؤيا 14:14ـ20).
الآن وقد وصلنا إلى آخر مرحلة في دينونة الذين على الأرض.فالحصاد يشير إلى إنقضاء العالم وهلاك المرتدين من النصارى كما فسر الرب مثل الزرع
الجيد والزرع الزوان (متى 24:13ـ30). «فأجاب وقال لهم. الزارع الزرع الجيد هو إبن الإنسان. والحقل هو العالم. والزرع الجيد هو بنو الملكوت. والزوان هو بنو الشرير. والعدو الذي زرعه هو إبليس. والحصاد هو إنقضاء العالم. والحصادون هم الملائكة.فكما يجمع الزوان ويحرق بالنار، هكذا يكون في إنقضاء العالم. يرسل إبن الإنسان ملائكته فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلي الإثم. ويطرحونهم في أتون النار. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. حينئذ يضيئ الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم» (متى 37:13ـ43) «أيضًا يشبه ملكوت السموات شبكة مطروة في البحر وجامعة من كل نوع. فلما إمتلأت أصعدوها إلى الشاطئ وجلسوا وجمعوا الجياد إلى أوعية. وأماالأردياء فطرحوها خارجًا. هكذا يكون في إنقضاء العالم. يخرج الملائكة ويفرزون الأشرار من بين الأبرار. ويطرحونهم في أتون النار هناك يكون البكاء وصرير الأسنان» (متى 47:13ـ50).
أما العصير فهو الدينونة التي تقع على المرتدين من اليهود وهم المشار إليهم «بكرم الأرض» كما قيل بإشعياء «لأنشدن عن حبيبي نشيد محبي لكرمه. كان لحبيبي كرم على أكمة خصبة. فنقبه ونقى حجارته وغرسه كرم سورق وبنى برجاً في وسطه ونقر فيه أيضًا معصرة فإنتظر أن يصنع عنبًا فصنع عنبًا رديئًا» (إشعيا 1:5ـ2).
فستكون دينونة اليهود المرتدين دينونة مريعة «وقطف كرم الأرض فألقاه إلى معصرة غضب الله العظيمة وديست المعصرة خارج المدينة فخرج دم من المعصرة حتى إلى لجم الخيل مسافة ألف وستمائة غلوة» (رؤيا 15:14). فهنا لا يوجد شئ جيد، بل عناقيد كرم الأرض الرديئة، أعني الأشرار التي تلقى كلها في معصرة غضب الله التي يدوسها المسيح. وقد قرروا هم أنفسهم هذا القضاء العادل على أنفسهم بقولهم القديم لبيلاطس عن المسيح، لما ثبتت له برائته: «دمه علينا وعلى أولادنا» (متى 25:27). لذلك عند حضور المسيح ليدين الأحياء سيقول أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم فأتوا بهم إلى هنا وإذبحوهم قدامي» (لوقا 27:19).
وخروج الدم حتى إلى لجم لجم الخيل، يشير إلى هول الإنتقام من هؤلاء الأشرار، وذكر المسافة ألف وستمائة غلوة يشير إلى طول حدود أرض فلسطين من الشمال إلى الجنوب أعني أن الدينونة تشمل كل المرتدين الذين إنقادوا إلى الوحش والنبي الكذاب كقول إشعيا عن حملة ملك الشمال: «لذلك هوذا السيد يصعد عليهم مياه النهر القوية والكثيرة ملك أشور وكل مجده فيصعد فوق جميع مجاريه ويجري فوق جميع شطوطه. ويندفق إلى يهوذا. يفيض ويعبر. يبلغ العنق. ويكون بسط جناحيه ملء عرض بلادك يا عمانوئيل» (إشعيا 8:8) «وديست المعصرة خارج المدينة» أي خارج مدينة أورشليم لأن المذبحة الإلهية ستكون في هرمجدون. هذا فضلاً عن المذبحة على يد الشيوعيين التي ستعم البلاد طولاً وعرضًا. ولايفوتنا ما في القول الإلهي «خارج المدينة» من الإنتقام الإلهي العادل منهم لصلبهم إبن الله وسفكهم لدمه خارج أورشليم قارن (متى 38:22ـ41).
ويقول الرب وصفًا لهلاك أردياء إسرائيل: «في تلك اليلة يكون إثنان على فراش واحد فيؤخذ الواحد» بالدينونة لأنه من الأردياء «ويترك الآخر» للبركة الألفية لأنه من الأتقياء «تكون إثنتان تطحنان معاً فتؤخذ الواحدة وتترك الأخرى. يكون إثنان في الحقل فيؤخذ الواحد ويترك الآخر. فأجابوا وقالوا له: أين يا رب؟ فقال لهم، حيث تكون الجثة هناك تجتمع النسور»
(لوقا 34:17ـ37).
وهكذ تنتهي أزمنة سيادة الأمم على إسرائيل والعالم بمحوها من الوجود، وحلول سيادة الرب محلها كما قال الرب: «وتكون أورشليم مدوسة من الأمم حتى تكمل أزمنة الأمم» (لوقا 24:21).
هلاك ملك الشمال وجمهوره

على أن الرب عند ظهوره بعد انتهاء الأسبوع سوف لا يقضي فقط على المعسكر الغربي في هرمجدون، وكل العالم الغربي التابع له في أصقاعه ومستعمراته، بل وسيقضي أيضًا في نفس الشهر الأول على المعسكر الشرقي المحاصر أورشليم في وادي يهوشافاط المحيط بها، معسكر ملك الشمال وجيوشه حلفاء الروس. لأن النبي الكذاب ملك إسرائيل عندما يرى أعداءه في الشمال والجنوب قد أخربوا مملكته، يستغيث بالوحش لنجدته على أساس المعاهدة التي بينهما. ويتلاقيان معًا لفك الحصار عن أورشليم. وتجمعهم هذا يكون في «هرمجدون» وهى واقعة في الطريق الساحلي على البحر الأبيض المتوسط بين حيفا وعكا حيث جاري الآن إنشاء مدينة بإسم عميق زبولون على أحدث النظم التخطيطية، وحيث ستنشأ ميناء حربيًا ستكون من أعظم موانيء البحر الأبيض (راجع عميق زبولون). وستكون هذه هى المرة الأولى والأخيرة التي فيها تطأ قدما الوحش أرض فلسطين. وإذ يتوجهان إلى أورشليم يستقبلهما الشاهدان بأقوى عبارات الشهادة ضدهما. وفي هذه الآونة يتمكن الوحش من قتلهما، ولكنهما يقومان من بين علنًا ويصعدان إلى السماء أمام الجميع، على ما سبق وبيّننا، مما يبعث الرعب في قلوب الكل إذ كانوا منكرين لله والنفس والقيامة والخلود وليس أمامهم إلا الإنسان في الأرض موجودًا ومعبودًا، وإذا يأفكارهم هذه كلها تتبيّن أنها أضغاث أحلام‍ وفي هذا الوقت يعود الوحش ونبيه الكذاب وملوكه العشرة إلى هرمجدون حيث يستقبلون ويستعرضون الجيوش ويستعدون للنزال ويرسمون الخطط لقطع الطريق على ملك الشمال واقتناصه في شبكتهم. وإذا بملك الشمال، وهو في مصر، تبلغه هذه الأخبار فيبادر إلى العودة على جناح السرعة إلى فلسطين، مستشيطًا من الغضب لإفساد تلك الخطط التي دبرت ضده وضد جيوشه. فيصل إلى أورشليم في غياب الوحش ونبيه وملوكه عنها، ويحاصرها ويقتحمها وينهبها. فيفعل بها في عودته من مصر إليها ما سبق وفعله بها في هجومه من بلاده عليها وهو في طريقه إلى مصر. كما يقول الرب بفم زكريا النبي: «هوذا يوم للرب يأتي فيقسم سلبك في وسطك. وأجمع كل الأمم على أورشليم للمحاربة فتؤخذ المدينة وتنهب البيوت وتفضح النساء ويخرج نصف المدينة إلى السبي. وبقية الشعب لا تقطع من المدينة» (زكريا 1:14و2). ومع أن جيوش الغرب وملوكها وإمبراطورها ووزير دعايتها النبي الكذاب قد أعدوا العدة لتطويق المعسكر الشرقي حول أورشليم لفك الحصار وإنقاذ المدينة، ولكن لم يسعفهم الحظ إذ فاجأهم الرب وقضى عليهم وأبادهم عن بكرة أبيهم في وادي هرمجدون. وهكذا خاب رجالات إسرائيل في انتظار العون من جيوش الغرب ضد جيوش الشرق. فلم تسعفه لا في الأول ولا في الآخر. وصارت بلادهم لقمة سائغة في فم ملك الشمال قائد الجيوش الشيوعية الجرارة في مروره بهم إلى مصر وفي عودته منها إليهم وعن ذلك يقول لهم إشعياء النبي «لذلك اسمعوا كلام الرب يا رجال الهزء ولاه هذا الشعب الذين في أورشليم. لأنكم قلتم قد عقدنا عهدًا مع الموت وصنعنا ميثاقًا مع الهاوية. السوط الجارف إذا عبر لا يأتينا لإننا جعلنا الكذب ملجأنا وبالغش استترنا. لذلك هكذا يقول السيد الرب: هأنذا أؤسس في صهيون حجرًا حجر امتحان زاوية كريمًا أساسًا مؤسسًا. ن آمن لا يهرب. وأجعل الحق خيطًا والعدل مطمارًا فيخطف البرَد ملجأ الكذب ويجرف الماء الستارة. ويمحي عهدكم مع الموت ولا يثبت ميثاقكم مع الهاوية. السوط الجارف إذا عبر تكونون له للدوس كلما عبر يأخذكم فإنه كل صباح يعبر في النهار وفي الليل ويكون فهم الخبر فقط انزعاجًا. لأن الفراش قد قصر عن التمدد والغطاء ضاق عن الإلتحاف، لأنه كما في جبل فراصيم يقوم الرب وكما في الوطأ عند جبعون يسخط ليفعل فعله، فعله الغريب وليعمل عمله، عمله الغريب. فالآن لا تكونوا متهكمين لئلا تشدد ربطكم لأني سمعت فناء قضى به من قبل السيد رب الجنود على كل الأرض» (إشعياء 14:28ـ22).
ولا يفوتنا أن هجوم ملك الشمال، حليف الروس، لم يكن فقط بتحريض الروس ضدًا للامبراطورية الرومانية لغزو إسرائيل حليفها لانتزاع قدسها من الشرق ولتفرغ الروس أنفسهم للهجوم عليها في الغرب، ولم يكن فقط لمطامع عنده في فلسطين ينافس فيها ملك مصر، بل وكان أيضًا في الغالب إجابة لاستغاثة بالروس من جانب شرق الأردن ولبنان وعرب فلسطين ضد مطامع إسرائيل وتأييد جيوش الغرب له. لذلك في هجومه الأول من بلاده على فلسطين بعد عبوره نهر افرات، في طريقه إلى مصر ومجاوراتها، وفي عودته من هذه ثانية إلى فلسطين، تنضم إليه في الهجوم على إسرائيل لإذلاله ونهبه وسلبه، العراق وشرق الأردن ولبنان وعرب فلسطين وليبيا وأثيوبيا. ولا يشذ من هذه القاعدة إلا سوريا ومصر لذلك لا يسلمان هذان من أذيته مع أنهما سيكونان في حيدة عنه وعن غيره. وفي حين يسلم من أذيته شرق الأردن لأنه رأس المعاهدة معه كما يقول دانيال: «ويدخل إلى الأرض البهية» أرض إسرائيل «… وهؤلاء يفلتون من يده أدوم وموآب ورؤساء بني عمون» وهى أجزاء مملكة شرق الأردن «ويمد يده على الأراضي» أى الأراضي المجاورة التي هى سوريا «وأرض مصر لا تنجو، ويتسلط على كنوز الذهب والفضة وعلى كل نفائس مصر واللوبيون والكوشيون» أى الأثيوبيون وكل السودان حتى أسوان (حزقيال 10:29) «عند خطواته» أى في ركابه وتحت إمرته. ويقول آساف منبئًا عن تحالف العراق وشرق الأردن ولبنان وعرب فلسطين معه بناء على تآمرهم معًا وتعاهدهم معه وانضمامهم إليه للانتقام من إسرائيل: «لأنهم تآمروا بالقلب معًا. عليك تعاهدوا عهدًا. خيام أدوم والإسماعيليين، موآب والهاجريون، جبال وعمون وعماليق» وكلها واقعة في نطاق مملكة شرق الأردن «فلسطين» أى عرب فلسطين في مدنهم «مع سكان صور» هم جبل لبنان «أشور أيضًا اتفق معهم» وأشور هذا هو غازي البلاد الشمالي القديم وكان مركزه بلاد العراق الحالية، ويشار به إلى الغازي الشمالي الأخير الشيوعي، ولعل التسمية تدل على اشتمال تحالفه لبلاد العراق أيضًا «صاروا ذراعًا لبني لوط» (مزمور 5:83ـ7) وبنو لوط يقعون في نطاق شرق الأردن أيضًا.
فهذه الحملة ستكون إذًا مناصرة لشرق الأردن. وقد مر بنا أن ملك الشمال هذا، نصير شرق الأردن ضد إسرائيل، وحليف الروس ويدهم ضد الإمبراطورية الرومانية في الشرق. ستكون جيوشه مكونة من دول شرق أوروبا كألمانيا الشرقية وبولندا ورومانيا وبلغاريا واليونان، ومن دول غرب آسيا كتركيا وإيران والعراق «ثم سكب الملاك السادس جامه على النهر الكبير الفرات فنشف ماؤه لكي يعد طريق الملوك الذين من مشرق الشمس» (رؤيا 12:16) «فارس وكوش وفوط معهم، كلهم بمجن وخوذة. وجومر وكل جيوشه وبيت توجرمة من أقاصي الشمال مع كل جيوشه شعوبًا كثيرين معك» (حزقيال 5:38و6) وقيل رمزيًا عن ضخامة عدد الجيوش «وعدد جيوش الفرسان مئتا ألف ألف. وأنا سمعت عددهم» (رؤيا 16:9). وسيكون زعيم هذه الجيوش شخصية إغريقية عريقة في الحكمة اليونانية مع وحشية في الحملات الحربية «والتيس العافي ملك اليونان والقرن العظيم الذي بين عينيه هو الملك الأول» إسكندر المكدوني «وإذ انكسر» أى مات «وقام أربعة عوضًا عنه، فستقوم أربع ممالك من الأمة ولكن ليس في قوته. وفي آخر مملكتهم عند تمام المعاصي يقوم ملك جافي الوجه وفاهم الحيّل. وتعظم قوته» على ما رأينا من كثرة العدة والعدد وإحكام الخطة «ولكن ليس بقوته» لأنه إنما قائد لتحالف حربي أسيوي أوروبي خطير تتزعمه وتموّنه روسيا من وراء الستار «يهلك عجبًا، وينجح، ويفعل ويبيد العظماء وشعب القديسين. وبحذاقته ينجح أيضًا المكر في يده. ويعظم بقلبه. وفي الاطمئنان» لخلو البلاد من الجيوش الرومانية الكافية لصد الهجوم «يهلك كثيرين ويقوم على رئيس الرؤساء» أى شخص الرب «وبلا يد ينكسر» (دانيال 21:8ـ25) أى بالقوة الإلهية عند ظهور الرب وصعقه له مع جيوشه في وادي يهوشافاط كما قيل أيضًا عنه عند رجعته من مصر وإحاطته بأورشليم للمرة الثانية: «ويبلغ نهايته ولا معين له» (دانيال 45:11) والدليل أن هذه الشخصية الشمالية الخطيرة يكون مجيئها في نهاية أزمنة الأمم، وقول الملاك لدانيال عنها: «أن الرؤيا لوقت المنتهى… هانذا أعرفك ما يكون في آخر مملكتهم عند تمام المعاصي» (ع 3). وقضاء الرب على ملك الشمال يكون بعد أن يتنهي من قضائه على المعسكر الغربي في وادي هرمجدون ومدينة أورشليم «فيكون متى أكمل السيد كل عمله بجبل صهيون وبأورشليم إني أعاقب ثمر عظمة قلب ملك أشور وفخر رفعة عينيه. لإنه قال بقدرة يدي صنعت وبحكمتي. لإني فهيم. ونقلت تخوم شعوب ونهبت ذخائرهم وحططت الملوك كبطل. فأصابت يدي ثروة الشعوب كعش وكما يجمع بيض مهجور جمعت أنا كل الأرض… هل تفتخر الفأس على القاطع بها أو يتكبر المنشار على مردده؟ كأن القضيب يحرك رافعه، كأن العصا ترفع من ليس هو عودًا. لذلك يرسل السيد، سيد الجنود، على سمانه هزالاً ويوقد تحت مجده وقيدًا كوقيد النار. ويصير نور إسرائيل» أى الرب إله إسرائيل الذي أشرق بنوره على المعسكرين «ويصير نور إسرائيل نارًا وقدوسه لهيبًا فيحرق ويأكل حسكه وشوكه في يوم واحد. ويفنى مجد وعره وبستانه النفس والجسد جميعًا» يعني يفنيهما من على وجه الأرض إذ ليس للنفس فناء بل خلود في شقاء (متى 28:10) أو هناء (رؤيا 9:6ـ11) «فيكون لذوبان المريض» (إشعياء 12:10ـ18). وهذه الشعوب الشيوعية الشمالية الشرقية كان الرب قد أتى بها إلى بلاد فلسطين للانتقام بها حسب نِّبوة رموز البوق السادس والجام السادس، من الإسرائيليين المرتدين عن الله وراء الوحش والنبي الكذاب. كما يقول الرب هنا في أنبائه عن قضائه على هذه الشعوب: «ويل لأشور قضيب غضبي. والعصا في يدهم هى سخطي. على أمة منافقة أرسله، وعلى شعب سخطي أوصيه ليغتنم غنيمة وينهب نهبًا ويجعلهم مدوسين كطين الأزقة. أما هو فلا يفتكر هكذا ولا يحسب قلبه هكذا بل في قلبه أن يبيد ويقرض أممًا ليست بقليلة. فإنه يقول أليست رؤسائي جميعًا ملوكًا؟ … أفليس كما صنعت بالسامرة وبأوثانها أصنع بأورشليم وأصنامها؟» (إشعياء 5:10ـ11).
ولكن رغم ما في الغازي الشمالي من الأماني الباطلة في أرض الرب فإن الرب بعد أن ينتهي من تطهير أرضه وعاصمته أورشليم من الوحوش الغربية مع أشياعها الإسرائيلية، يخرج الرب من أورشليم ويقف على جبل الزيتون ويقضي على الجيوش الشيوعية المحيطة بأورشليم من كل جانب «فيخرج الرب ويحارب تلك الأمم كما في يوم حربه يوم القتال. وتقف قدماه في ذلك اليوم على جبل الزيتون الذي قدام أورشليم من الشرق فينشق جبل الزيتون من وسطه نحو الشرق ونحو الغرب واديًا عظيمًا جدًا وينتقل نصف الجبل نحو الشمال ونصفه نحو الجنوب. وتهربون في جواء جبالي لأن جواء الجبال يصل إلى آصل وتهربون كما هربتم من الزلزلة في أيام عزيا ملك يهوذا ويأتي الرب إلهي وجميع القديسين معك» (زكريا 3:14ـ5) «أضربوا بالبوق في صهيون صوتوا في جبل قدسي. ليرتعد جميع سكان الأرض لأن يوم الرب قادم لأنه قريب. يوم ظلام وقتام يوم غيم وضباب مثل الفجر ممتدًا على الجبال. شعب كثير وقوى لم يكن نظيره منذ الأزل ولا يكون أيضًا بعده إلى سني دور فدور. قدامه نار تأكل وخلفه لهيب يحرق. الأرض قدامه كجنة عدن وخلفه قفر خرب ولا تكون منه نحاة. كمنظر الخيل منظره ومثل الأفراس يركضون. كصريف المركبات على رؤوس الجبال يثبون. كزفير لهيب ناار تأكل قشًا. كقوم أقوياء مصطفين للقتال. منه ترتعد الشعوب. كل الوجوه تجمع حمرة. يجرون كأبطال. يصعدون السور كرجال الحرب ويمشون كل واحد في طريقه ولا يغيرون سلبهم. ولا يزاحم بعضهم بعضًا يمشون كل واحد في سبيله وبين الأسلحة يقعون ولا ينكسرون. يتراكضون في المدينة يجرون على السور يصعدون إلى البيوت يدخلون من الكوى كاللص. قدامه ترتعد الأرض وترتجف السماء. الشمس والقمر يظلمان والنجوم تحجز لمعانها. والرب يعطي صوته أمام جيشه. إن معسكره كثير جدًا. فإن صانع قوله قوي لأن يوم الرب عظيم ومخوف جدًا فمن يطيقه» (يوئيل 1:2ـ11). «نادوا بهذا بين الأمم. قدسوا حربًا أنهضوا الأبطال ليتقدم ويصعد كل رجال الحرب. اطبعوا سكاتكم سيوفًا ومناجلكم رماحًا. ليقل الضعيف بطل أنا. أسرعوا وهلموا يا جميع الأمم من كل ناحيَّةواجتمعوا. إلى هناك أنزل يا رب أبطالك. تنهض وتصعد الأمم إلى وادي يهوشافاط لإني هناك أجلس لأحاكم جميع الأمم من كل ناحية. أرسلوا المنجل لأن الحصيد قد نضج. هلموا دوسوا لأنه قد امتلأت المعصرة. فاضت الحياض لأن شرهم كثير. جماهير جماهير في وادي القضاء. لأن يوم الرب قريب في وادي القضاء. الشمس والقمر يظلمان والنجوم تحجز لمعانها. والرب من صهيون يزمجر ومن أورشليم يعطي صوته فترجف السماء والأرض. ولكن الرب ملجأ لشعبه وحصن لبني إسرائيل» (يوئيل 9:3ـ16).
«وهذه تكون الضربة التي يضرب بها الرب كل الشعوب الذين تجندوا على أورشليم، لحمهم يذوب وهم واقفون على أقدامهم وعيونهم تذوب في أوقاتها ولسانهم يذوب في فمهم. ويكون في ذلك اليوم أن اضطرابًا عظيمًا من الرب يحدث فيهم فيمسك الرجل بيد قريبه وتعلو يده على يد قريبه. ويهوذا أيضًا تحارب أورشليم وتجمع ثروة كل الأمم من حولها ذهب وفضة وملابس كثيرة جدًا. وكذا تكون ضربة الخيل واليغال والجمال والحمير وكل البهائم التي تكون في هذه المحال كهذه الضربة» (زكريا 12:14ـ15).
«هوذا اسم الرب يأتي من بعيد غضبه مشتعل والحريق عظيم. شفتاه ممتلئتان سخطًا ولسانه كنار آكلة. ونفخته كنهر غامر يبلغ إلى الرقبة. لغربلة الأمم بغربال السوء وعلى فكوك الشعوب رسن مضل. تكون لكم أغنية كليلة تقديس عيد وفرح قلب كالسائر بالناي ليأتي إلى جبل الرب صخر إسرائيل. ويسمع الرب جلال صوته ويرى نزول ذراعه بهيجان غضب ولهيب نار آكلة نوء وسيل وحجارة بَرد. لأنه من صوت الرب يرتاع أشور. بالقضيب يضرب» (إشعياء 27:30ـ31).
وفي هلاك جيوش ملك الشمال ستهلك أيضًأ جيوش المتحالفين معه من الأراضي العربية، كشرق الأردن وعرب فلسطين ولبنان، مبدئيًا على يد نفس الجيوش الشرقية الشيوعية المغيرة التي استعانوا بها ضد إسرائيل. لأنه وإن فلت بعضهم منها عند نزولها إلى مصر، فسوف لا ينجو أحدهم منها عند عودتها من مصر. فستكتسح الكل على الأقل بحكم الاتفاقيات العسكرية والدفاع المشترك «قل لبني عمون» أحد أجزاء شرق الأردن «إسمعوا كلام السيد الرب: من أجل أنك قلت هه على مقدسي لأنه تنجس» أى امتهنت كرامته بتخريبه على يد جيوش ملك الشمال «وعلى أرض إسرائيل لأنها خربت، وعلى بيت يهوذا لأنهم ذهبوا إلى السبي، فلذلك هانذا أسلمك لبني المشرق ملكًا فيقيمون صيرهم فيك ويجعلون مساكنهم فيك. هم يأكلون غلتك وهم يشربون لبنك. وأجعل ربة مناخًا للأبل وبني عمون مربضًا للغنم» أى معسكرًا ومركز تموين «فتعلمون إني أنا الرب. لأنه … من أجل أنك صفقت بيديك وخبطت برجليك وفرحت بكل إهانتك للموت على أرض إسرائيل» بتخريبها على يد ملك الشمال «فلذلك هأنذا أمد يدي عليك وأسلمك غنيمة للأمم وأستأصلك من الشعوب وأبيدك من الأراضي» وهذا بقضاء الرب الشخصي له «أخربك فتعلم إني أنا الرب.
هكذا قال الرب من أجل أن موآب وسعير» أجزاء من شرق الأردن «فيقولون: هوذا بيت يهوذا مثل كل الأمم. لذلك هأنذا أفتح جانب موآب من المدن. من مدنه من أقصاها بهاء الأرض … لبني المشرق على بني عمون وأجعلهم ملكًا لكيلا يذكر بنو عمون بين الأمم. وبموآب أجري أحكامًا، فيعلمون إني أنا الرب.
هكذا قال السيد الرب، من أجل أن أدوم» وهى من أجزاء شرق الأردن أيضًا «قد عمل بالانتقام على بيت يهوذا وأساء إساءة وانتقم منه، لذلك هكذا قال السيد الرب، وأمد يدي على آدوم وأقطع منها الإنسان والحيوان وأصيرها خرابًا … وأجعل نقمتي في آدوم بيد شعبي إسرائيل فيفعلون بآدوم كغضبي وكسخطي فيعرفون نقمتي يقول السيد الرب.
هكذا قال السيد الرب، من أجل أن الفلسطينيين» وهم عرب فلسطين «قد عملوا بالانتقام وانتقموا نقمة بالإهانة إلى الموت للخراب من عداوة أبدية، فلذلك هكذا قال السيد الرب: هاأنذا أمد يدي على الفلسطينيين واستأصل الكريتيين وأهلك بقية ساحل البحر وأجري عليهم نقمات عظيمة بتأديب سخط فيعلمون إني أنا الرب إذ أجعل نقمتي عليهم».
«من أجل صور» لبنان «قالت على أورشليم هه قد انكسرت» في هجوم ملك الشمال عليها في نزوله إلى مصر وخروجه منها، «مصاريع الشعوب. قد تحولت إلى. امتليء إذ خربت. لذلك هكذا قال السيد الرب: هاأنذا عليك، يا صور، فأصعد عليك أممًا كثيرة كما يعلي البحر أمواجه. فيخربون أسوار صور ويهدمون أبراجها وأسحى ترابها عنها وأصيرها ضح الصخر. فتصير مبسطًا للشباك في وسط البحر، لأني أنا تكلمت يقول السيد الرب. وتكون غنيمة للأمم. وبناتها» أي المدن التابعة للعاصمة «وبناتها اللواتي في الحقل تقتل بالسيف فيعلمون أني أنا الرب» (حزقيال 25و1:26ـ6) هذا ما حصل لهذه الدول على يد غازي القدم، وهو المنبأ به لما سيحصل أخيرًا على يد آخر وأروع غازي شمالي للشرقين الأوسط والأدنى.

على أن هلاك الدول المجاورة لإسرائيل والمعاونة للشيوعيين سوف لا يكون فقط على يد هؤلاء الشيوعيين بحكم اندماجهم معهم في الحروب ضد إسرائيل واستغلال الشيوعيين لهذه الدول وهى تعسكر وتغدو وتروح فيها، بل أيضًا سيكون هلاكها الختامي على يد الرب نفسه وهو يهلك جيوش الشيوعيين معاونيهم إذ سيهلكهم معه. بل وسيكون هلاكهم أيضًا مع الجيوش الشيوعية على يد بعض رجالات يهوذا وإسرائيل العسكريين الذين سيتشددون للهجوم عليهم والظفر بهم في ركاب الرب. وهذا ما يقوله الأنبياء القدامى: «وأجعل نقمتي في آدوم» جزء من شرق الأردن «بيد شعبي إسرائيل فيفعلون بآدوم كغضبي وكسخطي فيعرفون نقمتي، يقول السيد الرب» (حزقيال 14:25) «وينقضان» يهوذا وإسرائيل «على أكتاف الفلسطينيين غربًا، وينهبون بني المشرق معًا. يكون على آدوم ومؤاب» جزء من شرق الأردن «إمتداد يدهما، وبنو عمون» جزء من شرق الأردن «وبنو عمون في طاعتهما» (إشعياء 14:11) «يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل فيحطم طرفي موآب ويهلك كل بني الوغى. ويكون آدوم ميراثًا ويكون سعير أعداؤه ميراثًا. ويصنع إسرائيل ببأس. ويتسلط الذي من يعقوب ويهلك الشارد من مدينة» (عدد 17:24ـ19) «إذا دخل أشور في أرضنا وإذا داس في قصورنا نقيم عليه سبعة رعاة وثمانية من أمراء الناس. فيرعون أرض أشور بالسيف وأرض نمرود في أبوابها فينقذ من أشور إذا دخل أرضنا وإذا داس تخومنا» (ميخا 5:5) «يقول الرب باسط السموات ومؤسس الأرض وجابل روح الإنسان في داخله: هاأنذا أجعل أورشليم كأس ترنح لجميع الشعوب حولها وأيضًا على يهوذا تكون في حصار أورشليم. ويكون في ذلك اليوم أني أجعل أورشليم حجرًا مشوالاً لجميع الشعوب وكل الذين يشيلونه ينشقون شقًا. ويجتمع عليها كل أمم الأرض. في ذلك اليوم، يقول الرب: أضرب كل فرس بالحيرة وراكبه بالجنون. وأفتح عيني بيت يهوذا وأضرب كل خيل الشعوب بالعمي. فتقول أمراء يهوذا في قلبهم إن سكان أورشليم قوة لي برب الجنود إلههم. في ذلك اليوم أجعل أمراء كمصباح نار بين الحطب وكمشعل نار بين الحزم فيأكلون كل الشعوب حولهم عن اليمين وعن اليسار فتثبت أورشليم أيضًا في مكانها بأورشليم» (زكريا 1:12ـ6) «لذلك فانتظروني، يقول الرب إلى يوم أقوم إلى السلب لأن حكمي هو بجمع الأمم وحشر الممالك لأصب عليهم سخطي كل حمو غضبي لأنه بنار غيرتي تؤكل كل الأرض» (صفنيا 8:3) «وأقلب كرسي الممالك وأبيد قوة ممالك الأمم وأقلب المركبات والراكبين فيها وينحط الخيل وراكبوها كل منها بسيف أخيه» (حجيَّ 22:2) «نعست رعاتك، يا ملك أشور، اضطجعت عظماؤك تشتت شعبك على الجبال ولا من يجمع. ليس جبر لانكسارك. جرحك عديم الشفاء. كل الذين يسمعون خبرك يصفقون بأيديهم عليك لأنه على من لم يمر شرك على الدوام؟» (ناحوم 18:3و19) «ويقيم عليه رب الجنود سوطًا كضربة مديان عند صخرة غراب وعصاه على البحر ويرفعها على أسلوب مصر. ويكون في ذلك اليوم أن حمله يزول عن كتفك ونيره عن عنقك» (إشعياء 26:10و27). «وهكذا قال السيد الرب، هاأنذا عليك، يا جبل سعير، وأمد يدي عليك وأجعلك خرابًا مقفرًا … لأنه كانت لك بغضة أبدية ودفعت بني إسرائيل إلى يد السيف في وقت مصيبتهم، وقت إثم النهاية. لذلك حيّ أنا، يقول السيد الرب، إني أهيّئك للدم والدم يتبعك، إذ لم تكره الدم فالدم يتبعك … وأصيرك خربًا أبدية … لأنك قلت أن هاتين الأمتين وهاتين الأرضين» أرض يهوذا وأرض إسرائيل «تكونان لي فنمتلكهما والرب كان هناك. فلذلك حيّ أنا، يقول السيد الرب: لأفعلن كغضبك وكحسدك اللذين عاملت بهما من بغضتك لهم … قد سمعت كل أهانتك التي تكلمت بها على جبال إسرائيل قائلاً: قد خربت، قد أعطيناها ماكلاً … تكون خرابًا، يا جبل سعير، أنت وكل أدوم بأجمعها» (حزقيال 35) «من ذا الآتي من أدوم بثياب حمر، من بصرة، هذا البهي بملابسه المتعظم بكثرة قوته؟ أنا المتكلم بالبر» أى بالعدل مع الظالمين «العظيم للخلاص» منهم «ما بال لباسك محمر وثيابك كدائس المعصرة؟ قد دست المعصرة وحدي ومن الشعوب لم يكن معي أحد. فدستهم بغضبي ووطئتهم بغيظي فرش عصيرهم على ثيابي فلطخت كل ملابسي. لأن يوم النقمة» من أعداء إسرائيل «في قلبي وسنة مفديي» أى فرصة هناء أتقياء إسرائيل المعذبين من مضايقهم «قد أتت» (إشعياء 1:63ـ6).

رجوع إسرائيل


«إله الآلهة الرب تكلم ودعا الأرض من مشرق الشمس إلى مغربها. من صهيون كمال الجمال الله أشرق. يأتي إلهنا ولا يصمت. نار قدامه تأكل وحوله عاصف جدًا. يدعو السموات من فوق والأرض إلى مداينة شعبه. إجمعوا إليَّ أتقيائي القاطعين عهدي على ذبيحة. وتخبر السموات بعدله لأن الله هو الديان» (مزمور 1:50ـ6).
في الشهر الأول من ظهور الرب ينتهي الرب، على الوجه السالف، من القضاء على أعداء إسرائيل الغربيين والشرقيين والمجاورين. وبعد ذلك تبدأ حوادث الخمسة والأربعين يومًا اللاحقة (دانيال 5:12ـ13) وهى: أولاً إرجاع إسرائيل، الهارب، إلى بلاده، ثم القضاء على الأمم الجداء وجوج وجمهوره، ثم طرح الشيطان وملائكته إلى الهاوية، ثم إقامة الملك بمتنوّع أمجاده. ولتبدأ برجوع إسرائيل.
لقد تركنا إسرائيل في البوق الخامس هاربًا من بلاده من وجه اضطهاد الوحش الجهنمي لغير عابديه، مشتتًا في برية الشعوب، حاملاً لهم بشارة الملكوت، صائرًا لمن رحبوا به من بين هؤلاء الوثنيين سبب خلاص أبدي إذ ببشارته لهم تابوا عن وثنيتهم وآمنوا بإله إسرائيل وانتظروا معه ظهور مسيحه للملك والهناء. ومثلهم في ذلك مَثل راحاب الوثنية التي بسبب توبتها إلى إله إسرائيل وإيمانهم به، قبلت الجاسوسين وآوتهم بسلام، فنجت هى وذووها دون كل أهل وطنها (يشوع 2و6). ومثلهم أيضًا مثل راعوث التي استفادت من تغرب نعمي الإسرائيلية في بلادها فشاركتها في إيمانها وبركاتها دون سلفتها وأهل وطنها (راعوث 1و2).
والآن بعد أن تطهرت بلاد إسرائيل من كل أعدائه بقى الآن أن يرجع إسرائيل، ولكن بأي وسيلة يرجعون؟
لو فحصنا بتدقيق ما جاء في الفصول السابقة نجد أن مدنية العالم الحاضر والابتكارات البشرية والتقدم والنجاح الظاهرين الآن، ستندثر جميعها نتيجة الحروب المتتالية بين الأمم وبعضها من جهة، وتنفيذ دنيوات غضب الله على العالم من جهة أخرى. فيرجع التمدن الظاهر الآن، القهقري أجيالاً إلى الوراء. لأن الأمم التي ستبقى ستكون من الأمم الوثنية غير المتحضرة. فيرجع العالم إلى حالة بدائية بعد التخريب التام، كما كانت الحال بعد الطوفان واندثار مدنية ما قبل الطوفان نجد لمحة بسيطة عنها في (تكوين 17:4ـ22).
«وأرسل منهم ناجين» الإشارة إلى الهاربين من بلادهم في وقت الوحش «إلى الأمم، إلى ترشيش وفول ولود النازعين في القوس، إلى توبال وياوان، إلى الجزائر البعيدة التي لم تسمع خبري ولا رأت مجدي. فيخبرون بمجدي بين الأمم ويحضرون» أى أن هؤلاء الأمم يحضرون «كل إخوتكم» أى الإسرائيليين الهاوبين «من كل الأمم تقدمة للرب على خيل وبمركبات وبهوادج وبغال وهجن إلى جبل قدسي أورشليم» (إشعياء 19:66و20).
«هكذا قال السيد الرب: ها أني أرفع إلى الأمم يدي وإلى الشعوب أقيم رايتي. فيأتون بأولادك في الأحضان. وبناتك على الأكتاف يحملن، ويكون الملوك حاضنيك وسيداتهم مرضعاتك. بالوجوه إلى الأرض يسجدون لك ويلحسون غبار رجليك فتعلمين أني أنا الرب الذي لا يخزي منتظروه» (إشعياء 22:49و23).
فسوف لا يكون حينذاك وسائل للمواصلات بأنواعها الظاهرة الآن من برية وبحرية وجوية ولا وسائل مخابرات بريدية أو سلكية أو لا سلكية. علاوة على انعدام كل الوسائل الاقتصادية.
ففي هذه الحالة يتداخل الله في جمع مختاريه من أقصاء الأرض إلى أقصائها بواسطة ملائكته «فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت. فيجمعون مختاريه من الأربع الرياح من أقصاء السموات إلى أقصائها» (متى 31:24). «لذلك ها أيام تأتي يقول الرب ولا يقال بعد حيّ هو الرب الذي أصعد بني إسرائيل من أرض مصر. بل حيّ هو الرب الذي أصعد بني إسرائيل من أرض الشمال. ومن جميع الأراضي التي طردهم إليها فأرجعهم إلى أرضهم التي أعطيت آباءهم إياها» (إرميا 14:16و15). «ويكون في ذلك اليوم أن الرب يجني من مجرى النهر ـ الفرات ـ إلى وادي مصر. وأنتم تلتقطون واحدًا واحدًا يا بني إسرائيل. ويكون في ذلك اليوم أنه يضرب ببوق عظيم فيأتي التائهون في أرض أشور والمنفيون في أرض مصر ويسجدون للرب في الجبل المقدس في أورشليم». (إشعياء 12:27ـ13). «هكذا قال رب الجنود: هأنذا أخلص شعبي من أرض المشرق ومن أرض مغرب الشمس. وآتي بهم فيسكنون في وسط أورشليم ويكونون لي شعبًا وأنا أكون لهم إلهًا بالحق والبر» (زكريا 7:8و8). «بعد ذلك يعود بنو إسرائيل ويطلبون الرب إلههم وداود ملكهم، ويفزعون إلى الرب وإلى جوده في آخر الأيام (هوشع 5:3) «في ذلك اليوم يستر الرب سكان أورشليم فيكون العاثر منهم في ذلك اليوم مثل داود وبيت داود، مثل الله، مثل ملاك الرب أمامهم. ويكون في ذلك اليوم إني ألتمس هلاك كل الأمم الآتين على أورشليم» (زكريا 8:12و9).

إحياء الأمة واتحادها
وكان إلىّ كلام الرب قائلاً: وأنت يا ابن آدم خذ لنفسك عصا واحدة واكتب عليها ليهوذا ولبني إسرائيل رفقائه. وخذ عصا أخرى واكتب عليها ليوسف عصا أفرايم وكل بيت إسرائيل رفقائه وأقرنهما الواحدة بالأخرى كعصا واحدة فتصيرا واحدة في يدك. فإذا كلمك أبناء شعبك قائلين أما تخبرنا ما لك وهذا. فقل لهم: هكذا قال السيد الرب. هأنذا آخذ عصا يوسف التي في يد أفرايم وأسباط إسرائيل رفقاءه وأضم إليها عصا يهوذا وأجعلهم عصا واحدة فيصيرون واحدة في يدي. وتكون العصوان اللتان كتبت عليهما في يدك أمام أعينهم وقل لهم: هكذا قال السيد الرب. هأنذا آخذ بني إسرائيل من بين الأمم التي ذهبوا إليها وأجمعهم من كل ناحيَّةوآتي بهم إلى أرضهم. وأصيّرهم أمة واحدة في الأرض على جبال إسرائيل وملك واحد يكون ملكًا عليهم كلهم ولا يكونون بعد أمتين ولا ينقسمون بعد إلى مملكتين. ولا يتنجسون بعد بأصنامهم ولا برجاساتهم ولا بشيء من معاصيهم بل أخلصهم من كل مساكنهم التي فيها أخطأوا وأطهرهم فيكونون لي شعبًا وأنا أكون لهم إلهًا. وداود عبدي يكون ملكًا عليهم ويكون لجميعهم راع واحد فيسلكون في أحكامي ويحفظون فرائضي ويعلمون بها. ويسكنون في الأرض التي أعطيّت عبدي يعقوب إياها التي سكنها آباؤكم ويسكنون فيها هم وبنوهم وبنو بنيهم إلى الأبد وعبدي داود رئيس عليهم إلى الأبد. وأقطع معهم عهد سلام فيكون معهم عهدًا مؤبدًا وأقرهم وأكثرهم وأجعل مقدسي في وسطهم إلى الأبد. ويكون مسكني فوقهم وأكون لهم إلهًا ويكونون لي شعبًا. فتعلم الأمم إني أنا الرب مقدس إسرائيل إذ يكون مقدسي في وسطهم إلى الأبد» (حزقيال 15:37ـ28).
«لذلك هكذا قال السيد الرب: الآن أرد سبي يعقوب وأرحم كل بيت إسرائيل وأغار على اسمي القدوس. فيحملون خزيهم وكل خيانتهم التي خانوني إياها عند سكنهم في أرضهم مطمئنين ولا مخيف. عند إرجاعي إياهم من الشعوب وجمعي إياهم من أراضي أعدائهم وتقديسي فيهم أمام عيون أمم كثيرون. يعلمون أني أنا الرب إلههم بإجلائي إياهم إلى الأمم ثم جمعهم إلى أرضهم. ولا أترك بعد هناك أحدًا منهم. ولا أحجب وجهي عنهم بعد لأني سكبت روحي على بيت إسرائيل يقول السيد الرب» (حزقيال 25:39ـ29).
«ويكون في ذلك اليوم أن السيد يعيد يده ثانية ليقتني بقية شعبه التي بقيّت من أشور ”العراق“ ومن مصر ”السفلي“ ومن فتروس ”مصر العليا“ ومن كوش ”الحبشة“ ومن عيلام ”إيران“ ومن شنعار ”الموصل“ ومن حماة ”سوريا“ ومن جزائر البحر ”كل دول أوروبا ومستعمراتها“. ويرفع راية للأمم ويجمع منفيي إسرائيل ويضم مشتتي يهوذا من أربعة أطراف الأرض. فيزول حسد أفرايم وينقرض المضايقون من يهوذا أفرايم لا يحسد يهوذا ويهوذا لا يضايق أفرايم» (إشعياء 11:11ـ13). «هكذا قال رب الجنود: هأنذا أخلص شعبي من أرض المشرق ومن أرض مغرب الشمس. وآتي بهم فيسكنون في وسط أورشليم ويكونون لي شعبًا وأنا أكون لهم إلهًا بالحق والبر» (زكريا 7:8و8). «إني أجمع جميعك يا يعقوب. أضم بقية إسرائيل أضمهم معًا كغنم الحظيرة كقطيع في وسط مرعاه يضج من الناس. قد صعد الفاتك أمامهم. يقتحمون ويعبرون من الباب ويخرجون منه ويجتاز ملكهم أمامهم والرب في رأسهم» (ميخا 12:2) راجع أيضًا (إرميا 5:23ـ8، زكريا 6:10ـ12، هوشع 10:1و11).
ويقال إن هؤلاء الأسباط المفقودين يسكنون الآن في أواسط آسيا بأرض الصين وأفغانستان ولبوخستان وتركستان. وقد اكتشف مواضعهم أحد المبشرين الإنجليز في سنة 1860م. وذلك تأكيدًا لما قيل: «هؤلاء من بعيد يأتون وهؤلاء من الشمال ومن المغرب وهؤلاء من أرض سينيم ”الصين“» (إشعياء 12:49).
وتوجد مواضع كثيرة غير هذا تنبيء عن رجوع إسرائيل الجديد إلى أرض الميعاد. وسيكون ذلك الرجوع موضوع فرحههم وترنمهم، الذي نقرأ صداه في المزامير الخمسة عشر المسماة ترنيمات المصاعد (مزمور 120ـ134).

تعرفهم بالرب يسوع ملكهم كالرب إلههم
يقول الرسول وصفًا لحال إسرائيل الآن في عصيانه، ولحاله فيما بعد توبته وإيمانه، «وليس كما كان موسى يضع برقعًا على وجهه لكي لا ينظر بنو إسرائيل إلى نهاية الزائل. بل أغلظت أذهانهم لأنه حتى اليوم ذلك البرقع نفسه عند قراءة العهد العتيق، باق غير منكشف الذي يبطل في المسيح. لكن حتى اليوم حين يقرأ موسى البرقع موضوع على قلبهم» أى كما كان مجد الرب يسوع الساطع قديمًا في وجه موسى، مجهولاً عندهم بسبب البرقع الذي طلبوا وضعه على وجهه لعجزهم عن معاينة هذا المجد لذلك هذا المجد نفسه، مجد الرب يسوع كالفادي والملك والرب الإله، المجد الساطع في كتب موسى في العهد القديم في الرموز والنِّبوات، هذا المجد لا يزال مجهولاً عندهم بسبب برقع الجهل الذي وضعوه على قلوبهم بسبب غلاظة قلوبهم في عدم توبتها. «ولكن عندما يرجع إلى الرب يرفع البرقع» (كورنثوس الثانية 13:3ـ16). أى كما كان موسى عندما يرجع من عند الشعب إلى الرب يرفع البرقع عن وجهه ليعاين مجد الرب بوجه مكشوف، كذلك عندما يرجع إسرائيل إلى الرب، بعد اختطاف الكنيسة، يعاين مجد الرب يسوع كملكه وفاديه. وأخيرًا عندما يرجع الرب إليه في ظهوره حينئذ يعاين مجده كالرب إلهه. وحينئذ ينطبق عليه ما ينطبق علينا الآن «ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف» (كورنثوس الثانية 18:3).
فهم لن يروه بعيونهم وتنكشف لهم حقيقة لاهوته، ما لم يؤمنوا به مبدئيًا، بعد اختطاف الكنيسة، أنه ملكهم الذي سبق ورفضوه كما قال لهم، تبارك اسمه: «الحق أقول لكم أنكم لا ترونني من الآن حتى تقولوا: مبارك الملك الآتي باسم الرب» (متى 39:23) أى ما لم تؤمنوا أنني الملك الحقيقي الآتي لكم والمقام لكم من قِبل الله. وإذ يؤمنون به ويظهر لهم ويقضي على أعدائهم ويتفرغون للتطلع فيه، يجدون في يديه جروحًا فيسألونه: «ما هذه الجروح في يديك؟ فيقول: هى التي جرحت بها في بيت أحبائي» (زكريا 6:13) أى من جرحني هذه الجروح إلا أنتم قديمًا؟ فيكتشفون، لدهشتهم، أن الرب إلههم الذي نزل بملائكته وقديسيه إليهم وخلصهم من أعدائهم، هو نفسه يسوع المسيح ملكهم الذي سبق ورفضوه وصلبوه كمجدف، ولما صرح لهم قديمًا بحقيقة لاهوته. فيصعقون عندما يلمسون بأيديهم أن جريمتهم القديمة لم تكن في حق ملكهم فقط، بل والرب إلههم أيضًا. وكما صعق توما عند رؤياه ليسوع مقامًا بعد موته، وشعوره بحقيقة لاهوته لا بقيامته فقط، بل وبمعرفته بما جرى منه مع التلاميذ من حديث عدم الإيمان، وصرخ معترفًا بملكوت الرب يسوع ولاهوته قائلاً: «ربي وإلهي!» (يوحنا 28:20)، هكذا سيفعل إسرائيل عند رفع البرقع عن وجهه ورؤياه الحقيقة السافرة. وكما صعق شاول الطرسوسي الذي كان يضطهد الرب يسوع كمجدف عندما ظهر الرب بمجده الإلهي، ولكن في غنى نعمته خاطبًا وده، وألقى سلاحه وسلم نفسه قائلاً: «يا رب!، ماذا تريد أن أفعل؟» (أعمال 6:9). هكذا سيفعل إسرائيل عندما يكتسف أن يسوع الذي صلبه ليس هو ملكه فقط، بل وربه وإلهه أيضًا. وكما صعق إخوة يوسف عندما اكتشفوا أن الأمير المصري الذي إليه أذنبوا، وفي يده موتهم أو حياتهم، إنما هو يوسف أخوهم الذي في حقه كان الذنب الحقيقي القديم المستوجب كل انتقام فارتاعوا منه (تكوين 3:45). هذا سيكون حال بني إسرائيل، عندما يظهر الرب يسوع نفسه لهم في حقيقته التي كانت مجهولة منهم «لأنهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد» (كورنثوس الأولى 8:2). فسيسقط في يدهم وتلجم ألسنتهم عن الكلام ويتأسفوا غاية الأسف لجسامة جريمتهم القديمة ويغتاظوا غاية الاغتياظ من أنفسهم لغباوتهم التي أردتهم في هذه الحفرة، كما حصل بين يوسف وإخوته «وقال يوسف لإخوته: أنا يوسف. أحيّ أبي بعد؟ فلم يستطع إخوته أن يجيبوه لأنهم ارتاعوا منه. فقال يوسف لإخوته، تقدموا إليَّ. فتقدموا. فقال: أنا يوسف أخوكم الذي بعتموه إلى مصر. والآن لا تتأسفوا ولا تغتاظوا لأنكم بعتموني إلى هنا. لأنه لاستبقاء حياة أرسلني الله قدامكم … ثم وقع على عنق بنيامين أخيه وبكى. وبكى بنيامين على عنقه. وقَبَل جميع إخوته وبكى عليهم. وبعد ذلك تكلم إخوته معه» (تكوين 1:45ـ15).
وهكذا إذ يفاجأ الأتقياء بحقيقة لاهوت يسوع، الذي سبق وصلبوه، وإذ يغمرون بعطفه ولطفه وصفحه وغفرانه وبركاته، تنفجر عواطفهم من شدة التأثر شعورًا بذنبهم، وفرحًا بغنى النعمة التي انتقلوا فجأة إليها، حين كانوا لا يتوقعون إلا أقسى أنواع الإنتقام. فيجهشون بالبكاء توبة وإيمانًا وفرحًا وشكرًا وتعبدًا وتمجيدًا «وأفيض على بيت داود وعلى سكان أورشليم روح النعمة والتضرعات فينظرون إلى الذي طعنوه وينوحون عليه كنائح على وحيد له ويكونون في مرارة عليه كمن هو في مرارة على بكره. في ذلك اليوم يعظم النوح في أورشليم كنوح هدد رمون في بقعة مجدّون. وتنوح الأرض عشائر عشائر على حدتها، عشيرة بيت داود على حدتها ونساؤهم على حدتهن … كل العشائر الباقية عشيرة عشيرة على حدتها ونساؤهم على حدتهن. في ذلك اليوم يكون ينبوع مفتوحًا لبيت داود ولسكان أورشليم للخطية وللنجاسة» (زكريا 10:12ـ 1:13).

دينونة الأحياء
ومع جمع إسرائيل إلى بلاده، سيجمع معهم أيضًا شعوب الأرض ليجازي معهم بالبركة الألفية الذين آووهم أثناء شتاتهم الأخير من وجه الوحش وقبلوا الإيمان على أيديهم. وليجازي باللعنة الأبدية، الذين رفضوا قبولهم وإيوائهم خوفًا من الوحش أو مجاملة له.
«ومتى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه، فحينئذ يجلس على كرسي مجده. ويجتمع أمامه جميع الشعوب، فيميّز بعضهم من بعض كما يميّز الراعي الخراف من الجداء. فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار. ثم يقول الملك للذين عن يمينه تعالوا يا مباركي أبي رثوا المُلك المعد لكم منذ تأسيس العالم. لأني جعت فأطعمتموني. عطشت فسقيتموني. كنت غريبًا فآويتموني. عريانًا فكسوتموني. مريضًا فزرتموني. محبوسًا فأتيتم إلىَّ. فيجيبه الأبرار حينئذ قائلين: يا رب متى رأيناك جائعًا فأطعمناك. أو عطشانًا فسقيناك. ومتى رأيناك غريبًا فآويناك. أو عريانًا فكسوناك. ومتى رأيناك مريضًا أو محبوسًا فأتينا إليك! فيجيب الملك ويقول لهم: الحق أقول لكم بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم.
ثم يقول أيضًا للذين عن اليسار اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المُعدة لإبليس وملائكته لأني جعت فلم تطعموني، عطشت فلم تسقوني. كنت غريبًا فلم تأووني. عريانًا فلم تكسوني. مريضًا ومحبوسًا فلم تزوروني. حينئذ يجيبونه هم أيضًا قائلين: يا رب متى رأيناك جائعًا أو عطشانًا أو غريبًا أو عريانًا أو مريضًا أو محبوسًا ولم نخدمك؟ فيجيبهم قائلاً: الحق أقول لكم بما أنكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الأصاغر فبي لم تفعلوا. فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي والأبرار إلى حياة أبدية» (متى 31:25ـ46).
إن التعبير بالقول ”الدينونة العامة“ ”أو القيامة العامة“ أمر كثير الورود في لغة الذين. غير أنه لا يوجد في الكتاب المقدس ما يبرر هذا التعبير، ولم يستدل منه عن الآراء التي تتداولها الألسن في هذه العبارات.
ولقد جرى العالم المسيحي خطأ، على الاعتقاد أن الدينونة إنما هى حادثة عظمى تحدث عند انقضاء العالم. فيها يقف جميع الخلائق البشرية، من قديسين وأشرار، يهود ومسيحيين وأمم، وأحياء وأموات، أمام العرش العظيم وهناك يدان الجميع مرة واحدة!! ولكن هذا الاعتقاد يخالف تعاليم الكتاب. الذي يعرفنا عن دينونتين تختلف إحداهما عن الأخرى: الأولى هى دينونة الأحياء والثانية هى دينونة الأموات. ودينونة الأحياء ـ وهى موضوع هذا الفصل ـ تحدث عند ظهور المسيح بمجده. «فكما يجمع الزوان ويحرق بالنار، هكذا يكون في انقضاء هذا العالم. يرسل ابن الإنسان ملائكته فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلي الإثم. ويطرحونهم في أتون النار» (متى 40:12ـ43).
وأما مكان هذه الدينونة فهو وادي يهوشافاط «أجمع كل الأمم وأنزلهم إلى وادي يهوشافاط وأحاكمهم هناك على شعبي وميراثي إسرائيل الذين بددوهم بين الأمم وقسموا أرضي» (يوئيل 2:3) «وتنهض وتصعد الأمم إلى وادي يهوشافاط لأني هناك أجلس لأحاكم جميع الأمم من كل ناحية. وأرسلوا المنجل لأن الحصيد قد نضج. هلموا دوسوا لأنه قد امتلأت المعصرة. فاضت الحياض لأن شرهم كثير. جماهير جماهير في وادي القضاء لأن يوم الرب قريب في وادي القضاء» (يوئيل 12:3ـ14).
ونتيجة هذه الدينونة هى خلاص البعض ليتمتعوا بالسلام في عصر المُلك الألفي، وهلاك البعض الآخر فيذهبوا إلى النار المُعدة لإبليس وجنوده، مبدئيًا إلى سجن الأرواح وبعد ذلك إلى البحيرة المتقدة بالنار.
وأما أساس هذه الدينونة، فهى معاملة الأمم في زمان الضيقة لأتقياء اليهود الذين يهربون إليهم من اضطهاد الوحش والنبي الكذاب، والمسيح يدعوهم إخوته (متى 40:25ـ45).
وهؤلاء الإخوة هم أتقياء إسرائيل الراجعين من شتاتهم الأخير. فبعد القضاء على الوحش والنبي الكذاب وجنودهما، ثم القضاء على تحالف ملك الشمال أو الأشوري وجمهوره، سيأتي إلى وادي القضاء ”يهوشافاط“ جمهور الأمم الذين هرب إليهم اليهود المضطهدين وبعضهم قد قبلوا بشارة الملكوت وعاملوا اليهود المبشرين لهم بالرأفة والعطف، وهؤلاء هم الخراف. والبعض الآخر أهملوا الدعوة ثم امتنعوا في الازدراء بأولئك المبشرين، وهؤلاء هم الجداء. والخراف أيضًا هم الذين يشار إليهم بالجمع الكثير الذي لم يستطع أحد أن يعده من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة واقفون أمام العرش وأمام الخروف متسربلين بثياب بيض وفي أيديهم سعف النخل (رؤيا 9:7ـ17).
فسيكون بين كل أمة من يقبلهم ويأويهم. لذلك يكسبون اليهود أصدقاء لهم بمال الظلم فيقبلهم اليهود معهم على يد ملكهم الرب يسوع في المظال الأبدية أى المُلك الألفي. كما قال الرب يسوع «اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم» الذي في أيديكم «حتى إذا فنيتم» أى تلاشيتم في مركزكم المالي كما حصل لوكيل الظلم بإقالته من وظيفته، وكما سيحصل لهؤلاء الأمميين، الذين يعولون إسرائيل، من فناء في مركزهم المالي بسبب ما يضايقهم به الوحش من قطع العلاقات معهم ومنع المؤن عنهم بدليل قول الرائي عنهم أنهم «الذين أتوا من الضيقة العظيمة» (رؤيا 14:7) «يقبلونكم في المظال الأبدية» (لوقا 9:16) كما قبل وكيل الظلم في بيوت أصدقائه وكما سيقبل هؤلاء الأمم في المُلك الألفي على فم الرب يسوع كما هو مكتوب «ثم يقول الملك للذين عن يمينه تعالوا: يا مباركي أبي، رثوا الملك المعد لكم منذ تأسيس العالم» (متى 34:25).
أما الدينونة الأخيرة وهى دينونة الأموات الأشرار، فزمانها المُعيّن بعد انقضاء الألف السنة، ومكانها أمام العرش الأبيض العظيم (رؤيا 11:20). ونتيجتها الطرح في بحيرة النار والكبريت (رؤيا 15:20) وسيأتي الكلام عنها في موضعه.
والمسيح هو الذي سيقوم بإجراء هاتين الدينونتين: دينونة الأحياء ودينونة الأموات لأنه ديان الطرفين (أعمال 42:10، بطرس الأولى 5:4، رومية 9:14ـ12).
وحيث أن دينونة الأمم الأحياء قد تختلط لدى أفكار البعض بدينونة الأموات التي ستكون أمام العرش الأبيض العظيم فتأتي بالمقارنة الآتية لإيضاح الفوارق بينهما:

في دينونة الأمم الأحياء بوادي يهوشافاط
في دينونة الأموات أمام العرش الأبيض العظيم
(1) لا توجد قيامة بل تجمع الأمم.
(2) الأمم الأحياء تدان وتفرز عن بعضها.
(3) الدينونة تجرى على الأرض في ”وادي يهوشافاط“.
(4) لا توجد أسفار ”كتب“ للدينونة على أساسها.
(5) يوجد ثلاث فرق وهم الخراف والجداء ”والإخوة“.
(6) زمانها عند ظهور المسيح مع قديسيه إلى العالم، قبل مُلك الألف سنة.

توجد قيامة وهى قيامة الأموات.
الأموات يدانون جميعهم صغارًا وكبارًا.
السماء والأرض هربتا من وجه الجالس على العرش.
فتحت أسفار ودينوا حسب أعمالهم.
يوجد فريق واحد وهو الأموات.
زمانها بعد مُلك الألف سنة وطرح الشيطان في بحيرة النار.

هجوم جوج نفسه
الآن وقد رجع إسرائيل إلى أرضه ليمتع برعاية المسيا سيقيم مسكنه في وسطهم، ويمتعهم بكل البركات الأرضية في خلال ملكه الألفي وتتميم مواعيده للأباء. وقد انتهى الرب من إبادة الوحش والنبي الكذاب وجنودهما، عند ظهوره في سحاب السماء. ثم من إبادة الجيوش الآتية من الشرق ومن الشمال، عند وقوفه على جبل الزيتون. ثم أخيرًا محاكمة الأمم الأحياء على أساس قبولهم لمشتتي إسرائيل ولبشارة الملكوت وتطهير الأرض من فعلة الإثم سواء من اليهود المرتدين أو الأمم. وقد سكن إسرائيل في أرضه آمنًا، يبرز في المشهد العدو الأخير ”جوج“ نفسه الذي يعتبر الرأس المحركة لحروب ملك الشمال أو الأشوري التي قام بها وادي يهوشافاط قبل رجوع إسرائيل المشتت إلى أرضهم. ورأينا أنه بعد أن مد يده على جميع الأراضي، وتسلط على كنوز الذهب والفضة وعلى نفائس مصر، وقد أفزعته أخبار من الشرق ومن الشمال وأنه خرج بغضب عظيم ليخرب وليحرم كثيرين. وقد نصب فسطاطه بين البحور وجبل بهاء القدس، أنه جعل هذا الموقع الكائن بين البحر الميّت من الشرق، والبحر الأبيض المتوسط من الغرب وأورشليم من الشمال جعله مركزًا لرئاسة جيوشه وأركان حربه وتمويناته وغنائمه.
وفي الهجوم الأول المضاد للوحش والنبي الكذاب، والذي فيه كان محاصرًا لأورشليم وأخربها قابلت جيوشه العديدة الحصر، القضاء الذي وقع عليها في وادي يهوشافاط من الرب نفسه عند ظهوره. وأما جوج نفسه، فيظهر من النِّبوات أنه كان قائدًا عامًا ”موقرًا“ وكان في أقاصي الشمال ”روسيا“، وقد فكر في قلبه أن ينتقم لجيوشه من الرب ذاته!!.
ولذلك يقول النبي: «وكان إلى كلام الرب قائلاً: يا ابن آدم إجعل وجهك على جوج أرض ماجوج رئيس روش ”روسيا“ ماشك ”موسكو“ وتوبال ”توبولسك“ وتنبأ عليه. وقل: هكذا قال السيد الرب: هأنذا عليك يا جوج رئيس ماشك وتوبال. وأرجعك وأضع شكائم في فكيك وأخرجك أنت وكل جيشك خيلاً وفرسانًا كلهم لابسين أفخر لباس جماعة عظيمة مع أتراس ومجان كلهم ممسكين السيوف. فارس ”إيران“ وكوش ”الحبشة“ وفوط ”تونس“ معهم كلهم بمجن وخوذه. ”القوقاس“ وكل جيوشه وبيت توجرمه ”أرمينيه“ من أقاصي الشمال مع كل جيشه شعوبًا كثيرين معك. استعد وهييء لنفسك أنت وكل جماعاتك المجتمعة إليك فصرت لهم موقرًا ”أى قائد عام“. بعد أيام كثيرة تفتقد. في السنين الأخيرة تأتي إلى الأرض المستردة من السيف المجموعة من شعوب كثيرة على جبال إسرائيل التي كانت دائمًا خربة للذين أخرجوا من الشعوب وسكنوا آمنين كلهم ”أى إسرائيل“. وتصعد وتأتي كزوبعة وتكون كسحابة تغشي الأرض أنت وكل جيوشك وشعوب كثيرون معك. هكذا قال السيد الرب: يكون في ذلك اليوم أن أمورًا تخطر ببالك فتفكر فكرًا رديئًا. وتقول إني أصعد على أرض إعراء. آتي الهادئين الساكنين في أمن كلهم ساكنون بغير سور وليس لهم عارضة ولا مصاريع. لسلب السلب ولغنم الغنيمة لرد يدك على ضرب معمورة وعلى شعب مجموع من الأمم المقتني ماشية وقنية الساكن في أعالي الأرض. شبا وددان ”جزيرة العرب“ وتجار ترشيش ”تركيا“ وكل أشبالها يقولون لك: هل لسلب سلب أنت جاء؟ هل لغنم غنيمة جمعت جماعتك لحمل الفضة والذهب لأخذ الماشية والقنية لنهب نهب عظيم؟ لذلك تنبأ يا ابن آدم وقل لجوج: هكذا قال السيد الرب: في ذلك اليوم عند سكنى شعبي إسرائيل آمنين أفلا تعلم؟ وتأتي من موضعك من أقاصي الشمال أنت وشعوب كثيرون معك كلهم راكبون خيلاً جماعة عظيمة وجيش كثير. وتصعد على شعبي إسرائيل كسحابة تغشي الأرض. في الأيام الأخيرة يكون. وآتي بك على أرضي لكي تعرفني الأمم حين أتقدس فيك أمام أعينهم يا جوج (حزقيال 1:38ـ16).
ويقول الرب لأورشليم: «أيتها الذليلة المضطربة غير المتعزيّة، هأنذا أبني بالأثمد حجارتك وبالياقوت الأزرق أؤسسك. وأجعل شرفك ياقوتًا وأبوابك حجارة بهرمانية. وكل تخومك حجارة كريمة. وكل بنيك تلاميذ الرب وسلام بنيك كثيرًا. بالبر تثبتين بعيدة عن الظلم فلا تخافين وعن الارتعاب فلا يدنو منك. ها أنهم يجتمعون اجتماعًا ليس من عندي. من اجتمع عليك فإليك يسقط … كل آلة صورّت ضدك لا تنجح وكل لسان يقوم عليك في القضاء تحكمين عليه. هذا هو ميراث عبيد الرب وبرهم من عندي يقول الرب» (إشعياء 11:54ـ17).

هلاك جوج
«هكذا قال السيد الرب: هل أنت هو الذي تكلمت عنه في الأيام القديمة عن يد عبيدي أنبياء إسرائيل الذين تنبأوا في تلك الأيام سنينًا أن آتي بك عليهم؟ ويكون في ذلك اليوم يوم مجيء جوج على أرض إسرائيل يقول السيد الرب: إن غضبي يصعد في أنفي. وفي غيرتي في نار سخطي تكلمت أنه في ذلك اليوم يكون رعش عظيم في أرض إسرائيل. فترعش أمامي سمك البحر وطيور السماء ووحوش الحقل والدابات التي تدب على الأرض وكل الناس الذين على وجه الأرض وتندك الجبال وتسقط المعاقل وتسقط كل الأسوار إلى الأرض.وأستدعى السيف عليه في كل جبالي يقول السيد الرب. فيكون سيف كل واحد على أخيه. وأعاقبه بالوباء وبالدم وأمطر عليه وعلى جيشه وعلى الشعوب الكثيرة الذين معه مطرًا جارفًا وحجارة بَرد عظيمة ونارًا وكبريتًا. فأتعظم وأتقدس وأعرف في عيون أمم كثيرة فيعلمون أني أنا الرب» (حزقيال 17:38ـ23). «وأنت يا ابن آدم تنبأ على جوج وقل: هكذا قال السيد الرب: هأنذا عليك يا جوج رئيس روش ماشك وتوبال. وأردك وأقودك وأصعدك من أقاصي الشمال وآتي بك على جبال إسرائيل. وأضرب قوسك من يدك اليسرى وأسقط سهامك من يدك اليمنى. فتسقط على جبال إسرائيل أنت وكل جيشك والشعوب الذين معك. أبذلك مأكلاً للطيور الكاسرة من كل نوع ولوحوش الحقل. على وجه الحقل تسقط لأني تكلمت يقول السيد الرب. وأرسل نارًا على ماجوج ”روسيا “ وعلى الساكنين في الجزائر آمنين فيعلمون أني أنا الرب. وأعرف باسمي المقدس في وسط شعبي إسرائيل ولا أدع اسمي المقدس ينجس بعد فتعلم الأمم أني أنا الرب قدوس إسرائيل» (خروج 1:39ـ7). قارن (يوئيل 1:2ـ11، صفنيا 8:3و9، مزمور 8:21ـ12، إشعياء 16:59ـ21).

غنيمة إسرائيل
«ويخرج سكان مدن إسرائيل ويشعلون ويحرقون السلاح والمجان والأتراس والقسى والسهام والحراب والرماح ويوقدون بها النار سبع سنين. فلا يأخذون من الحقل عودًا ولا يحتطبون من الوعور لأنهم يحرقون السلاح بالنار وينهبون الذين نهبوهم ويسلبون الذين سلبوهم يقول السيد الرب» (حزقيال 9:39و10).
نفهم مما سبق أن ملك الشمال هذا إذ يأتي بكنوز الذهب والفضة وكل نفائس مصر «ينصب فسطاطه بين البحور وجبل بهاء القدس ويبلغ نهايته ولا معين له» فعند كسره في كل المرة الأولى والثانية سيترك كل هذه الغنائم التي جمعها لتكون غنيمة باردة بيد بني إسرائيل علاوة على الأدوات الحربية التي يستعملونها للحريق سبع سنين.
وكما سلب بنو إسرائيل المصريين عند خروجهم من أرض مصر وأخذوا معهم الذهب والفضة وجميع الأشياء الأخرى التي صنعوا منها الخيمة في البرية. هكذا ستأتي إليهم هذه النفائس التي تعب في جمعها وغنمها ملك الشمال. وتكون هذه لهم ذخيرة لإقامة الهيكل الألفي الموضح تفصيلاته في (حزقيال 40ـ46). ويقدسونها للرب كما قدس داود الغنائم التي سلبها من أعدائه وخصصها للهيكل الذي بناه ابنه سليمان.

عشاء الإله العظيم
«ورأيت ملاكًا واحدًا واقفًا في الشمس فصرخ بصوت عظيم قائلاً لجميع الطيور الطائرة في وسط السماء هلمي اجتمعي إلى عشاء الإله العظيم. لكي تأكلي لحوم ملوك ولحوم قواد ولحوم أقوياء ولحوم خيل والجالسين عليها ولحوم الكل حرًا وعبدًا صغيرًا وكبيرًا» (رؤيا 17:19و18).
«ورأيت يا ابن آدم فهكذا قال السيد الرب: قل لطائر كل جناح. ولكل وحوش البر اجتمعوا وتعالوا احتشدوا من كل جهة إلى ذبيحتي التي أنا ذابحها لكم ذبيحة عظيمة على جبال إسرائيل لتأكلوا لحمًا وتشربوا دمًا. تأكلون لحم الجبابرة وتشربون دم رؤساء الأرض كباش وحملان وأعتدة وثيران كلها مسمنات باشان. وتأكلون الشحم إلى الشبع وتشربون الدم إلى السكر من ذبيحتي التي ذبحتها لكم. فتشبعون على مائدتي من الخيل والمركبات والجبابرة وكل رجال الحرب يقول السيد الرب. وأجعل مجدي في الأمم وجميع الأمم يرون حكمي الذي أجريته ويدي التي جعلتها عليهم. فيعلم بيت إسرائيل إني أنا الرب إلههم من ذلك اليوم فصاعدًا» (حزقيال 17:39ـ22).
وهذه هى الخاتمة المريعة لكل من يقاوم مقاصد الله وقد رأيناها في فرعون ملك مصر، وسنحاريب ملك أشور، وأنطيوخس إبيفانس، وهيرودس الأدومي، والوحش، والنبي الكذاب، وملك الشمال.

مقبرة الغرباء
«ويكون في ذلك اليوم أني أعطي جوجًا موضعًا هناك للقبر في إسرائيل ووادي عباريم بشرقي البحر فيسد نفس العابرين وهناك يدفنون جوجًا وجمهوره كله ويسمونه وادي جمهور جوج. ويقبرهم بيت إسرائيل ليطهروا الأرض سبعة أشهر كل شعب الأرض يقبرون ويكون لهم يوم تمجيدي مشهورًا يقول السيد الرب. ويفرزون أناسًا مستديمين عابرين في الأرض قابرين مع العابرين أولئك الذين بقوا على وجه الأرض تطهيرًا لها. بعد سبعة أشهر يفحصون. فيعبر العابرون في الأرض وإذا رأى أحد عظم إنسان يبني بجانبه صوة حتى يقبره القابرون في وادي جمهور جوج ـ وأيضًا اسم المدينة همونة ـ فيطهرون الأرض» (حزقيال 11:39ـ16).
أى أرض هى أرض فلسطين؟ وكم طوّت في مثواها من القتلى؟ جيوش المعسكر الغربي، وجيوش المعسكر الشرقي في الهجوم الأول، وجيوش الأمم المجاورة، والأمم الجداء، وجيوش المعسكر الشرقي في الهجوم الأخير قبل المُلك. حقًا لقد تحقق فيها كلها أنها مقبرة الغرباء. وهذا انتقام العدل الإلهي من رافضي ابن الله بالاشتراك مع أردياء اليهود في حريمة رفضه وصلبه بمختلف الطرق عن طريق عدم الإيمان به واضطهاد شعبه، الكنيسة الآن، وإسرائيل فيما بعد. وعندما كتبت علة موته على الصليب «يسوع الناصري ملك اليهود»، كتبت بلغات العالم أجمع وهى: ”العبرانية“ لغة اليهود ”واليونانية“ لغة الشرقيين ”واللاتينية“ لغة الغربيين (يوحنا 20:19). وما دام هؤلاء جميعًا قد اشتركوا في سفك دم المسيح في أرض فلسطين، ولازالوا يفعلون ذلك بالمعنى الروحي (عبرانيين 6:6ـ8)، ولذلك لا عجب إذا كان العدل الإلهي يسفك دماءهم جميعًا في أرض فلسطين، ويجعلها مقبرة لهم جميعًا. واسمع كيف أشار عدل الله نبويًا إلى هذا الانتقام العادل في بعض ما عمله سافكي دم المسيح قديمًا: «حينئذ لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دين ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ قائلاً: قد أخطأت إذ سلمت دمًا بريئًا. فقالوا: ماذا علينا؟ أنت أبصر. فطرح الفضة في الهيكل وانصرف. ثم مضى وخنق نفسه. فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا: لا يحل أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم. فتشاورا واشتروا بها حقل للفخارى مقبرة للغرباء. لهذا سمى ذلك الحقل حقل الدم إلى هذا اليوم» (متى 3:27ـ8). وأول من نفذ فيه هذا القضاء العادل هو يهوذا أول مسئول عن سفك دم المسيح.
ويقابل هذه الخاتمة المريعة، خاتمة سعيدة لشعب الله إسرائيل، الذين بعد تطهير الأرض من جثث أعدائهم، تقسم لأسباطهم تقسيمًا جديدًا ويترك في وسطها تقدمة من الأرض قدسًا للرب حيث يقام الهيكل الألفي وتبنى المدينة التي تسمى ”يهوه شمه“ أى الرب هناك.
وهذا مثل ما حصل في باكورة تاريخهم. فبعد أن أخرجهم الرب من العبودية في مصر وأنقذهم من سيف المهلك، هجم عليهم فرعون ولكن الرب أهلكه وأقام مسكنه في وسطهم. وهكذا بعد أن أدخلهم أرض كنعان وأراحهم من كل جانب هجم العدو عليهم بالأمم المجاورة ولكن الرب قضى عليهم بواسطة داود ومن ثَم أتى بمُلك سُليمان الذي بنى له الهيكل في زمان سِلم ورغد. فعلى هذا المنوال بعد أن أتى الرب بشعبه من كل الأمم وأراحه في أرضه، إذا بجوج يهجم ولكن الرب يقضي عليه القضاء المبرم ثم يجدد الأرض ويبني أورشليم والهيكل ويقيم ملك البر والسلام.
وعليه لنختم بما قاله يعقوب منبئًا عن سعد إسرائيل في تلك الآونة:
«جاد يزحمه جيش، ولكنه يزحم مؤخره» (تكوين 19:49). وجاد معناها سعد وحسن الطالع. فإذ يكون نجم إسرائيل في الصعود ذلك الوقت، لذلك مهما كانت الجيوش التي تزحمه في بلاده فإنه على يد المسيح ملكه يتعقبها ويهزمها، سواء كانت هى جيوش اتحاد غرب أوروبا، جيوش الإمبراطورية الرومانية (رؤيا 1:9ـ12، 13:16ـ16، 19:19ـ21)، أو جيوش الشيوعية حلفاء الروس (رؤيا 13:9ـ21، 12:16، دانيال 40:11ـ44)، زكريا 1:14ـ15، يوئيل 3، إشعياء 10، 1:33)، أو جيوش جوج الروس أنفسهم (حزقيال 37و38).
وهكذا تنتهي سني ضيق إسرائيل السبعة بعد اختطاف الكنيسة بالانتصار والغبطة.

تقييد الشيطان
إن الشيطان وملائكته من رؤساء وسلاطين وولاة وأجناد، هم الداء الدفين والسبب الخفي لبلاء البشرية. لذلك ما دام الرب قد أراد إسعاد خليقته، فلابد من إخلاء الكون من دولة الشياطين العظمى لكي ينجو أحباؤه من تجاربهم. لأن السعادة في المُلك الألفي سوف لا تكون من النوع الشرطي المبني على جهاد الإيمان الحسن ضد تجارب إبليس، بل من النوع الهانيء الهاديء الخالي من التجارب والحروب والانتصارات والانكسارات. ولذلك فسيلقي الرب القبض على إبليس وكل جنوده ويطرحهم في هاوية العذاب، سجن الأرواح، مدة الألف السنة ليريح العالم من غواياتهم وشكاياتهم طول هذه المدة المديدة، ليكون مُلكًا سعيدًا إذ يكون مُلك البر والسلام لا على مبدأ الجهاد والمجازاة ولكن على مبدأ الهبة والإنعام.
لما رأت الشياطين المسيح على الأرض في مجيئه الأول صرخت قائلة له: «ما لنا ولك، يا يسوع ابن الله؟ أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذبنا؟» (متى 29:8ـ31) «أتيت لتهلكنا» (مرقس 23:1و24) «أستحلفك بالله أن لا تعذبني» (مرقس 2:5و7) «وطلب إليه أن لا يأمرهم بالذهاب إلى الهاوية» (لوقا 30:8و31). وفعلاً في مجيئه الأول لم يرسلهم إلى الهاوية، السجن الإحتياطي لعذاب الأرواح الشريرة ليوم الدين، بل أطلقهم لأن وقتهم لم يأت بعد.
أما في ظهوره وقضائه على أشرار الأرض، سيقضي أيضًا على أشرار السماء ويلقي بالكل إلى أعماق السجن كل مدة المُلك الألفي. «ويكون في ذلك اليوم أن الرب يطالب جند العلاء في العلاء وملوك الأرض على الأرض. ويجمعون جمعًا كأساري في سجن ويغلق عليهم في حبس» (إشعياء 21:24و22). «في ذلك اليوم يعاقب الرب بسيفه القاسي العظيم الشديد، لوياثان الحيَّةالهاربة. لوياثان الحيَّةالمحتوية ويقتل التنين الذي في البحر» (إشعياء 1:27).
«ورأيت ملاكًا نازلاً من السماء معه مفتاح الهاوية وسلسلة عظيمة على يده. فقبض على التنين الحيَّةالقديمة الذي هو إبليس والشيطان وقيده ألف سنة. وطرحه في الهاوية وأغلق عليه وختم عليه لكي لا يضل الأمم فيما بعد حتى تتم الألف السنة» (رؤيا 1:20ـ3).



إشتراك القديسين السماويين مع المسيح في إجراء الدينونات

لا يفوتنا في هذه الدينونات أن القديسين السماويين سيشتركون مع المسيح في إجرائها:

أولاً:
على أعضاء الكنيسة الإسمية «هانذا أجعل الذين من مجمع الشيطان، من القائلين أنهم يهود وليسوا يهودًا بل يكذبون، هانذا أصيرهم يأتون ويسجدون أمام رجليك ويعرفون إني أنا أحببتك» (رؤيا 9:3). «ثم سمعت صوتًا آخر من السماء قائلاً: أخرجوا منها، يا شعبي، لئلا تشتركوا في خطاياها ولئلا تأخذوا من ضرباتها. لأن خطاياها لحقت السماء وتذكر الله آثامها. جازوها كما هى أيضًا جازتكم وضاعفوا لها ضعفًا نظير أعمالها. في الكأس التي مزجت فيها امزجوا لها ضعفًا. بقدر ما مجدت نفسها وتنعمت، بقدر ذلك أعطوها عذابًا وحزنًا» (رؤيا 4:18ـ7). وواضح أن هؤلاء ليسوا ملائكة لأنهم احتملوا اضطهادات مختلفة بدنية ومعنويّة من الكنيسة الإسميّة.

ثانيًا:
على الشعوب الحية، أى المعسكرين وأتباعهما والأمم الجداء وجوج وجمهوره «ألستم تعلمون أن القديسين سيدينون العالم؟ فإن كل العالم يدان بكم، أفأنتم غير مستأهلين للمحاكم الضغرى؟» (كورنثوس الأولى 2:6).

ثالثًا:
على الشياطين «ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة؟» يقصد الملائكة الأشرار، ويسميهم ملائكة دون أن يصفهم بصفة شرهم لبيان عظمة مركز المؤمنين من حيث أنهم وهم أناس سيحاسبون ملائكة ويحكمون عليهم «فبالأولى أمور هذه الحياة» (كورنثوس الأولى 3:6).
وهذه أول ممارسة لسلطانهم الملكي كملوك «ومن يغلب ويحفظ أعمالي إلى النهاية، فسأعطيه سلطانًا على الأمم. فيرعاهم بقضيب من حديد كما تكسر آنية من خزف كما أخذت أنا أيضًا من عند أبي» (رؤيا 26:2و27).


***


الباب السادس
مُلك الألف السنة
***
ويشمل حقبة من الزمن مستقبلة، ومدتها ألف سنة، تقع بين دينونة الأحياء ودينونة الأموات، وهى عصر السلام على الأرض.
***
نِّبوة اليوم السادس في الخلق، يوم خلق النفس من الأرض، وآدم وامرأته مخلوقين على صورة الله يحكمان على ذوات الأنفس الحيَّةوعلى الأرض.
رمز دور إسرائيل يحيا في أرضه، والمسيح ـ آدم الأخير ـ صورة الله الغير المنظور، وعروسه التي على صورته ـ حواء الأخيرة ـ يحكمان على إسرائيل وعلى كل العالم.


«وقال الله لتخرج الأرض ذوات أنفس حيَّةكجنسها: بهائم ودبابات ووحوش أرض كأجناسها. وكان كذلك. فعمل الله وحوش الأرض كأجناسها والبهائم كأجناسها وجميع دبابات الأرض كأجناسها. ورأى الله ذلك أنه حسن. وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا. فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض. فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرًا وأنثى خلقهم. وباركهم الله وقال لهم أثمروا واكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض. وقال الله إني قد أعطيتكم كل بقل يبزر بزرًا على وجه الأرض وكل شجر فيه ثمر شجر يبزر بزرًا. لكم يكون طعامًا. ولكل حيوان الأرض وكل طير السماء وكل دبابة على الأرض فيها نفس حيَّةأعطيت كل عشب أخضر طعامًا. وكان كذلك. ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسن جدًا. وكان مساء وكان صباح يومًا سادسًا» (تكوين 24:1ـ31).


في هذا اليوم أخرجت الأنفس الحيَّة من الأرض، رمزًا إلى نهوض إسرائيل روحيًا وسياسيًا في أرضه مستقبلاً بعد اختطاف الكنيسة «يجمع بنو يهوذا وبنو إسرائيل معًا ويجعلون لأنفسهم رأسًا واحدًا ويصعدون ـ كالنبات ـ من الأرض لأن يوم يزرعيل عظيم» (هوشع 11:1) ويزرعيل معناها الله يزرع. ويقول الرب: «وازرعها لنفسي في الأرض» (هوشع 23:2).

إذن ”في المستقبل“ أى في المُلك الألفي، الذي سيكون بعد اختطافنا إلى السماء بسبعة سنين وخمسة وسبعين يومًا. «يتأصل يعقوب، يزهر ويفرع إسرائيل ويملأون وجه المسكونة ثمارًا» (إشعياء 6:27).
وفي تحديد نوع الطعام في الثمار والبقول والأعشاب الخالية من سفك الدم، إشارة إلى أن هذا المُلك سيكون عصر سلام تحت لواء رئيس السلام لأنه «ينصف لشعوب كثيرون فيطبعون سيوفهم سككًا ورماحهم مناجل. لا ترفع أمة على أمة سيفًا ولا يتعلمون الحرب فيما بعد» (إشعياء 4:2). لا بل والوحوش نفسها تجرد من طبيعة الوحشية والافتراس «فيسكن الذئب مع الخروف ويربض االنمر مع الجدي والعجل والشبل والمسمن معًا وصبي صغير يسوقها. والبقرة والدبة ترعيان. تربض أولادهما معًا. والأسد كالبقر يأكل تبنًا. ويلعب الرضيع على سرب الصل ويمد الفطيم يده على حجر الأفعوان. لا يسوؤن ولا يفسدون في كل جبل قدسي لأن الأرض تمتليء من معرفة الرب كما تغطي المياه البحر» (إشعياء 6:11ـ9).
وفي سيادة آدم وامرأته على الأرض ولهما صورة الله، نرى بسهولة رمز لربنا يسوع «صورة الله» (كولوسي 15:1، كورنثوس الثانية 4:4) آخذًا عرشًا استطاع، كابن الإنسان، أن يسميه عرشه، ومن ثَم أعلن استطاعته أيضًا على أن يشرك شعبه معه فيه ذلك هو عرش الملكوت (رومية 21:3) أما عرش أبيه، عرش اللاهوت، فليس لهم طبعًا شركة معه فيه. ثم أن الرسول في (رومية 14:5) يخبرنا أيضًا عن آدم الأول أنه ”مثال الآتي“ أى رمز المسيح. لذلك يسمي ربنا يسوع المقام من الأموات «آدم الأخير» (كورنثوس الأولى 45:15). كما أنه يخبرنا في (أفسس 25:5و32) عن المرأة أنها رمز الكنيسة التي سيحضرها المسيح لنفسه بلا عيب ولا لوم.
فآدم إذن رمز المسيح صورة الله والمرأة رمز الكنيسة وهى على صورة المسيح (فيلبي 21:3، أفسس 27:5، أيوب 2:3، رؤيا 9:21ـ11) حاكمة معه على الأرض في المُلك الألفي السعيد. فليس من الصعب إذن أن نفهم المعنى الروحي لعمل الله في هذا اليوم السادس. وبما أنه آخر أيام العمل، وليس هو سبت أو راحة من العمل، فهو إذن رمز لدور المُلك الألفي مسلمًا ليدي ذاك الذي يستولى عليه ليرد لله كل ما أضاعه آدم (أعمال 21:3). «لأنه يجب أن يملك حتى يضع جميع الأعداء تحت قدميه» (كورنثوس الأولى 25:15). فزمان المُلك الألفي (رؤيا 4:20ـ6) مع زمان سني وأيام الضيق الذي يسبقه (دانيال 27:9، 11:12و12) والزمان اليسير الذي يلحقه (رؤيا 7:20ـ10)، هو زمان إخضاع أعداء ثائرة، ورَد سلطات ضائعة. فهو وقت عمل للرب وليس وقت راحة. لذلك يرمز إليه اليوم السادس آخر أيام العمل، وليس اليوم السابع، يوم الراحة. هذا بالنسبة لرموز أسبوع الخليقة أو من الناحية الإلهية والعمل الإلهي. فسبت الله هو الأبدية وليس المُلك الألفي.
أما بالنسبة لإسرائيل حيث قضى عليه في الناموس بستة أيام عمل والسابع راحة، فيكون المُلك الألفي هو سبت الراحة لإسرائيل من عناء العمل الناموسي. إذ سيدخل الراحة الألفية على مبدأ النعمة، بالإيمان. حتى التمتع ببهجة هذا الخلاص من وجهيه الروحي والأرضي لأبرار الألف السنة مع كل أسباب وأسس هذه البهجة من نقاوة وقداسة، ستكون كلها من مجرد النعمة المطلقة بلا تجربة ولا امتحان ولا جهاد إيمان ولا غواية من عدو ولا شكاية من شيطان. لأن الشيطان سيكون سجينًا، والرب ظاهرًا، وروحه مالئًا، والجسد في الأبرار، من الناحية الروحية العملية، مائتًا.
ويقول الرسول بولس في شأن هذه الراحة الألفية العتيدة لإسرائيل: «ولمن أقسم لن يدخلوا راحته إلا للذين لم يطيعوا؟ فترى أنهم لم يقدروا أن يدخلوا لعدم الإيمان. فلنخف أنه مع بقاء وعد بالدخول إلى راحته يرى أحد منكم أنه قد خاب منه. لأننا نحن أيضًا قد بشرنا كما أولئك» يقصد إسرائيل قديمًا في البرية «لكن لم تنفع كلمة الخبر أولئك إذ لم تكن ممتزجة بالإيمان في الذين سمعوا. لأننا نحن المؤمنين ندخل الراحة كما قال» عن الذين لم يؤمنوا: «حتى أقسمت في غضبي لن يدخلوا راحتي» مما يدل على أن المؤمنين هم الذين يدخلون راحة الله المقصودة في قوله هذا «مع كون الأعمال قد أكملت منذ تأسيس العالم» وتبعها راحة الله في اليوم السابع «لأنه قال في موضع عن السابع هكذا، واستراح الله في اليوم السابع من جميع أعماله» مما يدل على أن الله في قوله «لن يدخلوا راحتي» لا يقصد السبت، راحة الخليقة، لأنها كانت قد مضت قبل هذا الكلام، بل يقصد راحة كنعان التي خسروها إذ سقطت جثثهم في القفر بسبب عدم الإيمان. وإذ خسروها يقدم لمن جاء بعدهم فرصة أخرى هى فرصة الراحة في كنعان في المستقبل، على يد الرب يسوع في المُلك الألفي، راحة مؤكدة بالنعمة بالإيمان وليس راحة على مبدأ الأعمال، تضيع منهم كما حصل في دخولهم إليها على يد يشوع «وفي هذا أيضًا» أى راحة كنعان سواء في عهد يشوع الماضي، أو عهد الرب يسوع العتيد «وفي هذا أيضًا لن يدخلوا راحتي» لأن عدم الإيمان يحرم من راحة المستقبل الحقيقية الأكيدة الدائمة كما حرم من راحة الماضي الرمزية المزعزعة الزائلة «فإذ بقى» من دلالة القول «إن قومًا يدخلونها» هم الذين يؤمنون «والذين بشروا أولاً لم يدخلوا لسبب العصيان» إذ عصوا أمر الله لهم بالدخول إلى كنعان، بسبب عدم إيمانهم بقدرته على إدخالهم إليها وإراحتهم فيها. «يُعيّن أيضًا» بعد ظهور عدم الإيمان في البرية، «يومًا» أى فرصة أخرى للإيمان لامتلاك الراحة الحقيقية في كنعان الألفية على يد الرب يسوع ”يعيَّن“ أيضًا يومًا قائلاً في داود: «اليوم» هو يوم البشارة بإنجيل الخلاص الآن في عهد الكنيسة، والبشارة بإنجيل الملكوت فيما بعد في عهد إسرائيل، «بعد زمان هذا مقداره» هو الزمان مرّ بين عدم إيمانهم في البرية وظهور الرب يسوع لهم في مجيئه الأول. ثم الزمان الذي مرّ بين عدم إيمانهم في المسيحية، إلى أن يأتي وقتهم بعد اختطاف الكنيسة. فقد عرض عليهم الإيمان مرة كأمة، أيام وجود الرب معهم بالجسد على الأرض. كما وسيعرض عليهم كأمة مرة أخرى، بعد اختطاف الكنيسة. ومع أنهم رفضوه كأمة في العرض الأول، ولكن المختارون قبلوه في العرض الأول كما سيقبله مختاروا الأيام الأخيرة في العرض الثاني، «كما قيل اليوم إن سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم. لأنه لو كان يشوع قد أراحهم لما تكلم بعد ذلك عن يوم آخر. إذًا، بقيَّت راحة لشعب الله. لأن الذي دخل راحته استراح هو أيضًا من أعماله كما الله من أعماله» (عبرانيين 18:3ـ4:10) أى استراح فعلاً إذ ارتاح من عناء الجهد في القيام بأعمال الناموس لإراحة الله من جهته كما ارتاح الله فعلاً في اليوم السابع من أعماله التي كان يعملها لإراحة الإنسان.
إذًا فالإسرائيلي الذي سيؤمن في أسبوع الضيق سيكون سبته في الألف من عناء العمل الناموسي والاضطهاد الوحشي. أما الله فسبته لا يكون إلا في الأبدية، لأن الألف سنة سوف لا تكون إلا آخر فترات العمل الأعدادي لراحة الأبدية «لأنه يجب أن يملك حتى يضع جميع الأعداء تحت قدميه» (كورنثوس الأولى 25:15).
***
وفي هذه المقدمة النبوية للمُلك الألفي، تختم بنِّبوة يعقوب أبي الأسباط عن هذا العصر الذهبي:
«أشير خبزه سمين. وهو يعطي لذات ملوك» (تكوين 20:49).
أشير معناها سعيد ومغبوط، وهو يرينا امتلاك الشعب للأرض كل الأمتلاك بعد محو الأعداء منها، وغبطته وهناءه بخيراتها بل وصيّرورته نبعًا لهناء الممالك بل وملوكها، الممالك التي في تشتته في أواخر سني ضيقته، أضافته وأعالته وإلى بلاده أرجعته ودللته (إشعياء 22:49و23، 20:66، مزمور 10:45ـ15، متى 31:25ـ40، تكوين 1:12ـ3) فصار لها هو سبب هناء وسعادة ولذة في شركتها معه في ومجده وعزه.

«نفتالي أيلة مسبيّة يعطي أقوالاً حسنة» (تكوين 21:49).
وإن كان نفتالي معناه حرب ومصارعات، ولكن هو هنا أيلة مسبيّة، غزالة حرة، رمز إسرائيل في المُلك الألفي وقد ارتاح من الحروب والمصارعات، وفي كامل الراحة والحرية وبدون أدنى خوف يعطي أحسن أقوال الشكر لله «مبارك الرب إله إسرائيل لأنه أفتقد وصنع فداءً لشعبه. وأقام لنا قرن خلاص في بيت داود فتاه. كما تكلم بفم أنبياءه القديسين الذين هم منذ الدهر: خلاص من أعدائنا ومن أيدي جميع مبغضينا. ليصنع رحمة مع آبائنا ويذكر عهده المقدس، القَسَم الذي حلف لإبراهيم أبينا، أن يعطينا إننا بلا خوف منقذين من أيدي أعدائنا نعبده بقداسة وبر قدامه جميع أيام حياتنا» (لوقا 68:1ـ75).

«يوسف غصن شجرة مثمرة غصن شجرة مثمرة على عين. أغصان قد ارتفعت فوق حائط. فمررته ورمته واضطهدته أرباب السهام. ولكن ثبتت بمتانة قوسه، وتشددت سواعد يديه. من يدي عزيز يعقوب من هناك من الراعي صخر إسرائيل. من إله أبيك الذي يعينك ومن القادر على كل شيء الذي يباركك تأتي بركات السماء من فوق وبركات الغمر الرابض من تحت. بركات الثديين والرحم. بركات أبيك فاقت بركات أبوّيَّ. إلى منيّة الآكام الدهرية تكون على رأس يوسف وعلى قمة نذير إخوته» (تكوين 22:49ـ26).
هنا يوسف رمز المسيح الملك المتسلط على إخوته في المُلك الألفي، والمثمر فيهم بحياته الجديدة وقوة روحه، إنما كمن مات وقام وارتفع راعيًا وصخرًا لإسرائيل وتبعًا لبركاته يفيض روحه فيهم (يوئيل 2).

«بنيامين ذئب يفترس» (ع 27). بنيامين معناه إبن يد اليمنى، وهو يشير إلى المسيح كقوة إسرائيل الحربية «في الصباح يأكل غنيمة وعند المساء يقسم نهبًا» (ع 27). لأنه كما في أول المُلك، كذا في آخره، يفترس أعداءًا هاجمين على شعبه الآمن في ظله، ويجعلهم نهبًا لشعبه (رؤيا 19، حزقيال 37و38، رؤيا 20).



نِّبوة موسى للأسباط
لقد انتهينا الآن من نِّبوة يعقوب التي تناولت تاريخ إسرائيل من أوله لآخره إلى المُلك الألفي. وهى نِّبوة تتناوله من الناحية العملية والمسئولية. ولكن هناك نِّبوة أخرى تنصّب على حال إسرائيل السعيد في المُلك الألفي. المنعم به عليه من مجرد النعمة، وهى نِّبوة موسى النبي. ولنتقدم الآن إليها:
«وهذه البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته. فقال …»:
(1) «ليحييّ رأوبين ولا يمت ولا يكن رجاله قليلين» ورأوبين معناه ”هوذا ابن“.
(2) «وهذه عن يهوذا: قال اسمع يا رب صوت يهوذا وأت به إلى قومه. بيديه يقاتل لنفسه فكن عونًا على أضداده»، ويهوذا ومعناه ”يحمد“.
(3) «وللاوي قال: تميمك وأوريمك لرجلك الصديق الذي جربته في مسّة وخاصمته عند ماء مريبة. الذي قال عن أبيه وأمه لم أرهما وبإخوته لم يعترف وأولاده لم يعرف بل حفظوا كلامك وصانوا عهدك. يعلِّمون أحكامك وإسرائيل ناموسك. يضعون بخورًا في أنفك ومحرقات على مذبحك. بارك يا رب قوّته وارتض بعمل يديه. أحطم متون مقاوميه ومبغضيه حتى لا يقوموا». ولاوي معناه ”مقترن“.
(4) «ولبنيامين قال: حبيب الرب يسكن لديه آمنًا. يستره طول النهار وبين منكبيه يسكن» وبنيامين معناه ”ابن يميني“.
(5) «وليوسف قال: مباركة من الرب أرضه وبنفائس السماء بالندى وباللجة الرابضة تحت. ونفائس مغلات الشمس ونفائس منبتات الأقمار. ومن مفاخر الجبال القديمة ومن نفائس الإكام الأبدية. ومن نفائس الأرض وملئها ورضى الساكن في العُليقة. فلتأت على رأس يوسف وعلى قمة نذير إخوته. بكر ثوره زينة له قرنا رتم بهما ينطح الشعوب معًا إلى أقاصي الأرض هما ربوات أفرايم وألوف منسى»، ويوسف معناه ”سيزيد“.
(6) «ولزبولون قال: افرح يا زبولون بخروجك»، وزبولون معناه ”مسكن“.
(7) «وأنت يا سياكر بخيامك. إلى الجبل يدعوان القبائل. هناك يذبحان ذبائح البر لأنهما يرتضعان من فيض البحار وذخائر مطمورة في الرمل» ويساكر معناه ”يأتي بأجرة“.
(8) «ولجاد قال: مبارك الذي وسع جاد كلبوة سكن وافترس الذراع مع قمة الرأس. ورأى الأول لنفسه لأنه هناك قسم من الشارع محفوظًا فأتى رأسًا للشعب يعمل حق الرب وأحكامه مع إسرائيل» وجاد معناه ”سعد“.
(9) «ولدان قال: دان شبل أسد يثب من باشان» ودان معناه ”قاضي“.
(10) «ولنفتالي قال: يا نفتالي اشبع رضى وامتليء بركة من الرب وأملك الغرب والجنوب» ونفتالي معناه ”مصارعاتي“.
(11) «ولأشير قال: مبارك من البنين أشير. ليكن مقبولاً من إخوته. ويغمس في الزيت رجله. حديد ونحاس مزاليجك وكأيامك راحتك»، وأشير معناه ”مغبوط“ . (تثنية 1:33ـ29).
(12) أما شمعون ومعناه ”مستمتع“، فلم يذكره موسى في البركة، وليس معناه أنه حرم من البركة الألفية، لأن اسمه ورد ضمن أسماء الأسباط الذين ستقسم لهم الأرض في زمن البركة المذكورة (حزقيال 24:48). وربما يكون الغرض من إسقاط إسمه هو عدم احتياج الأسباط للتعلم في المُلك لأنهم جميعًا سيكونون متعلمين من الله.
وكما وأن الأسباط الإثني عشر المختومين في (رؤيا 7)، لم يرد بينهم اسم ”دان“ مع أنه هو أيضًا له نصيب في الأرض عند تقسيمها، وقد مر بنا السبب في عدم ذكر اسمه بين المختومين، وهو تركه لأقسى العقوبات لأنه سيكون سبط المسيح الكذاب ومروج الوثنية في البلاد، ولكن الرب سيبقي منه بقيّة للبركة ولذلك ذكر اسمه على أحد أبواب المدينة الإثنى عشر (حزقيال 33:48).

***


الفصل الأول
إسرائيل الجديد في المُلك الألفي
«طوباك يا إسرائيل. من مثلك يا شعبًا منصورًا بالرب ترس عونك وسيف عظمتك. فيتذلل لك أعداؤك وأنت تطأ مرتفعاتهم».
(تثنية 29:33).
«ثم نظرت وإذا خروف واقف على جبل صهيون ومعه مائة وأربعة وأربعون ألفًا» هم رمز كل المخلصين من الإثني عشر سبطًا (رؤيا 1:7ـ8)، «لهم اسم أبيه مكتوبًا على جباههم. وسمعت صوتًا من السماء كصوت مياه كثيرة وكصوت رعد عظيم. وسمعت صوتًا كصوت ضاربين بالقيثارة يضربون بقيثاراتهم. وهم يترنمون كترنيمة جديدة أمام العرش وأمام الأربعة الحيوانات والشيوخ ولم يستطع أحد أن يتعلم الترنيمة إلا المائة والأربعة والأربعون ألفًا الذين اشتروا من الأرض. هؤلاء هم الذين لم يتنجسوا مع النساء لأنهم أطهار» أى أنهم كأمة مخطوبة عروسًا أرضية للمسيح، لم يتنجسوا بعبادة الأوثان وعبادة الوحش والنبي الكذاب، كما فعلت الكنيسة الإسميّة والمرتدين من إسرائيل، اللذين في ذلك أشبها امرأتين خائنتين عهد العفة للعريس. ”هؤلاء“ الأطهار «هم الذين يتبعون الخروف» لا الوحش «حيثما ذهب. هؤلاء اشتروا من بين الناس باكورة لله وللخروف» لأن الحصاد سيكون هو الأمم المتجددين على أيديهم. «وفي أفواههم لم يوجد غش لأنهم بلا عيب قدام عرش الله» (رؤيا 1:14ـ5).
بعد أن يتحقق رجاء إسرائيل وانتظارهم ويأتون إلى ميراثهم الأرضي، فإنهم سيتفرغون للسجود والعبادة في جبل صهيون المقدس حيث سيقام الهيكل العظيم في العصر الألفي. وأنهم بلا شك سيترنمون بالمزامير الجميلة التي تشير إلى هذا الوقت السعيد: «جميل الارتفاع فرح كل الأرض جبل صهيون. فرح أقاصي الشمال مدينة الملك العظيم. الله في قصورها يعرف ملجأ» (مزمور 2:48) «الرب أحب أبواب صهيون أكثر من جميع مساكن يعقوب. قد قيل بك أمجاد يا مدينة الله» (مزمور 2:87و3). «أما أنا فقد مسحت ملكي على صهيون جبل قدسي» (مزمور 6:2).

والرب يهوه ذاته فى وسطهم، سوف يفرحهم ويعزيهم بكلمات التعزية التى سبق وأنبأهم بها:
«ترنمى وإفرحى يا بنت صهيون لأنى هأنذا آتى وأسكن فى وسطك يقول الرب» ( زكريا2: 10 ). «ترنمى يا أبنة صهيون أهتف يا إسرائيل إفرحى وابتهجى بكل قلبك يا ابنة أورشليم. قد نزع الرب الأقضية عليك. أزال عدوك. ملك إسرائيل الرب فى وسطك. لاتنظرين بعد شراً» ( صفنيا 3: 14و15 ). «وأما جبل صهيون فتكون عليه نجاة ويكون مقدساً ويرث بيت يعقوب مواريثهم» ( عوبديا17) . «استيقظى استيقظى البسى عزك يا صهيون البسى ثياب جمالك يا أورشليم المدينة المقدسة لأنه لا يعود يدخلك فيما بعد أغلف ولا نجس. انتفضى من التراب. قومى اجلسى يا أورشليم انحلى من ربط عنقك أيتها المسببة ابنة صهيون.. أشيدى ترنمى معًا يا خرب أورشليم لأن الرب قد عزى شعبه فدى أورشليم» ( إشعياء 52: 1و2و9).

ومن هذه الآيات العجيبة وكثير منها جدًا، نجد أن الإسرائيليين المرفوضين من أجيال كثيرة إلى الآن ومداسين من الأمم ومعاملين أسوأ معاملة، سيكونون فيما بعد الشعب المحبوب جدًا على الأرض وسيتباركون ببركات عديدة زمنيّة وروحية وأهمها هى حضور الرب بشخصه في وسطهم حتى أن المدينة تدعى حينذاك ”يهوه شمه“ أعني الرب هناك.
«فيأتون ويرنمون في مرتفع صهيون ويجرون إلى جود الرب على الحنطة وعلى الخمر وعلى الزيت وعلى أبناء الغنم والبقر. وتكون نفسهم كجنة ريا ولا يعودون يذوبون بعد. حينئذ تفرح العذراء بالرقص والشبان والشيوخ معًا وأحوّل نوحهم إلى طرب وأعزيهم وأفرحهم من حزنهم. وأروي نفس الكهنة من الدسم ويشبع شعبي من جودي يقول الرب» (إرميا 12:31ـ14). «لأنه هكذا قال الرب: هاأنذا أدير عليها سلامًا كنهر ومجد الأمم كسيل جارف فترضعون وعلى الأيادي تُحملون وعلى الركبتين تدللون. كإنسان تعزيه أمه هكذا أعزيكم أنا وفي أورشليم تُعزون: فترون وتفرح قلوبكم وتزهو عظامكم كالعشب وتُعرَف يد الرب عند عبيده ويحنق على أعدائه» (إشعياء 12:66ـ14).
ومن المؤكد أن جميع هذه الآيات تشير إلى أورشليم الأرضية وصهيون الأرضية، وإن ذلك سيتم في الوقت المعيَّن من الله. وأنه لخطأ جسيم أن يُطَّبق بعض المسيحيين هذه المواعيد على الكنيسة، كأنها بركات مسيحية، ويترنمون بها كأنها تخصهم. ولا يفكرون قط أنها تخص الشعب الأرضي ”إسرائيل“ الذي أُعطيَّت له هذه الترانيم لتعزيته في تجاربه. وكما وأن كثير من المسيحيين لا يصدقون أن شعب الله القديم سيرجع بالمراحم إلى أرضه الخاصة. كأن وعد الله قد قصر عن التتميم.
فكل المواعيد المثبَتة في العهد القديم، بعضها يخص اليهود وبعضها للأمم. والوعد الصريح هو: أن المسيح «نور استعلان للأمم»، وهذا هو نصيب الأمم، «ومجد لشعبه إسرائيل» وهذا هو نصيب إسرائيل. وسيتم كله حرفيًا لمصلحة شعبه القديم.

أزمنة رد كل شيء

«ويرسل يسوع المسيح المبشر به لكم قبل. الذي ينبغي أن السماء تقبله إلى أزمنة رَد كل شيء، التي تكلم عنها الله بفم جميع أنبيائه القديسين منذ الدهر» (أعمال 21:3). «إيليا يأتي أولاً ويرد كل شيء» (متى 11:17) «فيرد قلب الآباء على الأبناء وقلب الأبناء على آبائهم» (ملاخي 6:4).
يتبيَّن من هذه العبارات أن أسبوع الضيق والمدة الملحقة به والمُلك الألفي، هى أزمنة رد كل شيء. فبعد اختطاف الكنيسة يرد الرب المختارين من إسرائيل إلى الإيمان به، لأنه «يعطي إسرائيل التوبة وغفران الخطايا» (أعمال 31:5).
بعد ذلك سيقوم المسيح بنصيبه الشخصي في الرد، فيرد المُلك لإسرائيل (أعمال 6:1و7، حزقيال 36و37)، ويرد للأرض بركتها (رومية 21:8)، ويرد للانسان سلطانه عليها (مزمور 8) ويرد للوحوش طبيعتها الأليفة وخضوعها للانسان (إشعياء 6:11ـ9)، ويرد للانسان طول العمر بل يجعل للأبرار خلودًا بلا موت (زكريا 4:8و5)، ويرد لإسرائيل وللعالم أجمع العبادة على الطريقة الطقسية الرمزية، لتذكار عمله السالف، وتصوير الحقائق الروحية الغير المنظورة (حزقيال 40ـ48).

وإذ نرمي بنظرنا الآن إلى الأرض بعد استخلاصها من يد مغتصبيها ومخربيها، ومُلك الرب عليها نذكر قوله، تبارك اسمه لتلاميذه: «في التجديد، متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده، تجلسون أنتم أيضًا على اثني عشر كرسيًا تدينون أسباط إسرائيل الإثنى عشر» (متى 28:19). فأى شيء هو الذي سيجدده الرب متى جلس على كرسي مجده لممارسة ملكه؟ إنه سيجدد كل شيء فبعد أن يزيل هيئة هذا العالم المنطوية على اللعنة في الأرض والتعاسة لسكانها، سينشيء هيئة جديدة للعالم، للسماء والأرض، منطوية على البركة الشاملة للخليقة والسعادة لكل الخلائق العاقلة وغير العاقلة. فسيعمل تغييرات جوهرية في السماء والأرض وكل ما فيها بحيث تعمل كل الأشياء معًا للخير والهناء، روحيًا وجسديًا، وزمنيًا لكل رعايا ملكه، بِغَض النظر عن الحالات الإستثنائية التي سنشير إليها.
لذلك يقول الرب: «لأني هاأنذا خالق سموات جديدة وأرضًا جديدة فلا تذكر الأولى ولا تخطر على بال. بل افرحوا وابتهجوا إلى الأبد في ما أنا خالق لإني هاأنذا خالق أورشليم بهجة وشعبها فرحًا. فابتهج بأورشليم وأفرح بشعبي ولا يسمع بعد فيها صوت بكاء ولا صوت صراخ» (إشعياء 17:65ـ19). ففي المُلك الألفي سيحدث الرب تغييرًا جوهريًا في الخليقة يعتبر خلقًا لحالة جديدة سماوية وأرضية لهناء الكل. ولكنه في المُلك الأبدي، سيحدث في السماء والأرض وما فيها تغييرًا كليًا يتمشى مع الحالة الأبدية.
فالتجديد الجوهري الألفي رمز وبدائة للتجديد الكلي الأبدي، والنِّبوة تتضمن في فحواها الإشارة إلى الإثنين كما أنها تربط إسرائيل وأرورشليم بالتجديدين، فالألفي سيكون تحسين الخلق القديم بحيث يكون كما قصده الله للحياة على الأرض الحيوانية الحالية. فيرجح إلى ما كان عليه من حسن لما خلقه الله وقبل أن تدخل عليه لعنة خطية الإنسان وتفسده بل وسيصل إلى أحسن مما كان. أما التجديد الأبدي فسيكون خلق جديد بالكلية لكل شيء، بحيث يتفق مع الحياة على الأرض الروحانية الجديدة العتيدة. ويشير الرسول إلى التجديد المبدئي في المُلك الألفي ثم النهائي في المُلك الأبدي بقوله: «فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا. لأن انتظار الخليقة يتوقع إستعلان أبنلء الله إذ أُخضِعت الخليقة للبطل. ليس طوعًا بل من أجل الذي أخضعها. على الرجاء. لأن الخليقة نفسها أيضًا ستعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله. فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معًا إلى الآن. وليس هكذا فقط بل نحن الذين لنا باكورة الروح نحن أنفسنا أيضًا نئن في أنفسنا متوقعين التبني فداء أجسادنا» (رومية 18:8ـ32).

التغيير في الأجرام السماوية
ففي العصر الألفي سيزيد الرب قوة نور الأجرام السماوية «ويكون نور القمر كنور الشمس ونور الشمس يكون سبعة أضعاف، كنور سبعة أيام، في يوم يجبر الرب كسر شعبه ويشفي رض ضربه» (إشعياء 26:30) «لأن هاأنذا خالق سموات جديدة» (إشعياء 17:65).

التغيير في طبيعة الأرض
ولم يقل الرب فقط «هاأنذا خالق سموات جديدة» بل قال أيضًا، «وأرضًا جديدة» (إشعياء 17:65). فستحدث تغييرات عجيبة في وجه الأرض ونوع تربتها، إذ سيجعلها أكثر خصبًا بما لا يقاس «تجدد وجه الأرض» (مزمور 30:104). فسيرفع الله حكم اللعنة الذي أوقعه على الإنسان والأرض بسبب السقوط في قوله تعالى لقايين: «ملعون أنت من الأرض …متى عملت الأرض لا تعود تعطيك قوتها. تائهًا وهاربًا تكون في الأرض» (تكوين 11:4و12)، وفي قوله تعالى لآدم من قبل: «ملعونة الأرض بسببك. بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك. وشوكًا وحسكًا تنبت لك وتأكل عشب الحقل. بعرق وجهك تأكل خبزًا حتى تعود إلى الأرض التي أُخذت منها. لأتك تراب وإلى تراب تعود» (تكوين 17:3ـ19) وفي قوله تعالى أيضًا للمرأة: «تكثيرًا أكثر أتعاب حبلك. بالوجع تلدين أولادًا» (تكوين 16:3) فالخطية في العيشة واللعنة في الأجسام، وفي طبيعة وتربة وإنتاج الأرض، تلك الأمور المرة التي استمرت ما يقرب من ستين قرنًا ستزول بتمامها. فعوّضًا عن الخطية يكون البر، عوضًا عن اللعنة على الانسان في جسمه تكون البركة للرجال والنساء، وعوّضًا عن اللعنة على الأرض تكون البركة لها في شكلها وتربتها وإنتاجها. ويرجع إلى الطبيعة جمالها وإلى الأرض خصبها وخصوصًا أرض فلسطين. فالخالق القدير يأمر فقط كما قال في بدء الخليقة: «لتظهر اليابسة». وفي لحظة سيتغيّر وجه البسيطة بأكمله. وكل الأودية القحلاء، والصحراء الرملية الشاسعة، والبرية المملوءة من الشوك والحسك، وحتى الصخور الصماء، ستتحوّل إلى جنات وفراديس وحقول خصبة ويانعة، مثل أيام جنة عدن. «فيقولون: هذه الأرض الخربة صارت كجنة عدن. والمدن الخربة والمقفرة والمنهدمة محصنة معمورة» (حزقيال 35:36).
وسوف لا يكون للانسان يد في ذلك بالمرة. كما زالت سابقًا مدنيَّة العالم القديم قبل الطوفان. وسيكون كل شيء جديدًا ولائقًا بسيادة المسيا على كل الأرض. ولذلك يقول النبي دانيال «طوبى لمن ينتظر ويبلغ إلى الألف والثلاث مئة والخمسة والثلاثين يومًا» (دانيال 12:129.
وسيحصل تغيير معجزي عجيب في فلسطين عند بدء العصر الألفي. ففي جبل الزيتون عندما يقف الرب بقدميه عليه، ينشق من وسطه نحو الشرق ونحو الغرب ويصير واديًا عظيمًا جدًا وينتقل نصف الجبل نحو الشمال ونصفه نحو الجنوب. وهذا الوادي العظيم سيكون بستانًا مثمرًا «تتحوّل البرية إلى بستان». ثم النهر العجيب الذي يأتي إلى شمال أورشليم نابعًا من تحت المذبح في القدس، ويتفرع إلى فرعين أحدهما يتجه إلى الشرق ويصب في البحر الميّت فيشفى مياهه، والآخر يتجه إلى الغرب ويصب في البحر الكبير ويكون لخدمة الملاحة (حزقيال 1:47ـ12) هذا النهر سيحوّل جميع الأراضي القحلاء إلى جنات وفراديس.
ولا يقتصر التغيير على أرض فلسطين فقط، بل سيشمل كل الأرض. وسوف لا يكون هناك أراضي بور أو قحلاء أو جدباء، وسوف لا ينبت الشوك والحسك فيما بعد، بل تكون هناك أشجار مثمرة من كل صنف. وسوف تنفجر ينابيع المياه من الأرض وترويها. وترجع للأرض قوّتها الإنتاجية السابقة ”قبل اللعنة“ وتنتج محصولاتها بكثرة وافرة جدًا. خلافًا لما نجده الآن من الأمحال والجدوبة وسطوة الحشرات المتلفة للزرع أو المحصول. وسوف لا تكون هناك آفات طبيعية ولا تعب في إعداد الأرض للأثمار. ولا يأكل الإنسان خبزه بعرق جبينه حيث يتعب في الحرث والبذر والري والحراسة والجني، بل يجلس كل واحد تحت تينته وتحت كرمته ويأكل إلى الشبع في أمن وراحة وفرح منصرفة جميعها إلى التعلق بالرب والتعبد له «هاأنذا صانع أمرًا جديدًا. الآن ينبت. ألا تعرفونه؟ أجعل في البرية طريقًا في القفر أنهارًا. يمجدني حيوان الصحراء الذئاب وبنات النعام لأني جعلت في البرية ماءً أنهارًا في القفر لأسقي شعبي مختاريّ. هذا الشعب جبلته لنفسي. يحدّث بتسبيحي» (إشعياء 18:43ـ21). «لأني أسكب ماءً على العطشان. وسيولاً على اليابسة. أسكب روحي على نسلك وبركتي على ذريتك. فينبتون بين العشب مثل الصفصاف على مجاري المياه». (إشعياء 3:44و4) «تفرح البرية والأرض اليابسة، ويبتهج القفر ويزهر كالنرجس. يزهر إزهارًا ويبتهج ابتهاجًا ويرنم … حينئذ تتفتح عيون العمي وآذان الصم تتفتح. حينئذ يقفز الأعرج كالأيل ويترنم لسان الأخرس، لأنه قد انفجرت في البرية مياه وأنهار في القفر. ويصير السراب أجمًا والمعطشة ينابيع ماء. في مسكن الذئاب في مربضها دار للقصب والبردي» (إشعياء 1:35، 5ـ7) «عوضًا عن الشوك ينبت سرو وعوضًا عن القريس يطلع آس. ويكون للرب إسمًا علامة أبدية لا تنقطع» (إشعياء 13:55).
«ثم يعطي مطر زرعك الذي تزرع الأرض به وخبز غلة الأرض فيكون دسمًا وسمينًا وترعى ماشيّتك في ذلك اليوم في مرعى واسع. والأبقار والحمير التي تعمل في الأرض تأكل علفًا مملحًا مذري بالمنسف والمذراة. ويكون على كل جبل عال وعلى كل أكمة مرتفعة سواقي ومجاري مياه» (إشعياء 23:30ـ25).
وسوف لا يكون في تلك الأيام السعيدة غور أو فقر، وبالتبعيّة لا يوجد لزوم للتكالب على العيش والتزاحم على القوت كما نرى في أيامنا هذه. بل بالعكس، سيكون هناك وفر عظيم في حاجيات المعيشة لكل سكان العالم مهما كثر عددهم بملايين الملايين. وستجهز تلك الخيرات بمعرفة الخالق الجواد الحنان، الذي سيهب الجميع من غناه ومن فرط سخائه كل البركات الزمنية والروحية أيضًا.
يتصوّر بعض الملحدين أنه إذا عاش شعب مدة ألف سنة وازداد هكذا بدون أن يموت فإنه من المستحيل تدبير الغذاء اللازم لهم وكذا باقي الاحتياجات الأخرى لمعيشتهم. ولكن هذا التصوّر إنما هو كفر بقدرة الله الغير المحدودة وإنكار لحكمته التي بكلمة واحدة يوجد الموجود من العدم. وها هو ملك الألف السنة سيكون فيه الدليل الملموس على أنه ليس بعد الكفر ذنب. «ها أيام تأتي يقول الرب يدرك الحارث الحاصد ودائس العنب باذر الزرع. وتقطر الجبال عصيرًا وتسيل جميع التلال» (عاموس 13:9). «وأدعو الحنطة وأكثرها ولا أضع عليكم جوعًا. وأكثر ثمر الشجر وغلة الحقل لكيلا تنالوا بعد عار الجوع بين الأمم» (حزقيال 29:36و30). «وتعطي شجرة الحقل ثمرتها وتعطي الأرض غلتها ويكونون آمنين في أرضهم» (حزقيال 27:34) «بل زرع السلام الكرم يعطي ثمره والأرض تعطي غلتها والسموات تعطي نداها وأملك بقية هذا الشعب هذه كلها» (زكريا 12:8). «والأرض أعطت غلتها. يباركنا الله إلهنا. يباركنا الله وتخشاه كل أقاصي الأرض» (مزمور 6:67). «ويجيب الرب ويقول لشعبه: هاأنذا مرسل لكم قمحًا ومسطارًا وزيتًا لتشبعوا منها ولا أجعلكم أيضًا عارًا بين الأمم … لا تخافي أيتها الأرض ابتهجي وافرحي لأن الرب يعظم عمله. لا تخافي يا بهائم الصحراء فإن مراعي البرية تنبت لأن الأشجار تحمل ثمرها، التينة والكرمة تعطيان قوتهما. ويا بني صهيون ابتهجوا وافرحوا بالرب إلهكم لأنه يعطيكم المطر المبكر على حقه وينزل عليكم مطرًا مبكرًا ومتأخرًا في أول الوقت فتملأ البيادر حنطة وتفيض حياض المعاصر خمرًا وزيتًا. وأعوّض لكم عن السنين التي أكلها الجراد الغوغاء والطيار والقمص جيشي العظيم الذي أرسلته عليكم. فتأكلون أكلاً وتشبعون وتسّبحون اسم إلهكم الذي صنع معكم عجبًا ولا يخزى شعبي إلى الأبد» (يوئيل 19:2و21ـ26). «إلى أن يسكب علينا روح من العلاء فتصير البرية بستانًا ويحسب البستان وعرًا» (إشعياء 15:32). «ويكون في ذلك اليوم أني أستجيب يقول الرب أستجيب السموات وهى تستجيب الأرض. والأرض تستجيب القمح والمسطار والزيت وهى تستجيب يزرعيل وأزرعها لنفسي في الأرض. وأرحم لورحامة وأقول للوعمي أنت شعبي وهو يقول أنت إلهي» (هوشع 21:2ـ23). «في ذلك اليوم يقول رب الجنود. ينادي كل إنسان قريبه تحت الكرمة وتحت التينة» (زكريا 10:3). «بل يجلسون كل واحد تحت كرمته وتحت تينته ولا يكون من يرعب لأن فم رب الجنود تكلم» (ميخا 4:4).
ونرى في (حزقيال 12:47) الإشارة المهمة إلى كثرة إثمار الشجر بالارتباط مع النهر العجيب. فعلى شاطيء النهر ينبت كل شجر للأكل لا يذبل ورقه ولا ينقطع ثمره كل شهر ينتج ثمرًا جديدًا لأن مياهه خارجة من القدس. ويكون ثمر الشجر للأكل وورقه للدواء. فلا يوجد تساقط أوراق ولا عدم إثمار كما هو الحال في يومنا، وخصوصًا في زمن الشتاء، بل في كل شهر تخرج أثمار جديدة وحمل جديد ومتتابع.

التغيير في الأعمار وخلود الأبرار
وستشمل التغييرات أيضًا عمر الإنسان فيطول إلى 1000 عام كما كان في البداءة. ولذلك يطول عهد الطفولة إلى 100 سنة من العمر، بل والأبرار الذين يدخلونه والذين يولدون فيه، لن يموتوا بل سيخلدون فيها ومنها ينتقلون بغير موت إلى الأرض الجديدة.
لقد كانت الأعمار إلى ما قبل الطوفان طويلة إلى ما يقرب الألف سنة. فقد عاش آدم 930 سنة، وعاصر ثمانية أجيال من نسله وحفدته. ومتوشالح عاش 969 سنة، وهو أكبر من عمر الأرض. ثم جاء نوح وعاش 600 سنة قبل الطوفان و350 سنة بعد الطوفان. وقد تناقصت الأعمار بعد الطوفان تدريجيًا إلى 430 ثم 230 ثم 175 وهو عمر إبراهيم ثم 120 وهو عمر موسى، وكان يعتبر أكبر معمر في زمنه. ثم تضاءلت الأعمار فصارت بين 70و80 سنة كما يقول المرنم: «أيام سنيننا هى سبعون سنة. وإن كانت مع القوة فثمانون سنة وأفخرها تعب وبلّية. لأنها تقرض سريعًا فتطير» (مزمور 10:90).
أما في المُلك الألفي كما قلنا فسيطول العمر كل الألف السنة. ولا يخرج الإنسان من سن الطفولة ويدخل سن الرجولة تحت المسئولية، إلا بعد أن يبلغ المائة من العمر. لذلك فمن لا يكون بارًا من مواليد الأمم في المُلك، لا يحاسب على خطيّته إلا متى بلغ المائة عمرًا التي هى سن المسئولية «لا يكون بعد هناك طفل أيام ولا شيخ لم يكمل أيامه. لأن الصبي يموت ابن مائة سنة والخاطي يلعن ابن مائة سنة» (إشعياء 20:65). بل والأبرار الذين يدخلون المُلك أو يولدون فيه، فلن يموتوا «لأنه هناك أمر الرب بالبركة حياة إلى الأبد» (مزمور 3:133) بل وسيظلون أحياء أقوياء سعداء كل مدة المُلك «هكذا قال رب الجنود: سيجلس بعد الشيوخ والشيخات في أسواق أورشليم كل إنسان منهم عصاه بيده من كثرة الأيام» (زكريا 4:8) «الصِديق كالنخلة يزهو كالأرز في لبنان ينمو. مغروسين في بيت الرب، في ديار إلهنا يزهرون. أيضًا يثمرون في الشيّبة» كابراهيم «يكونون دسامًا وخضرًا» (مزمور 12:92ـ14). فبالنسبة للأبرار لن يكون موت «يبلع الموت إلى الأبد» (إشعياء 8:25) «من يد الهاوية أفديهم من الموت أخلصهم. أين أوباؤك، يا موت؟ أين شوكتك، يا هاوية؟» (هوشع 14:13). ولذلك سينتقلون، كما ألمعنا، إلى الأرض الجديدة أحياء بتغيير الأجساد دون موت.

التغيير في طبيعة الوحوش
وستتناول التغييرات العجيبة أيضًا في هذا العصر طباع الحيوانات الشرسة فتصير كلها أليفة مثل ما كانت في جنو عدن. «وأقطع معهم عهد سلام وأنزع الوحوش الرديئة من الأرض فيسكنون في البرية مطمئنين وينامون في الوعور» (حزقيال 25:35). «فيسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع الجدي والعجل والشبل والمسمن معًا وصبي صغير يسوقها. والبقرة والدبة ترعيان. تربض أولادهما معًا والأسد كالبقر يأكل تبنًا. ويلعب الرضيع على سرب الصل. ويمد الفطيم يده على حجر الأفعوان (إشعياء 6:11ـ8). «والذئب والحمل يرعيان معًا. والأسد يأكل التبن كالبقر. أما الحية فالتراب طعامها. لا يؤذون ولا يهلكون في كل جبل قدسي قال الرب» (إشعياء 25:65). «وأقطع لهم عهدًا في ذلك اليوم مع حيوان البرية وطيور السماء ودبابات الأرض. وأكسر القوس والسيف والحرب من الأرض وأجعلهم يضطجعون آمنين» (هوشع 18:2).


التغيير في النظم الاجتماعية والحالة الأدبية وعصر السلام


فيما عدا بعض الحوادث الاستثنائية التي سنتكلم عنها، سيكون المُلك الألفي هو ملك البر والسلام والفرح في الروح القدس. فلا تكون تعديات من فرد على فرد، ولا من أمة على أمة ومن ثَم لا يكون بوليس ولا محاكم ولا سجون ولا ملاجيء ولا إسعاف ولا مدارس ولا كنائس، ولا برلمانات ولا وزارات، ولا حرب ولا مصانع حربية ولا أسلحة جوية أو برية أو بحرية ولا جيوش ولا معسكرات ولا مطارات ولا تجنيد ولا تدريب، ولا أوبئة ولا أمراض ولا مستشفيات ولا موت ولا حزن ولا جنازات، ولا وحوش ولا افتراس.

أما عن عيشة البر، رغم بقاء طبيعة الشر، فيقال: «لا يسوؤون ولا يفسدون في كل جبل قدسي لأن الأرض تمتليء من معرفة الرب كما تغطي المياه البحر» (إشعياء 9:11) «أجعل شريعتي في داخلهم وأكتبها على قلوبهم وأكون لهم إلهًا وهو يكونون لي شعبًا. ولا يعلمون بعد كل واحد صاحبه وكل واحد أخاه قائلين: اعرفوا الرب لأنهم كلهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم، يقول الرب» (إرميا 33:31و34).

أما عن الأمن والسلام فيقال: «ويكون صنع العدل سلامًا وعمل العدل سكونًا وطمأنينة إلى الأبد. ويسكن شعبي في مسكن السلام وفي مساكن مطمئنة وفي محلات أمينة» (إشعياء 16:32ـ18) «يقضي بين شعوب كثيرين، ينصف لأمم قوية بعيدة فيطبعون سيوفهم سككًا ورماحهم مناجل. لا ترفع أمة على أمة سيفًا ولا يتعلمون الحرب فيما بعد، بل يجلسون كل واحد تحت كرمته وتحت تينته ولا يكون من يرعب» (ميخا 3:4و4).

أما عن الصحة والغبطة من كل وجوهها الروحية الروحية والجسدية والزمنية فيقول: «لأنكم بفرح تخرجون وبسلام تحضرون. الجبال والآكام تشيد أمامكم ترنمًا وكل شجر الحقل تصفق بالأيادي» (إشعياء 12:55). «لا يجوعون ولا يعطشون ولا يضربهم حر ولا شمس لأن الذي يرحمهم يهديهم وإلى ينابيع المياه يوردهم» (إشعياء 10:49) «لن يجوعوا بعد ولن يعطشوا بعد ولا تقع عليهم الشمس ولا شيء من الحر. لأن الخروف الذي في وسط العرش يرعاهم ويقتادهم إلى ينابيع مياه حية ويمسح الله كل دمعة من عيونهم» (رؤيا 16:7و17) «ولا يقول ساكن أنا مرضت» (إشعياء 24:33). «ومفديو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون بترنم وفرح أبدي وعلى رؤوسهم. ابتهاج وفرح يدركانهم. ويهرب الحزن والتنهد» (إشعياء 10:35). «ويصنع رب الجنود لجميع الشعوب في هذا الجبل وليمة سمائن وليمة خمر على دردى سمائن ممخة دردى مصفى» (إشعياء 6:25). «فيأتون ويترنمون في مرتفع صهيون ويجرون إلى جود الرب على الحنطة وعلى الخمر وعلى الزيت … ويشبع شعبي من جودي يقول الرب» (إرميا 12:31ـ14) «فابتهج بأورشليم وأفرح بشعبي ولا يسمع بعد فيها صوت بكاء ولا صوت صراخ» (إشعياء 19:65). «ومغنون كعازفين كل السكان فيك» (مزمور 7:87).

***


الفصل الثاني
ملكوت الله
في دائرتيه: السماوية والأرضية
«ليأت ملكوتك. لتكن مشيئتك. كما في السماء. كذلك على الأرض».
(متى 10:6).
هذا ما سيتم بكيفية مبدئية في المًلك الألفي. فستكون في السماء أورشليم السماوية وبها أبرارها السماويون، وتحتها أورشليم الأرضية وبها أبرارها الأرضيون. وقد صور هذا المشهد حرفيًا ونبويًا على جبل التجلي، حيث كان الرب ظاهرًا كرب المجد وملك المجد ومعه موسى وإيليا يمثلان الشق السماوي في الملكوت، أورشليم السماوية وسكانها: موسى ممثل الراقدين مقامين متغيرين، وإيليا ممثل المختطفين أحياء متغيرين. وبطرس ويعقوب ويوحنا يمثلون أبرار الأرض في أورشليم الأرضية، مستضيئين وفرحين بمجد السماويين، وعلى رأسهم جميعًا ربهم ظاهرًا في مجده الإلهي والملكي.

المسيح ملك الملوك
«وله على ثوبه وعلى فخذه اسم مكتوب ملك الملوك ورب الأرباب».
(رؤيا 16:19).
مهما أوتى العقل البشري من حكمة، فلا يمكنه استيعاب أوصاف ذلك الشخص الفريد، لا في أمجاده الإلهية حتى ولا في صفاته كالإنسان البار والملك القدوس الذي سيحكم العالم بالعدل لأول مرة. ولذلك ندع الوحيّ يتكلم عنه فيخاطبه قائلاً:
«أنت أبرع جمالاً من بني البشر. انسكبت النعمة على شفتيك لذلك باركك الله إلى الأبد … كرسيك يا الله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب مُلكك. أحببت البر وأبغضت الإثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك. كل ثيابك مر وعود وسليخة. من قصور العاج سرتك الأوتار. بنات ملوك بين حظياتك. جعلت الملكة عن يمينك بذهب أفير» (مزمور 2:45ـ8). «والملك ببهائه تنظر عيناك» (إشعياء 17:33). «لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابنًا وتكون الرئاسة على كتفه ويدعى إسمه عجيبًا مشيرًا إلهًا قديرًا آبًا أبديًا رئيس السلام. لنمو رياسته وللسلام لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن وإلى الأبد. غيرة رب الجنود تصنع هذا» (إشعياء 6:9و7). «وأجعل مفتاح بيت داود على كتفيه فيفتح وليس من يغلق ويغلق وليس من يفتح. وأثبته وتدًا في موضع أمين ويكون كرسي مجد لبيت أبيه» (إشعياء 22:22). «هوذا بالعدل يملك ملك ورؤساء بالحق يترأسون» (إشعياء 1:32): «ها أيام تأتي يقول الرب. وأقيم لداود غصن بر فيملك ملك وينجح ويجري حقًا وعدلاً في الأرض. في أيامه يخلص يهوذا ويسكن إسرائيل آمنًا. وهذا هو اسمه الذي يدعونه به الرب برنا» (إرميا 5:23و6). «يشرق في أيامه الصديق وكثرة السلام إلى أن يضمحل القمر. ويملك من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض … ويسجد له كل الملوك كل الأمم تتعبد له» (مزمور 7:72و8و11). «ارفعن أيتها الأرتاج رؤوسكن وارتفعن أيتها الأبواب الدهريات. فيدخل ملك المجد. من هو هذا ملك المجد؟ الرب القدير الجبار الرب الجبار في القتال. ارفعن أيتها الأرتاج رؤوسكن وارفعنها أيتها الأبواب الدهريات فيدخل ملك المجد. من هو هذا ملك المجد؟ رب الجنود هو ملك المجد» (مزمور 7:24ـ10) «ويخجل القمر وتخزى الشمس لأن رب الجنود قد ملك في جبل صهيون وفي أورشليم وقدام شيوخه مجد» (إشعياء 23:24). «الرب قد مَلك فلتبتهج الأرض ولتفرح الجزائر الكثيرة. السحاب والضباب حوله. العدل والحق قاعدة كرسيه. قدامه تذهب نار وتحرق أعداءه حوله. أضاءت بروقه المسكونة. رأت الأرض وارتعدت ذابت الجبال مثل الشمع قدام الرب قدام سيد الأرض كلها. أخبرت السموات بعدله ورأى جميع الشعوب مجده» (مزمور 1:97ـ6). «الرب قد ملك. ترتعد الشعوب. هو جالس على الكروبيم. تتزلزل الأرض. الرب عظيم في صهيون وعال هو على كل الشعوب. يحمدون اسمك العظيم والمهوب. قدوس هو. وعز الملك أن يحب الحق. أنت ثبتت الإستقامة أنت أجريت حقًا وعدلاً في يعقوب» (مزمور 1:99ـ4). «الرب في السموات ثبَّت كرسيه. ومملكته على الأرض تسود. باركوا الرب يا ملائكته المقتدرين قوة الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه. باركوا الرب يا جميع جنوده خدامه العاملين مرضاته. باركوا الرب يا جميع أعماله في كل مواضع سلطانه. باركي يا نفسي الرب» (مزمور 19:103ـ22). «يحمدك يا رب كل أعمالك. ويباركك أتقياؤك. بمجد ملكك ينطقون وبجبروتك يتكلمون. ليعرفوا بني آدم قدرتك ومجد جلال ملكك. ملكك ملك كل الدهور وسلطانك في كل دور فدور» (مزمور 10:145ـ13). «أنا أيضًا أجعله بكرًا أعلى من ملوك الأرض. إلى الدهر أحفظ له رحمتي وعهدي يثبت له» (مزمور 27:89و28). «يا جميع الأمم صفقوا بالأيادي. اهتفوا لله بصوت الإبتهاج. لأن الرب علىّ مخوف ملك كبير على كل الأرض. يخضع الشعوب تحتنا والأمم تحت أقدامنا. يختار لنا نصيبنا فخر يعقوب الذي أحبه. صعد الله بهتاف الرب بصوت الصور. رنموا لله رنموا. رنموا لملكنا رنموا. لإن الله ملك الأرض كلها رنموا قصيدة. ملك الله على الأمم. الله جلس على كرسي قدسه» (مزمور 1:47ـ8).

حكمه بالعدل بين الأمم
ستتوحد في ذلك الوقت جميع حكومات العالم وتصير حكومة واحدة تحت سلطة المسيح، وستخضع له كل الملوك والرؤساء، ويقضي بينهم بالعدل والإنصاف. فلا توجد خصومات ولا مشاحنات «وتسير شعوب كثيرة ويقولون: هلم نصعد إلى جبل الرب إلى بيت إله يعقوب فيعلمنا من طرقه ونسلك في سبله لأنه من صهيون تخرج الشريعة ومن أورشليم كلمة الرب. فيقضي بين الأمم وينصف لشعوب كثيرين فيطبعون سيوفهم سككًا ورماحهم مناجل. لا ترفع أمة على أمة سيفًا ولا يتعلمون الحرب فيما بعد» (إشعياء 3:2و4). «ولذته تكون في مخافة الرب. فلا يقضي بحسب نظر عينيه ولا يحكم بحسب سمع أذنيه. بل يقضي بالعدل للمساكين ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض ويضرب الأرض بقضيب فمه ويميت المنافق بنفخة شفتيه. ويكون البر منطقة متنيه والأمانة منطقة حقويه» (إشعياء 3:11ـ5). «فيسكن في البرية الحق والعدل في البستان يقيم. ويكون صنع العدل سلامًا وعمل العدل سكونًا وطمأنينة إلى الأبد» (إشعياء 16:32و17). «فيقضي بين شعوب كثيرين ينصف لأمم قوية بعيدة فيطبعون سيوفهم سككًا ورماحهم مناجل. لا ترفع أمة على أمة سيفًا ولا يتعلمون الحرب فيما بعد. بل يجلسون كل واحد تحت كرمته وتحت تينته ولا يكون من يرعب لأن فم رب الجنود تكلم» (ميخا 3:4و4).
«ها أيام تأتي يقول الرب وأقيم لداود غصن بر فيملك ملك وينجح ويجري حقًا وعدلاً في الأرض» (إرميا 5:23). «قد جعلتك نورًا للأمم لتكون خلاصي إلى أقصى الأرض» (إشعياء 6:49). «اهتفي للرب يا كل الأرض اهتفوا ورنموا وغنوا. رنموا للرب بعود. بعود وصوت نشيد. بالإبواق وصوت الصور اهتفوا قدام الملك الرب. ليعج البحر وملؤه المسكونة والساكنين فيها. الأنهار لتصفق بالأيادي الجبال لترنم معًا. أمام الرب لأنه جاء ليدين الأرض. يدين المسكونة بالعدل والشعوب بالاستقامة» (مزمور 4:98ـ8).

سيادته على الخلائق جميعها
لما خلق الله آدم الأول ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها، وأحضر إليه كل حيوانات البرية وطيور السماء ليدعوها بأسماء، لم يطل زمان تمتعه بهذا السلطان. إذ سقط في التعدي وطُرِد من الجنة ليعمل في الأرض التي أُخذ منها. وقد شاركته الخليقة أجمع في تلك النتائج المحزنة.
ولكن على يد المسيح ـ كآدم الأخير ـ سنرجع السلطة للانسان بأفضل مما كانت له في الأول، وترجع للخليقة راحتها وهناؤها «لأن انتظار الخليقة يتوقع استعلان أبناء الله. إذ أُخضعت الخليقة للبطل. ليس طوّعًا بل من أجل الذي أخضعها. على الرجاء. لأن الخليقة نفسها أيضًا ستعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله. فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معًا إلى الآن» (رومية 19:8ـ22). «فإنه لملائكة لم يخضع العالم العتيد الذي تتكلم عنه. لكن شهد واحد في موضع قائلاً: ما هو الإنسان حتى تذكره أو ابن الإنسان حتى تفتقده. وضعته قليلاً عن الملائكة. بمجد وكرامة كللته وأقمته على أعمال يديك. أخضعت كل شيء تحت قدميه. لأنه إذ أخضع الكل له لم يترك شيئًا غير خاضع له. على أننا الآن لسنا نرى الكل بعد مخضعًا له» (عبرانيين 5:2ـ8). «أيها الرب سيدنا ما أمجد اسمك في كل الأرض حيث جعلت جلالك فوق السموات. من أفواه الأطفال والرضّع أسست حمدًا بسبب أضدادك لتسكيت عدو ومنتقم. إذ أرى سمواتك عمل أصابعك القمر والنجوم التي كونتها. فمن هو الإنسان حتى تذكره وابن آدم حتى تفتقده. وتنقصه قليلاً عن الملائكة وبمجد وبهاء تكلله. تسلطه على أعمال يديك. جعلت كل شيء تحت قدميه. الغنم والبقر جميعًا وبهائم البر أيضًا. وطيور السماء وسمك البحر السالك في سبل المياه. أيها الرب سيدنا ما أمجد أسمك في كل الأرض» (مزمور 1:8ـ8).
ولو أن معرفة الإنسان ازدادت والعلوم والاكتشافات تقدمت. فإن أسرار الطبيعة لم تزل مغلقة عن أفكار البشر وإن ما ظهر واستعلن منها، لا يعد إلا نذرًا يسيرًا لما هو محجوب عن البصر. ولكن عند ظهور الرب وملكه، ستخضع له كل نواميس الطبيعة. وتظهر كل أسرارها، ويتمجد حينئذ الرب في جميع خلائقه. «الذي بيده مقاصير الأرض وخزائن الجبال له، الذي له البحر وهو صنعه ويداه سبكتا اليابسة» (مزمور 4:95و5).

ملكوت الله في دائرته السماوية

الوطن السماوي وعاصمته أورشليم السماوية
وحلوله فوق الوطن الإسرائيلي الأرضي الذي عاصمته أورشليم الأرضية
لقد ألقينا بنظرة خاطفة على ”الملك“ في مجد ذاته كالرب والملك. والآن نلقي بنظرة على مجده الذي خلعه على عروسه السماوية ـ الكنيسة ـ وعلى أصدقائه السماويين في مجد أورشليم السماوية، ثم على مجده الذي خلعه على عروسه الأرضية ـ إسرائيل ـ وعلى رفيقاتها الأرضيين.

ولنبدأ السماء والسماويين: ـ
«ثم جاء إلىَّ واحد من السبعة الملائكة الذين معهم السبعة الجامات المملوءة من السبع الضربات الأخيرة، وتكلم معي قائلاً هلم فأريك العروس امرأة الخروف. وذهب بي بالروح إلى جبل: عظيم عالٍ وأراني المدينة العظيمة أورشليم المقدسة نازلة من السماء من عند الله» (رؤيا 9:21و10).
عقب الجام السابع سقطت روما مدينة المسيحية الإسمية، العروس الزائفة الخائنة (رؤيا 17:16ـ4:19) وتجلَّت أورشليم الجديدة، مدينة المسيحية الحقيقية، العروس الصادقة الأمينة «لنفرح ونتهلل ونعطه المجد لأن عرس الخروف قد جاء وامرأته هيأت نفسها. وأعطيَّت أن تلبس بَزًا نقيًا بهيًا لأن البَز هو تبررات القديسين» (رؤيا 7:19و8). وذلك كان عقب وقوفهم في السماء أمام كرسي المسيح، ونوالهم جميعًا جزاء الميراث، تقسيم المُلك على قديسي العهدين بحسب استحقاق كل واحد. وإذ ينزلون مع الرب للدينونة والحكم والمُلك، يختفي ذكرهم كشيوخ، ويتجلون كمدينة، ولما للمدينة أو العاصمة من ميزة الحكم.

هنا يرينا الله أنه أعد لنا مدينة ”المدينة المقدسة“. أن أورشليم الجديدة السماوية، بلا شك، هى وأورشليم الجديدة الأرضية كمدينة سكن (مزمور 1:107ـ7)، وهى رمزها الأرضي. فهى ليست مجرد رمز للقديسين أنفسهم. أن أبناء الأمة الأسرائيلية في القدم قنعوا بأن ينتظروا بصبر الإيمان نهاية رحلتهم في أرض الغربة. كما قيل عن إبراهيم «لأنه كان ينتظر المدينة التي لها الأساسات التي صانعها وبارئها الله» (عبرانيين 10:11). وكما قيل عن إبراهيم واسحق ويعقوب: «ولكن الآن يبتغون وطنًا أفضل أى سماويًا. لذلك لا يستحي بهم الله أن يدعى إلههم لأنه أعد لهم مدينة» (عبرانيين 16:11).
على أن أورشليم الجديدة لا نعني فقط مدينة سكن، بل تعني أيضًا ”العروس“. ومن هذه الناحية لها معنى أعمق. لأننا نرى فيها لا علاقة القديسين مع بعضهم بل علاقتهم بالمسيح التي يختص بها قديسو العهد الجديد. والمسيح فيها سراج المجد الإلهي الذي يسطع بنوره على المدينة وينير وحده ويوضح كل شيء ويحدد العلاقات. إننا لا يمكننا بعد أن نكون وحدنا بدونه. ومن ثَم فطبيعتنا الإنسانية الاجتماعية بجملتها ستجد في الوجود معه كل كفايتها وشبعها.
وهذه المدينة هى بالضرورة ”المدينة المقدسة“ أيضًا. إن النجاسة كانت هى ما يميّز مدينة قايين، ولازالت هى المميّز لكل مدن الإنسان لغاية الآن، ولكن بكيفية تفاقم خطبها وتعالى صراخها. وأين، في غير المدن، تنبعث منتشرة روائح الدنس الكريهة؟ وأين، في غير المدن توجد مراتع الفساد الأثيمة؟ فالفقر والغنى فيها يدفقان طوفانًا غامرًا من المآثم يتعالى منه أنات العار والألم وصرخات البؤس والشقاء متزايدة على مدى الأيام. ولكن في النهاية تتمثل أمامنا ”مدينة مقدسة“، أورشليم الجديدة، مؤسسة السلام، لا كبابل القدم المتشامخة إلى السماء، بل نازلة من السماء، سبيل كل خير وكل بركة للانسان. إن مسكن الله هو مع الناس (رؤيا 3:21).
على أن في الكتاب فصول أخرى تؤكد لنا بالتحديد أن ”المدينة“ السماوية المعلنة لنا هنا، هى وصف رمزي لمدينة سكن جميع القديسين السماويين. وليست فقط وصفًا رمزيًا لقديسي العهد الجديد كما اعتبرها البعض من مجرد تسميّتها ”العروس امرأة الخروف“.
فمثلاً «أورشليم، العُليا» أو التي فوق في العلا «التي عى أمنا» (غلاطية 26:4) لا يمكن في الوقت نفسه أن يعتبر أنها العروس امرأة الخروف. وفي (عبرانيين 22:12و23)، لنا شهادة حاسمة. فهناك «كنيسة أبكار مكتوبين في السموات» أو المسيحيون في السماء، «وأرواح أبرار مكملين» أو قديسو العهد القديم مقامين بأجساد المجد. وهؤلاء وألئك يذكران متميّزين عن «مدينة الله الحيّ، أورشليم السماوية». وهذا التمييز يجعل من المستحيل اعتبار الثلاثة واحدًا، ولو أنه على منوال آخر يمكن بسهولة اعتبار المدينة مع سكانها واحدًا. وفي نفس الاتجاه نقاد إلى مدينة السكن بذكر «شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله» (رؤيا 7:2)، المكان الذي افتكر الرسول أن اختطافه إليه ربما كان بالجسد (كورنثوس الثانية 1:12ـ4). وهنا في (رؤيا 12) نرى شجرة الحياة في وسط المدينة على ضفتي «نهر ماء حياة» ينبع من عرش الله!.
وبالاختصار كنيسة المسيح وحدها، أى مؤمني العهد الجديد من يوم الخمسين ليوم الاختطاف، هم وحدهم ”عروس الخروف“. ولكن هل يمكن أن نجعل أورشليم الجديدة قاصرة على هذه الفئة دون سواها؟ لو أمكن ذلك لما كانت هناك أية صعوبة بالنسبة لصفة المدينة المعطاة لنا في سفر الرؤيا. أننا نجد بكيفية شائعة أن كل مدينة موحدة مع سكانها، حتى أن التسميّة تطلق على كل من السكن والسكان. فهل لا يسكن أورشليم الجديدة إلا قديسو الأزمنة المسيحية؟ وألا يجد أحد من مشاهير العهد القديم مكانًا له فيها؟ إن إبراهيم واسحق ويعقوب هم من ضمن أولئك الذين أكد الرب لنا أننا سنجلس معهم في ملكوت الله (لوقا 28:8و29). فهل يكونون خارج المدينة السماوية؟ إن سفر الرؤيا نفسه يجيبنا على ذلك إذ يقول إن الذين يدخلونها هم «المكتوبين في سفر حياة الخروف» (رؤيا 27:21) وأن «خارجًا الكلاب والسحرة والزناة والقتلة وعبدة الأوثان وكل من يحب ويضع كذبًا» (رؤيا 15:22). وفي (عبرانيين 10:11) نجد أن «المدينة التي لها الأساسات، التي صانعها وبارئها الله»، والتي كان الآباء ينظرونها من بعيد وينتظرونها، لا يمكن يقينًا أن تكون هى غير المدينة التي نجد وصفها الرمزي في سفر الرؤيا. وفي (عبرانيين 16:11) يقال عن هؤلاء الآباء أنهم «يبتغون وطنًا أفضل أى سماويًا، لذلك لا يستحي بهم الله أن يدعى إلههم لأنه أعد لهم مدينة».
فالمدينة التي كان يتطلع إليها إبراهيم لا يمكن أن تكون هى كنيسة العهد الجديد لأن الكنيسة كانت سرًا مكتومًا في الله كل الكتمان (أفسس 9:3) إذن فلابد من التسليم بأن لأورشليم الجديدة معنى آخر وأوسع عن الكنيسة. ولماذا لا يكون فيها اشتمال لكلا الفكرين؟ لماذا لا تكون هى المدينة ”العروس“ مسماة من الكنيسة العروس التي تسكنها، في حين أنها كمدينة سكن تشتمل أيضًا على سكان آخرين هم قديسو العهد القديم؟ إن التسليم بذلك هو وحده ما بيدو متمشيًا مع كل ما أعطاة لنا الكتاب من حقائق خاصًا بأورشليم الجديدة.
والعروس اليهودية، أورشليم الأرضية هى أيضًا على هذا المنوال في نِّبوات العهد القديم قد تكون أحيانًا في استيعاب أوسع واحيانًا في استيعاب أضيَّق، وأحيانًا تكون هى المدينة أورشليم وأحيانًا تكون هى الشعب إسرائيل. فقط في العهد القديم، المدينة تكون هى المشهد الأضيّق والشعب هو المشهد الأوسع، بينما في العهد الجديد نجد العكس، إذ المدينة هى المشهد الأوسع والسكان هم المشهد الأضيّق. وهذا الفارق أيضًا له معناه لأن المدينة السماوية، مسكن الله، لا تسمح بأن يكون أحد المفديين خارجًا عنها، بل هى فاتحة أبوابها على مصاريعها لكل المفديين. فهى المدينة العروس التي لها وليمة العرس والمرحبة دائمًا بالكل، والتي لا تذهب عنها نضارتها ولا تمل أو تعج أفراحها. فما أغبط الذين كُتبت أسماؤهم فيها!
ولأن المدينة تشتمل على مؤمني العهد الجديد، وهم العروس امرأة الخروف، ومؤمني العهد القديم، وهم أصدقاء العريس، وشهداء سبع سني الضيق، وهم محسوبون من ضمن أصدقاء العريس. لذلك نجد الأربعة والعشرون شيخًا والأربعة الكائنات الحية المكنى بهم عن أولئك السماويين جميعًا ككهنة عابدين من وجه، وكملوك حاكمين من وجه آخر، قبل ابتداء المُلك نجدهم يختفون من المشهد ولا يعودون للظهور بعد ابتداء المُلك. إذ ظهروا جميعًا في شكل رمزي، آخر هو المدينة السماوية التي تشملهم كلهم وتعبر عنهم جميعًا.

الأوصاف الرمزية للمدينة السماوية
«هلم فأريك العروس امرأة الخروف. وذهب بي بالروح إلى جبل عظيم عال وأراني المدينة العظيمة أورشليم المقدسة نازلة من السماء من عند الله. لها مجد الله ولمعانها شبه أكرم حجر كحجر يشب بلوري» (رؤيا 9:21ـ11). إن نزول هذه المدينة في زمان المُلك الألفي، هو للحكم والإدارة على أهل الأرض. وهنا توصف المدينة وصفًا كاملاً بالارتباط مع ظروف الأرض في المُلك. رغم أنها نفسها مدينة أبدية (رؤيا 2:21ـ4).
«وكان لها سور عظيم وعال. وكان لها اثني عشر بابًا وعلى الأبواب اثني عشر ملاكًا وأسماء مكتوبة هى أسماء أسباط بني إسرائيل الإثني عشر … وسور المدينة كان له إثنا عشر أساسًا وعليها أسماء رسل الخروف الإثني عشر» (رؤيا 12:21ـ14). هنا نجد أبواب سور المدينة بأسماء الأسباط، أما الأساسات فهى بأسماء الرسل. فهم وضعوا الأساسات وأسماؤهم مطبوعة على عملهم (أفسس 20:2). «وكان بناء سورها من يشب المدينة ذهب نقي شبه زجاج نقي. وأساسات سور المدينة مزيّنة بكل حجر كريم» (رؤيا 18:21ـ20).
هنا نرى نقاوة وثباتًا وتألقًا يتلذذ النظر بالتفرس في جماله. لقد كان القدس الأرضي مغشى بالذهب من الداخل (ملوك الأول 20:6). أما هنا فالمدينة كلها من ذهب. إذ ليس لنا مظهر المجد بل جوهرة. وتزيين الأساسات بكل حجر كريم، تبيّن صفات الله في متنوع أمجاده ظاهرة في كل كمالها وجمالها فيما يستقر ويقوم عليه خلاص شعب الله. «والاثنا عشر بابًا إثتا عشرة لؤلؤة كل واحد من الأبواب كان من لؤلؤة واحدة» (رؤيا 21:21). فالكنيسة هى اللؤلؤة الواحدة (متى 45:13و46). ففي كل باب أمام كل ملاك وكل داخل يحنفظ الله بصورة ما أغدقه على الكنيسة من نِعم «ليظهر في الدهور الآتية غنى نعمته الفائقة باللطف علينا في المسيح يسوع» (أفسس 7:2) «لنكون لمدح مجده» (أفسس 11:1) «لكي يعرف الآن عند الرؤساء والسلاطين في السماويات بواسطة الكنيسة بحكمة الله المتنوعة» (أفسس 10:3).
ولأن الباب هو مركز القضاء، لذلك يعلن لنا الباب اللؤلؤي. ما للكنيسة من مجد إلهي مخلوع عليها، كأداة الله في الحكم على الأرض.
«وسوق المدينة ذهب نقي كزجاج شفاف» (رؤيا 21:21) إن السوق في العالم هو مكان التجمع المستمر والتجارة والعرض والطلب، أما هنا فالكل قداسة لامعة ثابتة وحق.
«ولم أر فيها هيكلاً لأن الرب الله القادر على كل شيء هو والخروف هيكلها» (رؤيا 22:21). فالمدينة كلها قدس أقداس. فحضور الله هو هيكل المدينة ولا يوجد هيكل سواه. والخروف هو الذي يميّز لنا وسيميّز كل حين هذا الحضور الإلهي الذي يفوق الوصف. «والمدينة لا تحتاج إلى الشمس ولا إلى القمر ليضيئا فيها لأن مجد الله قد أنارها والخروف سراجها» (رؤيا 23:21) فالمسيح، لأنه السراج سيكون هو من يجعل الآب معروفًا. ونفس كلمة ”الخروف“ الدالة على الذبيحة الكفارية تؤكد لنا أننا سنكون دائمًا في حاجة للماضي أيضًا لأجل هذه المعرفة.
«وتمشي شعوب المخلصين بنورها» (رؤيا 21:24). فكما أن المسيح هو حلقة الاتصال بين الله والمدينة لأن مجد الله ينيرها والمسيح سراجها، كذلك المدينة أو القديسون السماويون لا يزالون في السماء كما كانوا على الأرض ”نور العالم“ باعتبارهم حلقة الاتصال بين الله والخروف وسكان الأرض، إنما على الوجه الأكمل. لانه كما يضيء المسيح كالشمس، كذلك سيضيئون هم أيضًا كالشمس في ملكوت أبيهم (متى 43:13)، على سكان الأرض الذين سيكونون تحت إشرافهم وتوجيهاتهم التي ستكون حينئذ توجيهات إلهية معصومة.
«وملوك الأرض يجيئون بمجدهم وكرامتهم إليها» (رؤيا 24:11). فبينما تمشي الشعوب بنورها تأتي ملوك هذه الشعوب بمجدهم وكرامتهم إليها. أى أن السموات سترى باعتبارها الأصل لكل مجد وكرامة العالم العتيد في المُلك الألفي. «وأبوابها لن تغلق نهارًا لأن ليلاً لا يكون هناك» (رؤيا 25:21) وهذا دليل الأمن والسلام والشركة التي لا تنقطع. ولا يفوتنا أنها مسكن الملوك السماويين الذين سيملكون مع المسيح فيها على الأرض. وهم بخلاف الملوك الأرضيين الذين سيخضعون للسماويين ويجعلون سلطانهم ومجدهم ومجد بلادهم وكرامتهم وكرامة أوطانهم تحت إمرة وتصرف السماويين «ولن يدخلها شيئ دنس ولا ما يصنع رجسًا وكذبًا» (رؤيا 27:2) وهذا بالمباينة لما حصل من دخول في الجنة (تكوين 3) وفي الكنيسة (رؤيا 12:2و13)، وفي إسرائيل (رؤيا 9:2). لأنه في المُلك الألفي سيكون سجينًا في الهاوية (رؤيا 1:20ـ3) «ولن يدخلها … إلا المكتوبين في سفر حياة الخروف» (رؤيا 27:21) أى الذين نالوا الحياة في المسيح على أساس موته لأجلهم كما قال هو تبارك اسمه «الحق الحق أقول لك، إن كان أحد لا يولد من الماء» رمز كلمة الله حاملة البشارة بيسوع كالمخلص، ”والريح“ حسب أصل الكلمة وهو رمز إلى الروح، كمحبي لكل من يقبل كلمة البشارة بالإيمان، «ولا يقدر أن يدخل ملكوت الله» (يوحنا 5:3).
فإذًا كما مر بنا سيكون سكان هذه المدينة السماوية كل من آمن بالمخلص فأحياه فيه روحه، وهو قديسو العهدين وشهداء الضيقة. أما الذين لم يستشهدوا من أتقياء إسرائيل في سبع سني الضيق، فسيكونون مع رفقائهم أتقياء الأمم على الأرض رعيَّة الملك السماوي.

فردوس الله السماوي
«وأراني نهرًا صافيًا من ماء حياة لامعًا كبلور خارجًا من عرش الله والخروف. في وسط سوقها وعلى النهر من هنا ومن هناك شجرة حياة تصنع أثنتي عشرة ثمرة وتعطي كل شهر ثمرها. وورق الشجرة لشفاء الأمم» (رؤيا 1:22و2).
هذا فردوس الله وهو يذكرنا بفردوس الإنسان جنة عدن لأنها كانت رمزًا. فمن البداية جعل الله رمز النهاية، مهما كانت الفروق بين الرمز والمرموز إليه. فكما كان آدم العريس ومعه حواء العروس في الفردوس الأرضي وشريكته في السلطان على كل الخليقة (تكوين 1و2)، كذلك سيكون المسيح العريس والكنيسة العروس في الفردوس السماوي وشريكته في سلطانه على كل الخليقة. إن جنة عدن معناها جنة البهجة. وكم هو جميل أن تعرف أن هذه الجنة الفيحاء التي بعد هذا الزمان الطويل من زوالها، لا يزال لها مكانتها في قلوب الناس ومخيلتهم، والتي لم ينقطع ذكرها من تقاليدهم، والتي لم تستطع ستة آلاف سنة خطية وشقاء أن تمحوها من ذاكرتهم، بل لازالت عالقة بأذهانهم ـ كم هو جميل ولذيذ أن نعرف أن هذه الجنة الحلوة الجذابة لم تكن إلا رمزًا لفردوس الله السماوي الذي يفوقها حسنًا بما لا يقاس! وليس لدينا عن فردوس الأرض الرمزي وما يقابله من الإيضاحات إلا النزر اليسير. فمثلاً شجرة الحياة في وسط باقي الأشجار الثمرة رمز للمسيح وقديسيه. والنهر وسيما نهر فيشون ومعناه ”الجاري بسرعة“، رمز روحه المتدفق فيهم والمنتج لأثمارهم (قابل تكوين 8:2ـ14 في الحاشية، مزمور 1:1ـ3، نشيد الأنشاد 3:2، حزقيال 2:47ـ12، يوحنا 37:7ـ39، رؤيا 7:2، 1:22و2). وهذا النهر رمز الروح هو المحيط بأرض الحويلة ومعناها ”فخر المعيشة“ رمز العظمة في المسيح (مزمور 13:45و14) حيث الذهب والأحجار الكريمة، ومنها البللور الدالة على البر والمجد وثبات القداسة (قابل خروج 25و28، رؤيا 12:1ـ20، 2:4ـ6، 7:5ـ10، 10:21ـ5:22). فهي مجرد صوّر للحياة في المجد، مجد المدينة وفردوسها. فهذا هو فردوس الله الذي فيه المدينة. إن فردوس الإنسان قديمًا لم يكن في الإمكان أن تكون له مدينة رمز البقاء والدوام. ولما وجدت مدينة الإنسان وجدت خارج الفردوس كلية. ولكن في النهاية عند الله نجد المدينة والفردوس يتحدان معًا ويوجدان معًا في مكان واحد. وهذا الفصل يذكرنا أيضًا بالضرورة بفصل ختامي في رؤى حزقيال عندما نقابله بفصلنا هذا نرى أيضًا بكل سهولة الفرق بين الوجه الأرضي في الملك الذي يتكلم عنه حزقيال، والوجه الآخر السماوي الذي يتكلم عنه يوحنا. ويتبيَّن لنا أن الأرضي ليس أكثر من ظل ورمز للسماوي! قابل النهر الذي رآه يوحنا هنا وشجرته، بالمياه المحبية التي رآها حزقيال نابعة من بيت الرب على ارتباط خاص بالشجر لتغذيته وإروائه «وعلى النهر ينبت على شاطئه من هنا ومن هناك كل شجر للأكل لا يذبل ورقه ولا ينقطع ثمره. كل شهر يبكر لأن مياهه خارجة من القدس. ويكون ثمره للأكل وورقه للدواء» (حزقيال 12:47). ولكن في حزقيال كل المذكور أرضي والبركة ليست مستكملة كما في المشهد السماوي. فمع أن مياه نهر حزقيال ينحدر فرع منها إلى بحر الملح ويشفيه فيكثر سمكه كثرة غير مألوفه، إلا أنه لا يشفي الكل «أما عمقاته وبِركه فلا تشفى. تجعل للملح» (حزقيال 1:47ـ11) فمن قول نبي العهد القديم وأقوال نبي العهد الجديد يتبيَّن لنا جليًا أن حالة الأرض في المُلك الألفي ليست هى الحالة الأبدية. لأن النبيين ينبئان أن ورق الشجر يكون للدواء والعلاج مما يدل على إمكانية وجود المرض والحاجة للشفاء منه في المُلك الألفي ولكن هذا بين الأمم فقط، لأن يوحنا يقول «لشفاء الأمم» أما عن إسرائيل فيقال «ولا يقول ساكن» في إسرائيل «أنا مرضت. الشعب الساكن فيها مغفور الإثم» (إشعياء 24:33). والمياه في المشهدين خارجة من القدس. لأن كلمة القدس هى ما تميَّز كل مدينة الله. لكن في الرؤيا المياه خارجة بصفة خاصة من عرش الله. لأن البركة العظمى في المدينة السماوية هى أن الله يملك على عرشه فيها، الله المعلن بالنعمة الكاملة التي تبيّنت في المسيح، ولذلك فعرش الله هو في ذات الوقت عرش الخروف. وعليه فالمياه في هذه الحالة، كما هى دائمًا في اسمى معانيها، رمز إلى ملء الروح، إلى قوة الحياة والتقديس التي ستكون في الواقع هى قوة الله في كل الخليقة. أما شجرة الحياة فتحمل شهادة، كما في الفردوس الأرضي في البداءة، للعتماد والتعويل على آخر، شهادة لحياة الاتكال أو عيشة الإيمان. فبالإيمان بالمسيح تحيا النفس بحياته وتقوى حياته هذه فيها بالتغذي بشخصه. فهو الحياة وقوتها وقوّتها. ولكن وفرة وتنوّع ثمر الحياة التي في وسط فردوس الله السماوي لم يمكن الكتابة عنها أو عمل رمز إليها في فردوس القدم الأرضي، لأن ثمرها الشهي وافرًا ومتواليًا بغير انقطاع. ومن ذا يستطيع أن يخبرنا بالمعنى المبارك لكل هذا؟ من ذا يستطيع أن يصف لنا المسيح في كفاية وفيض حلاوته وشبعه وسروره لمن نالوا الحياة فيه؟.
«ولا تكون لعنة ما في ما بعد. وعرش الله والخروف يكون فيها. وعبيده يخدمونه. وهم سينظرون وجهه وإسمه على جباههم» (رؤيا 3:22). وهذا لأول وهلة يبيَّن الفرق بين المشهد الأرضي والسماوي. ففي السماوي البركة غير منقوصة بل مستكملة لأنه لا لعنة بعد. أما في الأرضي بكل أسف فتكون لعنة ومرض وموت ولو أن ذلك سيكون طبعًا بصفة جزئية لأن البركة والصحة والحياة ستكون هى القاعدة العامة وما عداها شواذ (إشعياء 20:15، رؤيا 2:22). ورؤية السماويين لوجه الله والخروف ووجود اسمه على جباههم يدل على أنه هو لهم وهم له بلا مانع ولا حاجب. والخدمة تستأسف من جديد في المجد طبقًا لوجهه المكشوف لهم وعيونهم المفتوحة له، الأمر الذي يؤكد لنا الشركة المتبادلة على أتمها والخدمة في الواقع عندما تتخذ صفتها الصحيحة تكون هى نفسها شركة. فالمحبة التي تخدمنا جميعًا هى محبة الله نفسه والمسيح هو التعبير الكامل عن هذه المحبة. وكيف يمكن أن نكون في شركة مع المسيح بلا سعي نشيط لخدمته في انجيل نعمته، وفي الخدمة لشعبه؟ إن الخدمة في السماء لن تكف لحظة ولو أن بعض فرص الحاضر الثمينة ستنقضي ولا يكون لها وجود هناك.
«ولا يكون ليل هناك ولا يحتاجون إلى سراج أو نور شمس لأن الرب الإله ينير عليهم» (رؤيا 5:22) إن الرؤيا تعود بنا إلى النور وتختم لنا به فميراثنا المشترك هو «في النور» (كولوسي 12:1).
«وهم سيملكون إلى أبد الآبدين» (رؤيا 5:22) إذن فملك القديسين السماويين سوف لا يكون للمُلك الألفي فقط، سوف لا يكون لهم كشركاء في السلطان الذي هو بعصا من حديد لمن يعصي من العبيد، بل سيكون مُلكًا أبديًا في الأبدية على أبرار كل البرارة على ما سيأتي بيانه «لأنه إن كان بخطية الواحد قد ملك الموت بالواحد فبالأولى كثيرًا الذين ينالون فيض النعمة وعطيَّة البر سيملكون في الحياة بالواحد يسوع المسيح» (رؤيا 17:5) فمُلك هؤلاء القديسين السماويين غير منفصل عن تلك الحياة التي سيدخلونها في اليوم الآتي. إن أورشليم الجديدة هى مدينة ملوك وكهنة، المدينة العروس لملك الملوك. وهنا نرى المُلك الأبدي يبدو متحدًا بالضرورة مع المجد الذي فيه الكل هنا يحيون ويتحركون. لأن هؤلاء الذين كانوا يومًا خطاة عبيد الشيطان والشهوات التي بها استهواهم واستعبدهم، وأنقذوا وأتى بهم بدم المسيح الثمين إلى شركة مثل هذه التي نراها هنا مع الآب ومع ابنه، هؤلاء، كيف يمكن التعبير عن حالتهم المجيدة هذه: أنهم «لا يحتاجون إلى سراج أو نور شمس لأن الرب الإله ينير عليهم» بأبلغ وألمع مما قيل عنهم «وهم سيملكون إلى أبد الآبدين»!

ملكوت الله في دائرته الأرضية
حلول الروح القدس مبدئيًا على الأرضيين
بعد أن قضى الرب على كل أشرار الأرض ونقى ملكوته من المعاشر وفاعلي الإثم، لم يبق على الأرض إلا الأبرار من إسرائيليين وأمم ليضيئوا كالكواكب. وكخطوة مبدئية أعلن الرب ذاته فى مجد لاهوته فأصبحوا يعرفونه، لا كالمسيح ملكهم فقط، بل وكالرب إلههم أيضًا. وهذا الإيمان لابد من المصادقة عليه من قبل الله يختمهم بروحه وامتلائهم بمباهجة كقول الرسول عن الوقت الحاضر «إذ آمنتم ختمتم بروح الموعد القدوس» ( أفسس 1: 13 ). ومرجع هذا الموعد نِّبوة يوئيل ص2 ”والشمالى“ جوج وجمهوره «أبعده عنكم وأطرده إلى أرض ناشفة ومقفرة مقدمته إلى البحر الشرقى وساقته إلى البحر الغربى فيصعد نتنه وتطلع زهمته لأنه قد تصلف فى عمله... ويكون بعد ذلك أنى أسكب روحى على كل بشر». لا يخفى أن الرسول بطرس فى ( أعمال 2: 16-18 و32و 33 ) طبق هذه النِّبوه على ما حصل يوم الخمسين فى تأسيس الكنيسة ولكن أصل النِّبوة على إسرائيل فى تأسيس الملك. وهذا واضح فى أنه قبل تأسيس الكنيسة، بحلول الروح القدس يوم الخمسين على المؤمنين بالمسيح لم يكن هناك ملك شمالي قضى عليه فى هجومه على إسرائيل، كما سيكون أخيرًا قبل حلول الروح القدس على كل بشر فى تأسيس الملك. كذا فى تأسيس االكنيسة يوم الخمسين، لم يحل الروح على كل بشر، بل فقط على كل مؤمن دون بقية البشر. أما فى تأسيس الملك فيحل على كل بشر إذ سيكون كل البشر الباقين لتأسيس الملك بهم أبرارًا بينما مات وانتهى من الأرض كل الأشرار. فرق آخر لا يصح أن يفوتنا، وهو أن حلول الروح على كل مؤمن بالمسيح يوم الخمسين لتأسيس الكنيسة، كان لسكنى الروح كالأقنوم الثالث فى قلوب المؤمنين لتكوينهم مسكنًا الله بالروح ( أفسس2). وجسدًا واحدًا للمسيح ( أفسس 3، كرونثوس الأولى 12)، تنتفى فيه الفوارق بين اليهودي والأممي والعبد والحر( غلاطية3: 27و28، أفسس 2: 11الخ). لكن حلول الروح على كل بشر فى تأسيس المُلك، لا يشمل ضمنه سكناه كأقنوم إلهي فى قلوبهم، وإنما فقط امتلاءهم بفيض بهجته وقوُته الروحية ووحيَّه ومعجزاته. إذ ليس المقصود تكوينهم هيأة سماوية روحية تتميَّز بالوحدة. بل هيآت أرضية روحية ملكية تتميَّز بالفوارق الجنسية والمركزية «أسكب روحي على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويحلم شيوخكم أحلامًا ويرى شبابكم رؤى».لأن كل تأسيس إلهى يشرح أمره بالوحي ويؤيد بالمعجزات. وقوله: «بنوكم وبناتكم وشيوخكم وشبابكم» يقصد إسرائيل «وعلى العبيد أيضًا وعلى الإماء» يقصد الأمم باعتبارهم فى مركز الخدمة من الله لإسرائيل «أسكب روحي فى تلك الأيام» ( يوئيل2: 20و28و29).
ويكون من نتيجة حلول الروح القدس عليهم أن كثيرين منهم سيحصلون على مواهبه المعجزية لتأييد ما أعطوه من وحيّ ولرحمة الشعب من كل ما بهم من أمراض ومن كل ما انتابهم فى اضطهادهم وشتاتهم من تشويهات. لذلك سميَّت المعجزات فى عصر الكنيسة «قوات الدهر الآتى» ( عبرانيين6: 5) أى القوات المنبأ بحصولها عند تأسيس الملك الذى هو الدهر الآتى أو «العالم العتيد» ( عبرانيين 2: 5). وهؤلاء الموهوبون بهذه القوات المعجزية سيعملون بالاشتراك مع الرب، وكآلة فى يده لشفاء الشعب من كل ما أصابهم مما لو بقى يمكن صفاءهم وهناءهم ملك «هأنذا آتى بهم من أرض الشمال وأجمعهم من أطراف الأرض بينهم الأعمى والأعرج، الحبلى والماخض معًا. جمع عظيم يرجع إلى هنا» ( إرميا31: 8) «حينئذ تتفتح عيون العمى وآذان الصم تتفتح. حينئذ يقفز الأعرج كالإيل ويترنم لسان الأخرس لأنه قد انفجرت فى البرية مياه وأنهار» رمز الروح القدس ( يوحنا7: 38و39) «مياه وأنهار فى القفر. ويصير السراب أجما والمعطشة ينابيع ماء...ومفديو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون بترنم وفرح أبدى على رؤوسهم. ابتهاج وفرح يدركانهم ويهرب الحزن والتنهد» ( إشعياء 35: 5-10) «العرج نهبوا نهباً. ولا يقول ساكن أنا مرضت» ( إشعياء33: 23و24).
بل وسيعمهم جميعًا من الأجنة إلى الكهول موجة من قوة الروح القدس المميزة بالبهجة والقوة المعجزية التى تفوق الطبيعة فى العبادة على غرار ما حصل مع زكريا واليصابات وابنها يوحنا وهو لايزال جنينًا فى بطنها، إذ امتلأ الجميع من الروح القدس حتى الجنين فى بطن أمه سجودًا للرب قال عنه الملاك لأبيه «ومن بطن أمه يمتلىء من الروح القدس» ( لوقا1: 15 ) وكما قالت عنه أمه وهى ممتلئة بالروح القدس «ارتكض الجنين بابتهاج فى بطنى» ( لو1: 41و44) والمواليد ستنزل من بطون أمهاتها لا صارخة بل مترنمة عبادة للرب وهكذا تكون فى طفولتها «من أفواه الأطفال والرضع أسست حمدًا» ( مزمور8: 2). فالجنين والطفل والشاب والرجل والشيخ جميهم رجالاً ونساءً يهودًا وأممًا، سيكونون ممتلئين من الروح القدس بكيفية تفوق كل مامضى وفى حالة الترنم للرب والعبادة له كالمجموعة المذكورة فى ( لوقا1و2) وهى العذراء ويوسف وزكريا واليصابات ويوحنا وهو جنين وحنة النبيه وسمعان الشيخ. هكذا سيكون كل سكان الألف «ومغنون كعازفين كل السكان فيك» ( مزمور87: 7).
بل ويسبب امتلائهم جميعًا بقوة الروح القدس بكيّفية فائقة، حال كون الشيطان مسجونًا والرب مالكًا ظاهرًا، سيتميَّز الجميع بتقوى طبيعية خارقة خالية من كل عوامل ومعاني ومعالم العثار «أجعل شريعتي في داخلهم وأكتبها على قلوبهم وأكون لهم إلهًا وهم يكونون لي شعبًا. ولا يعلمون بعد كل واحد صاحبه وكل واحد أخاه قائلين، أعرفوا الرب لأنهم كلهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم، يقول الرب» (إرميا 33:31و34).
«أنه مكتوب في الأنبياء ويكون الجميع متعلمين من الله» (يوحنا 45:6). «وكل بنيك تلاميذ الرب» (إشعياء 13:54). «لا يسوؤن ولا يفسدون في كل جبل قدسي لأن الأرض تمتليء من معرفة الرب كما تغطي المياه البحر» (إشعياء 9:11).

امتلاك الأرض المقدسة ـ وطن إسرائيل
الآن وقد تطهرت الأرض من جميع المعاثر وكل فعلة الإثم، ورجع الشعب بكامل أسباطه إليها شعبًا مقدسًا ومهيّأ لسكنى الرب في وسطه، وجدد الرب وجه الأرض للسكن. فسيجرى تقسيم الأرض بينهم على أساس جديد، خلاف ما تم في أيام يشوع. وسيتمم الله وعده لإبراهيم كاملاً.
«هكذا قال السيد الرب: هذا هو التخم الذي به تمتلكون الأرض بحسب أسباط إسرائيل الإثنى عشر: يوسف قسمان. وتمتلكونها أحدكم كصاحبه التي رفعت يدي لأعطي آباءكم إياها وهذه الأرض تقع لكم نصيبًا … فتقتسمون هذه الأرض لكم لأسباط إسرائيل. ويكون أنكم تقسمونها بالقرعة لكم وللغرباء المتغربين في وسطكم الذين يلدون بنين في وسطكم فيكونون لكم كالوطنيين من بني إسرائيل. يقاسمونكم الميراث في وسط أسباط إسرائيل. ويكون أنه في السبط الذي فيه يتغرب غريب هناك تعطونه ميراثه يقول السيد الرب» (حزقيال 13:47ـ23).
فكل الأرض من نهر مصر إلى نهر الفرات العظيم ستوّزع فيما بين الإثنى عشر سبطًا الراجعين. وذلك بناء على قواعد وتعليمات أعطيَّت من الله نفسه كما تنبأ بها حزقيال ص 47و48 ومنها نفهم أن الأقسام للأسباط ستكون متوازية بخطوط فاصلة تتجه من الشرق إلى الغرب.
«وإذا قسمتم الأرض ملكًا تقدمون تقدمة للرب قدسًا من الأرض طوله خمسة وعشرون ألفًا طولاً والعرض عشرة آلاف. هذا قدس بكل تخومه حواليه. يكون للقدس من هذا خمس مئة في خُمس مئة مربعة حواليه وخمسون ذراعًا مسرحًا له حواليه. من هذا القياس تقيس طول خمسة وعشرين ألفًا وعرض عشرة آلاف وفيه يكون المقدس قدس الأقداس. قدس من الأرض هو. يكون للكهنة خدام القدس المقتربين لخدمة الرب ويكون لهم موّضعًا للبيوت ومقدسًا للمقدس. وخمسة وعشرون ألفًا في الطول وعشرة آلاف في العرض تكون للاويين خدام البيت لهم ملكًا. عشرون مخدعًا. وتجعلون ملك المدينة خمسة آلاف عرضًا وخمسة وعشرين ألفًا طولاً موازيًا تقدمة القدس فيكون لكل بيت إسرائيل. وللرئيس من هنا ومن هناك من تقدمة القدس ومن ملك المدينة قدام تقدمة القدس وقدام ملك المدينة من جهة الغرب غربًا ومن جهة الشرق شرقًا والطول مواز أحد القسمين من تخم الغرب إلى تخم الشرق. تكون له أرضًا ملكًا في إسرائيل ولا تعود رؤسائي يظلمون شعبي والأرض يعطونها لبيت إسرائيل لأسباطهم» (حزقيال 1:45ـ8).
وسيتم تقسيم الأرض حسب الترتيب المذكورة في (حزقيال 47و48).

اورشليم الأرضية مدينة الملك العظيم
عاصمة إسرائيل وقصبة العالم أجمع
في الجام السابع تهدمت أورشليم كما تهدمت مدن الأمم. ولكن لقد هدم الرب أبنيّة الإنسان لكي يبني هو. وسيبني الرب أورشليم ويجعلها بهجة كل الأرض «يقول عن أورشليم ستبنى وللهيكل ستؤسس» (إشعياء 28:44) «أيتها الذليلة المضطربة غير المتعزيَّة هأنذا أبني بالأثمد حجارتك وبالياقوت الأزرق أؤسسك. وأجعل شرفك ياقوتًا وأبوابك حجارة بهرمانية وكل تخومك حجارة كريمة» (إشعياء 11:54و12). «استيقظي استيقظي ألبسي عزك، يا صهيون، ألبسي ثياب جمالك، يا أورشليم، المدينة المقدسة» (إشعياء 1:52). «وبنو الغريب يبنون أسوارك وملوكهم يخدمونك … مجد لبنان إليك يأتي، السرو والسنديان والشربين معًا لزينة مكان مقدسي وأمجد موضع رجليَّ» (إشعياء 10:60و13).
«قومي استنيري لأنه جاء نورك ومجد الرب أشرق عليك. لأنه ها هى الظلمة تغطي الأرض والظلام الدامس الأمم» في أيام الوحش والنبي الكذاب «أما عليك فيشرق الرب ومجده عليك يُرى» في المُلك الألفي «فتسير الأمم في نورك والملوك في ضياء إشراقك. إرفعي عينيك حواليك وانظري. قد اجتمعوا كلهم. جاءوا إليك. يأتي بنوك من بعيد وتُحمل بناتك على الأيدي» (في رجوع إسرائيل من شتاته وهربه، بعد ظهور الرب «لأنه تتحوّل إليك ثروة البحر وتأتي إليك غنى الأمم. تغطيك كثرة الجمال بكران مديان وعيفة كلها تأتي من شبا. تحمل ذهبًا ولبانًا وتبشر بتسابيح الرب. كل غنم قيدار تجتمع إليك. كباش نبايوت تخدمك. تصعد مقبولة على مذبحي وأُزيَّن بيت جمالي. من هؤلاء الطائرون كسحاب وكالحمام إلى بيوتها. إن الجزائر تنتظرني وسفن ترشيش في الأول لتأتي ببنيك من بعيد وفضتهم وذهبهم معهم لإسم الرب إلهك وقدوس إسرائيل لأنه قد مَجدك. وبنو الغريب يبنون أسوارك وملوكهم يخدمونك. لأني بغضبي ضربتك وبرضواني رحمتك. وتنفتح أبوابك دائمًا. نهارًا وليلاً لا تغلق. ليؤتي إليك بغنى الأمم وتقاد ملوكهم. لأن الأمة والمملكة التي لا تخدمك تبيد وخرابًا تخرب الأمم» وهذا ما تثبته دينونة الأمم الأحياء طبقًا لنوع المعاملة التي عاملوا بها إسرائيل (متى 31:25 الخ) «مجد لبنان إليك يأتي السرو والسنديان والشربين معًا لزينة مكان مقدسي وأمجد موّضع رجلي. وبنو الذين قهروك يسيرون إليك خاضعين وكل الذين أهانوك يسجدون لدى باطن قدميك ويدعونك مدينة الرب، صهيون قدوس إسرائيل. عوّضًا عن كونك مهجورة ومبغضة بلا عابر بك أجعلك فخرًا أبديًا فرح دور فدور. وترضعين لبن الأمم وترضعين ثدي ملوك وتعرفين أني أنا الرب مخلصك ووليك عزيز يعقوب. عوّضًا عن النحاس آتي بالذهب وعوّضًا عن الحديد آتي بالفضة وعوضًا عن الخشب بالنحاس وعوّضًا عن الحجارة بالحديد وأجعل وكلاءك سلامًا وولائك برًا. لا يسمع بعد ظلم في أرضك ولا خراب أو سحق في تخومك بل تسمين أسوارك خلاصًا وأبوابك تسبيحًا. لا تكون لك بعد الشمس نورًا في النهار ولا القمر ينير لك مضيئًا بل الرب يكون لك نورًا أبديًا وإلهك زينتك. لا تغيب بعد شمسك وقمرك لا ينقص لأن الرب يكون لك نورًا أبديًا وتكمل أيام نوحك. وشعبك كلهم أبرار. إلى الأبد يرثون الأرض. غصن غرسي، عمل يدي لا تمجد. الصغير يصير ألفًا والحقير أمة قوية. أنا الرب في وقته أُسرع به» (إشعياء 1:60ـ22).
«أما أجمل على الجبال قدمي المبشر المخبر بالسلام المبشر بالخير المخبر بالخلاص القائل لصهيون قد ملك إلهك. صوت مراقبيك. يرفعون صوتهم يترنمون معًا لأنهم يبصرون عينًا لعين عند رجوع الرب إلى صهيون. أشيدي ترنمي معًا يا خرب أورشليم لأن الرب قد عزى شعبه فدى أورشليم. قد شمر الرب عن ذراع قدسه أمام عيون كل الأمم فترى كل أطراف الأرض خلاص إلهنا» (إشعياء 7:52ـ10) قارن أيضًا (إشعياء 1:62ـ9).
فعندما يرد الرب إسرائيل كأمة ويرجع حقًا للرب ويسكن «يهوه» في وسطهم فإنهم سيكونون واسطة مجاري البركات لكل العالم.

فالعهد الذي قطعه الله لإبراهيم قائلاً «وتتبارك في نسلك جميع أمم الأرض» (تكوين 18:22). قد تم في المسيح مخلص العالم الذي أتى من نسل إبراهيم. وسيتم في إسرائيل كأمة مختارة من الله للشهادة على الأرض في العصر الألفي. وسيكون مجد حضور يهوه في وسطهم منيرًا على جميع أمم الأرض. وموشحًا لهم بقوة إلهية ونفوذ وهيبة على كل من يحيط بهم. علاوة على أن المدينة المقدسة ”أورشليم“ سيضيء عليها مجد الرب من أورشليم السماوية. وسيأتي إليها الأمم من كل فج ليسجدوا. وعليه فستتميَّز أورشليم بميزتيها العظيمتين القديمتين، ولكن بأمجد وأبهى من كل ما فات بما لا يقاس. فستكون هى ”مدينة الله“ (مزمور 4:46) حيث يكون الهيكل كالمركز الرئيسي لعبادة الرب من كل الأمم كالمعبود الأوحد للعالم أجمع. كما وستكون أيضًا هى «مدينة الملك العظيم» (مزمور 2:48) حيث يكون عرش داود الذي يجلس عليه الرب كالحاكم الأعلى لكل العالم. ففيها سيرى الرب في مجده الإلهي كرب المجد وفي مجده الملكي كملك المجد. ويتعجب منه ويتعبد إليه من جميع قبائل الأرض ممجدًا في وسط شعب إسرائيل «إذا بنى الرب صهيون يرى بمجده». (مزمور 16:102) «هذا مكان كرسي ومكان باطن قدمي حيث أسكن في وسط بني إسرائيل إلى الأبد» (حزقيال 7:43). «ويخجل القمر وتخزى الشمس لأن رب الجنود قد ملك في جبل صهيون وفي أورشليم وقدام شيوخه مجد» (إشعياء 23:24) «ترنمي وافرحي يا بنت صهيون لأني هأنذا آتي وأسكن في وسطك يقول الرب» (زكريا 10:2). «لأن الرب قد اختار صهيون اشتهاها مسكنًا له ـ هذه هى راحتي إلى الأبد ههنا أسكن لأني اشتهيتها طعامها أبارك بركة، مساكينها أشبع خبزًا. كهنتها ألبس خلاصًا وأتقياؤها يهتفون هتافًا. هناك أنبت قرنًا لداود. رتبت سراجًا لمسيحي» (مزمور 14:143ـ17) «هكذا قال الرب: قد رجعت إلى صهيون وأسكن في وسط أورشليم فتدعى أورشليم مدينة الحق وجبل رب الجنود الجبل المقدس» (زكريا 3:8).
وستقام المدينة الجديدة في الزمن الألفي في موقع جديد جنوبي موقع القدس ”الهيكل“ وستكون مدينة عظيمة جدًا في الرونق والاتساع، وسيكون لها اثني عشر بابًا.
«وهذه مخارج المدينة من جانب الشمال أربعة آلاف وخمس مئة مقياس. وأبواب المدينة على أسماء أسباط إسرائيل. ثلاثة أبواب نحو الشمال: باب رأوبين وباب يهوذا وباب لاوي. وإلى جانب الشرق أربعة آلاف وخمس مئة. وثلاثة أبواب: باب يوسف وباب بنيامين وباب دان. وجانب الجنوب أربعة آلاف وخمس مئة مقياس. وثلاثة أبواب: باب شمعون وباب يساكر وباب زبولون. وجانب الغرب أربعة آلاف وخمس مئة. وثلاثة أبواب: باب جاد وباب أشير وباب نفتالي. المحيط ثمانية عشر ألفًا واسم المدينة من ذلك اليوم يهوه شمة «ومعناها الرب هناك» (حزقيال 30:48ـ35).
وستتصاعد أغنيات إسرائيل بالفرح نحو أورشليم متجاوبة الأصداء في جميع العالم: «سبحي يا أورشليم الرب سبحي إلهك يا صهيون لأنه قد شدد عوارض أبوابك. بارك أبناءك داخلك. الذي يجعل تخومك سلامًا ويشبعك من شحم الحنطة» (مزمور 12:147ـ14) «فرِحت بالقائلين لي إلى بيت الرب نذهب. تقف أرجلنا في أبوابك يا أورشليم. أورشليم المبنيَّة كمدينة متصلة كلها. حيث صعدت الأسباط أسباط الرب شهادة لإسرائيل ليحمدوا اسم الرب. لأنه هناك استوّت الكراسي للقضاء كراسي بيت داود. اسألوا سلامة أورشليم. ليسترح محبوك. ليكن سلام في أبراجك. راحة في قصورك. من أجل إخوتي وأصحابي لأقولن سلام بك. من أجل بيت الرب إلهنا ألتمس لك خيرًا» (مزمور 1:22ـ9).
«هوذا باركوا الرب يا جميع عبيد الرب الواقفين في بيت الرب بالليالي. ارفعوا أيديكم نحو القدس وباركوا الرب. يباركك الرب من صهيون الصانع السموات والأرض» (مزمور 1:134ـ3).
وأورشليم تسمى «مدينة الله» (مزمور 4:46) و«ومدينة الملك العظيم» (متى 35:5) و«المدينة المقدسة» (دانيال 14:9) و«والمدينة المحبوبة» (رؤيا 9:20) «يهوه شمه» (حزقيال 35:48). وأورشليم بمعنى «مدينة السلام» حيث سيسكن فيها رئيس السلام.



الهيكل مقدس الرب
يقول زكريا النبي عن بناء الرب للهيكل في بداية الملك «هكذا قال رب الجنود قائلاً: هوذا الرجل الغصن اسمه. ومن مكانه ينبت ويبني هيكل الرب. فهو يبني هيكل الرب وهو يحمل الجلال ويجلس ويتسلط على كرسيه. ويكون كاهنًا على كرسيه» أى هو نفسه يكون ملكًا وكاهنًا «وتكون مشورة السلام بينهما كليهما» أى بين صفتي الرب كالكاهن والملك» (زكريا 12:6و13). ويتكلم حزقيال النبي عن حلول مجد الرب في الهيكل بعد بنائه وجلوسه فيه على عرشه قائلاً: «ثم ذهب بي إلى الباب. الباب المتجه نحو الشرق. وإذا بمجد إله إسرائيل جاء من طريق الشرق. وصوته كصوت مياه كثيرة والأرض أضاءت من مجده. والمنظر كالمنظر الذي رأيته، كالمنظر الذي رأيته لما جئت لأخرب المدينة والمناظر كالمنظر الذي رأيت عند نهر خابور (حزقيال 1، 8ـ11) فخررت على وجهي. فجاء مجد الرب إلى البيت من طريق الباب المتجه نحو الشرق. فحملني روح وأتى بي إلى الدار الداخلية وإذا بمجد الرب قد ملأ البيت. وسمعته يكلمني من البيت. وكان رجل واقفًا عندي. وقال لي: يا ابن آدم هذا مكان كرسيَّ ومكان باطن قدميَّ حيث أسكن في وسط بني إسرائيل إلى الأبد» (حزقيال 1:43ـ7).
وسيكون قيام هذا الهيكل في وسطهم وامتلائه بمجد الله على هذا النحو، صورة منظورة للحقيقة التي طالما جهلوها وأنكروها، ألا وهى حقيقة حلول اللاهوت في الناسوت أو ظهور الله في الجسد. إذ لم يكن جسد المسيح إلا هيكل الله الحقيقي (يوحنا 10:2ـ22). وها هو الهيكل الألفي يصوره للعيان إلى مدى الأيام، كما كان يرمز إليه هيكل القدم. فكأن الهيكل سرح قائم للحقيقة السرية التي تفوق الأفهام ولو كان صاحبها ظاهرًا للعيان.

العبادة المذبحية لإسرائيل وكل العالم
وقال لي، يا ابن آدم، هكذا قال السيد الرب: هذه فرائض المذبح يوم صنعه لإصعاد المحرقة عليه ولرش الدم عليه … سبعة أيام تعمل في كل يوم تيس الخطية ويعملون ثورًا من البقر وكبشًا من الضأن صحيحين» محرقة «… فإذا تمّت هذه الأيام يكون في اليوم الثامن فصاعدًا أن الكهنة يعملون على المذبح محرقاتكم وذبائحكم السلامية فأرضى عنكم، يقول االسيد الرب» (حزقيال 18:43ـ27). إن المذبح رمز للمسيح الذي أعطى قيمته غير المحدودة لذبيحته (بطرس الأولى 5:2، عبرانيين 10:13و15، متى 18:23و19) والذبائح رمز إلى قيمة ومعاني موته الكفاري للقبول الأبدي. فسيفتتح الملك بذبيحة الخطية التي تصور المسيح في حمله لدينونتهم (رومية 3:8، كورنثوس الثانية 21:5، يوحنا 51:11)، وبذبيحة المحرقة التي ترمز إلى قبولهم فيه على أساس قبوله كالإنسان الكامل في سبيل تنفيذ مشيئة الله لإيفاء حقوقه وضمان مجده وخير شعبه، وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب (أفسس 2:5، فيليبي 6:2ـ9، أفسس 3:1ـ11). فلمدة سبعة أيام سيقدمون ذبائح الخطية والمحرقة تصويرًا لإيمان قلوبهم باحتمال المسيح قصاصهم وقبولهم في المسيح على أساس قبوله لحسابهم. ومن اليوم الثامن، الذي هو رمز الخليقة الجديدة والعهد الجديد، سيبدأون في تقديم ذبائح المحرقة والسلامة. ويستمرون في العبادة بهذين النوعين من الذبائح إلى نهاية المُلك، رمز قبولهم الكامل لدى الله وفرحهم الكامل به ومعه كمن صاروا على أساس العهد الجديد في نطاق الخليقة الجديدة بولادتهم ولادة جديدة على أساس موت المسيح وقيامته. لأن ذبيحة السلامة تشير إلى شركة الفرح في المسيح بين الله وشعبه. ففي المسيح الله فرح بشعبه والشعب فرح بآلهه «مسرة الرب بيده تنجح. من تَعب نفسه يرى ويشبع» (إشعياء 10:53و11) «يأكل الودعاء ويشبعون … أكل وسجد كل سميني الأرض» (مزمور 26:22و29). «قدموا العجل المسمن واذبحوه فنأكل ونفرح. لأن ابني هذا كان ميتًا فعاش وكان ضالاً فوجِد. فابتدأوا يفرحون. وكان ابنه الأكبر في الحقل. فلما جاء وقرب من البيت سمع صوت آلات طرب ورقصًا. فدعا واحدًا من الغلمان وسأله ما عسى أن يكون هذا؟ فقال له: أخوك جاء فذبح أبوك العجل المسمن لأنه قبله سالمًا» (لوقا 23:15ـ27). وهكذا تكون الذبائح صورة واقعة دائمة للحقائق الروحية الخالدة. بل والأمم أنفسهم ستكون عبادتهم لله بالذبائح على هذا النحو نفسه في إسرائيل في أورشليم بل وفي بلادهم «في ذلك اليون يكون في أرض مصر خمس مدن تتكلم بلغة كنعان» أى اللغة العبرية، لغة العبادة اليهودية «وتحلف لرب الجنود يقال لإحداها مدينة الشمس. في ذلك اليوم يكون مذبح للرب في وسط أرض مصر» كالمذبح الذي في أورشليم «وعمود للرب عند تخمها» أى عند الحد الفاصل بينهما وبين كنعان رمز الوحدة في العبادة «فيكون علامة وشهادة لرب الجنود في أرض مصر. لأنهم يصرخون إلى الرب بسبب المضايقين فيرسل لهم مخلصًا ومحاميًا وينقذهم. فيعرف الرب في مصر ويعرف المصريون الرب في ذلك اليوم ويقدمون ذبيحة وتقدمة وينذرون للرب نذرًا ويوفون به … في ذلك اليوم تكون سكة من مصر إلى إشور ”العراق“ فيجيء الأشوريون إلى مصر والمصريون إلى أشور» رمز الوحدة الروحية رغم الحدود الجغرافية «ويعبد المصريون مع الأشوريون. في ذلك اليوم يكون إسرائيل ثلثًا لمصر ولأشور بركة في الأرض بها يبارك رب الجنود قائلاً: مبارك شعبي مصر، وعمل يديّ أشور، وميراثي إسرائيل» (إشعياء 18:19ـ25). «كل غنم تجتمع إليك. كباش نبايوت تخدمك. تصعد مقبولة على مذبحي وأزيّن بيت جمالي» (إشعياء 6:60و7). «من عبر أنهار كوش المتضرعون إلى متبدديَّ يقدمون تقدمتي» (صفنيا 10:3). «ويكون أن كل الباقي من جميع الأمم الذين جاءوا على أورشليم يصعدون من سنة إلى سنة ليسجدوا للملك رب الجنود وليعيدوا عيد المظال» (زكريا 16:14). «ملوك ترشيش والجزائر يرسلون تقدمة. ملوك شبا وسبا يقدمون هدية. ويسجد له كل الملوك. كل الأمم تتعبد له» (مزمور 10:72و11) «لأنه من مشرق الشمس إلى مغربها إسمي عظيم بين الأمم وفي كل مكان يقرب لإسمي بخور وتقدمة طاهرة (ملاخي 11:1). فستعود العبادة اليهودية بمعظم شعائرها الطقسية القديمة ليمارسها اليهود وكل الأمم في المُلك الألفي، كصور منظورة للحقائق الروحية الغير المنظورة في المسيح ولو أن شخصه منظورًا لهم. ولكن الحقائق المضمنة فيه تفوق الأفكار ويحتاج الأمر لتصويرها في مختلف معانيها في صورها ورموزها القديمة، لتجعل هذه المعاني ماثلة أمام الأنظار وفي كل حين وفي كل مكان. هذا فضلاً على أن هذه الذبائح ستكون كالعشاء الرباني في وقتنا الحاضر، تذكارًا لعمله السالف حتى ولو كان شخصه حاضرًا ماثلاً للعيان. وعليه كما سيرى السماويون شخص المسيح قائمًا في عرش الله وفي جسمه آثار وتذكار عمله الكفاري السالف «خروف قائم كأنه مذبوح» (رؤيا 6:5)، هكذا القديسون الأرضيون سيظلون ناظرين لتذكار عمل المسيح السالف في كل قيمته ومعانيه المجيدة، ماثلة ومصورة ومفسرة أمام عيونهم مدى الأيام في مختلف الذبائح التي ستقدم لذكر أبدي (مزمور 6:112) لعمله المبارك السالف الخالد وليس لشخصه الحاضر «صنع ذكرًا لعجائبه» (مزمور 4:111) «نذكر حبك أكثر من الخمر» (نشيد الأنشاد 4:1) «تذكارًا في الهيكل رب» (زكريا 14:6) «تذكارًا لبني إسرائيل» (عدد 40:16، 54:31، يشوع 7:4) «ويكون لكم هذا اليوم تذكارًا فتعيّدونه عيدًا للرب. في أجيالكم تعيّدونه فريضة أبدية» (خروج 14:12) «تذكر وترجع إلى الرب كل أقاصي الأرض» (مزمور 27:22). وسيبقى هذا الهيكل الألفي آمنًا كل مدة الألف السنة. وبعدها سيختفي نهائيًا باختفاء السماء والأرض من وجه الجالس على العرش. وليس لدينا علم بمصيره بعد ذلك عند خلق السماء الجديدة والأرض الجديدة التي يسكن فيها البر.
وسيكون الهيكل مقامًا في وسط ”مقدس الرب“ الكائن في وسط ”تقدمة الأرض“.
والمقدس مبني مربعًا مقاسه 500 × 500 ذراع، يدخل إليه بثلاثة أبواب مداخل إلى الدار الخارجية. وكل من هذه المداخل في الشمال والشرق والجنوب يعلو عن الأرض بسبع درجات سلالم وحوائطها بعرض ستة أذرع. ويحتوي كل مدخل على مرر بعرض عشرة أذرع على كل من جانبيه ثلاث غرف وينتهي إلى رواق الباب من الداخل حيث الدار الخارجية التي يحيط بجوانبها مخادع ومجزع للدار حواليها.
ثم الدار الداخلية ويصل إليها بثلاثة أبواب مداخل كالسابقة حيث يوجد هناك المذبح. أما الباب الشرقي للدار الخارجية فيكون مغلقًا لا يفتح ولا يدخل منه إنسان لأن الرب إله إسرائيل دخل منه فيكون مغلقًا (حزقيال 1:44). وأما الباب الشرقي للدار الداخلية فيكون مغلقًا ستة أيام العمل ويفتح في السبت وفي رأس الشهر (حزقيال 1:46ـ3).
ثم مبنى رواق البيت (48:40و49) والبيت (11:41) والهيكل (1:41ـ11)، وهناك توجد المائدة في وسط القدس ثم قدس الأقداس الداخلي. وحول هذا المبنى مخادع الكهنة من الثلاث جهات. ومقاس هذا المبنى 100× 40 ذراع وحوله فضاء متروك من جميع الجهات في الدار الداخلية، ويصعد إليه بدرجات عشر من الشرق تواجه رواق البيت.
ولاشك أن هذا الهيكل الذي سيبنى في العصر الألفي سيكون أعظم وأفخم بناء وجِد على الأرض وإليه تحج كل أمم الأرض ليترضوا وجه الملك ”المسيا“. فهيكل سليمان في كل عظمته لا يعد شيئًا بالنسبة لهذا الهيكل الذي سيشرفه الرب بالوجود فيه بمجده نهارًا وليلاً وستظلله سحابة المجد الأسنى الذي يشع من أورشليم السماوية من فوق، كما كان عامود السحاب في النهار وعامود النار في الليل يظللان الخيمة في البرية. «يخلق الرب على كل مكان من جبل صهيون وعلى محفلها سحابة نهارًا ودخانًا ولمعان نار ملتهبة ليلاً. لأن على كل مجد غطاء. وتكون مظلة للفيء نهارًا من الحر ولملجأ ولمخبأ من السيل ومن المطر» (إشعياء 5:4و6). «إذا بنى الرب صهيون يرى بمجده» (مزمور 16:10). «عظيم هو الرب وحميد جدًا في مدينة إلهنا، جبل قدسه. جميل الارتفاع، فرح كل الأرض، جبل صهيون، فرح أقاصي الشمال مدينة الملك العظيم. الله في قصورها يعرف ملجأ» (مزمور 1:48ـ3) «قد قيل بك أمجاد، يا مدينة الله» (مزمور 2:87).

النهر العجيب
سيخرج نهر من تحت المذبح ويتجه جنوبًا إلى مدينة أورشليم مسافة قصيرة ثم يتفرع إلى فرعين أحدهما يتجه إلى الشرق حيث يصب في البحر الميَّت وهذا البحر ستُشفى مياهه ولا يكون ميتًا فيما بعد بل يكون بحرًا حيًا ملآنًا بكل أنواع السمك. بينما ينمو على شاطئيه كل نوع من أشجار الفاكهة التي تجمل أثمارًا بكثرة عظيمة. والفرع الآخر يتجه إلى الغرب حيث يصب في البحر الكبير ”الأبيض المتوسط“.
وكما سيكون الهيكل حالاً فيه المجد صورة لتجسد المسيح، وكما سيكون المذبح بذبائحه صورة لموت المسيح، كذلك سيكون هذا النهر الخارج من تحت المذبح والمروي الشعب والأرض صورة لتدفق وفيضان روح المسيح في قلوب الأبرار من يهود وأمم في المُلك الألفي على أساس موت المسيح عنهم. كما وسيكون أيضًا خارج أورشليم صورة رمزية للجحيم سيأتي الكلام عنها في موضعها. أما الآن فنأتي على ما يتعلق بالنهر المصوّر للحياة وروح الحياة في المسيح.
«ثم ارجعني إلى مدخل البيت وإذا بمياه تخرج من تحت عتبة البيت نحو المشرق لأن وجه البيت نحو المشرق. والمياه نازلة من تحت جانب البيت الأيمن عن جنوب المذبح. ثم أخرجني من طريق باب الشمال ودار بي في الطريق من خارج الباب الخارجي من الطريق الذي يتجه نحو المشرق، وإذا بمياه جارية من الجانب الأيمن. وعند خروج الرجل نحو المشرق والخيط بيده، قاس ألف ذراع وعبَّرني في المياه والمياه إلى الكعبين. ثم قاس ألفًا وعبَّرني في المياه والمياه إلى الركبتين. ثم قاس ألفًا وعبَّرني والمياه إلى الحقوين. ثم قاس ألفًا وإذا بنهر لم أستطع عبوره لأن المياه طمَّت مياه سباحة لا يعبر. وقال لي: أرأيت يا ابن آدم. ثم ذهب بي وأرجعني إلى شاطيء النهر. وعند رجوعي إذا على شاطيء النهر أشجار كثيرة جدًا من هنا ومن هناك. وقال لي هذه المياه خارجة إلى الدائرة الشرقية وتنزل إلى العربة وتذهب إلى البحر. إلى البحر هى خارجة فتشفي المياه. ويكون أن كل نفس حيَّة تدب حيثما يأتي النهران تحيا ويكون السمك كثيرًا جدًا لأن هذه المياه تأتي إلى هناك فتشفي ويحيا كل ما يأتي النهر إليه. ويكون الصيادون واقفين عليه من عين جدي إلى عين عجلايم يكون لبسط الشباك ويكون سمكهم على أنواعه ---- البحر العظيم كثيرًا جدًا. أما غمقاته وبِركُه فلا تشفي، تجعل للملح. وعلى النهر ينبت على شاطئيه من هنا ومن هناك كل شجر للأكل لا يذبل ورقه ولا ينقطع ثمره. كل شهر يبكر لأن مياهه خارجة من المقدس ويكون ثمره للأكل وورقه للدواء» (حزقيال 1:47ـ12).
وهناك إشارات عديدة عن هذا النهر العجيب الذي سيحييّ موات الأرض الجدباء «ويكون في ذلك اليوم أن الجبال تقطر عصيرًا والتلال تفيض لبنًا وجميع ينابيع يهوذا تفيض ماءً، ومن بيت الرب يخرج ينبوع ويسقي وادي السنط» (يوئيل 18:3). «ويكون في ذلك اليوم أن مياهًا حيَّة تخرج من أورشليم نصفها إلى البحر الشرقي ونصفها إلى البحر الغربي. في الصيف وفي الخريف تكون» (زكريا 8:14). وهذا ما يشير إليه المرنم «نهر سواقيه تفرح مدينة الله مقدس مساكن العليّ» (مزمور 4:46). «تعهدت الأرض وجعلتها تفيض. تغنيها جدًا. سواقي الله ملآنة ماءً. تهييء طعامهم لأنك هكذا تعدها. أرو أتلامها مهد أخاديدها. بالغيوث تحللها. تبارك غلتها. كلّلت السنة بجودك وآثارك تقطر دسمًا. تقطر مراعي البرية وتتنطق الآكام بالبهجة. اكتست المروج غنمًا. والأودية تتعطف برًا. تهتف وأيضًا تغني» (مزمور 9:65ـ12).


الممالك الألفية
«ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض». (تكوين 18:22).
إن الذين قبلوا إسرائيل في شتاته الأخير من بين قبائل الأمم سيكونون هم، كما مر بنا الأمم الخراف الذين يشركهم الرب مع إسرائيل في بركات الألف السنة الروحية والجسدية والزمنية كقوله لهم «تعالوا، يا مباركي أبي، رثوا الملكوت المُعد لكم منذ تأسيس العالم» (متى 34:25). وسيقيم الرب كلاً من هؤلاء الأمميين مملكة في بلادهم شعارها ودستورها هو قانون ملكوت الله أى «البر والسلام والفرح في الروح القدس» (رومية 17:15). وإليك بعضًا من هذه الممالك في قول إشعيا «ويكون في ذلك اليوم أن السيد يعيد يده ثانية ليقتني بقية شعبه التي بقيَّت من أشور ”العراق“ ومن مصر ومن فتروس ”شمال السودان“ ومن كوش ”الحبشة“ ومن عيلام ومن شنعار ”هما إيران“ ومن حِماة ”سوريا“ ومن جزائر البحر ”أى كل الممالك التي هى عبر البحار“ ويرفع راية للأمم ويجمع منفيي إسرائيل مشتتي يهوذا من أربعة أطراف الأرض» (إشعياء 11:11و12). فعندما تصبح أورشليم هى المركز الديني لكل العالم وتعاد إليها عبادة الله الحقيقية في الهيكل الذي سيبنى شمالي المدينة العظيمة المقدسة. فإن كل الأمم سيصعدون إلى هناك في مناسبات خاصة ليعبدوا مع الإسرائيليين الذين سيكونون قادة ومرشدين للأمم في العبادة في هذه المناسبات ويكونون المعلمين الدينيين في تلك الأيام. والذهاب إلى أورشليم سيكون من أهم مظاهر العصر الألفي ويعتبر حجًا مباركًا ومفرحًا وسيختلط هناك الإسرائيليون مع الأمم آخذين طريقهم إلى المقدس ليتمتعوا بعبادة شخص يهوه الملك والرب ويتحدون في التسبيح وعبادة الله في كمال القداسة. «ويكون في آخر الأيام أن جبل بيت الرب يكون ثابتًا في رأس الجبال ويرتفع فوق التلال وتجري إليه كل الأمم وتسير شعوب كثيرة. ويقولون هلّم نصعد إلى جبل الرب إلى بيت إله يعقوب فيُعَلِمنا من طرقه ونسلك في سبله لأن من صهيون تخرج الشريعة ومن أورشليم كلمة الرب» (إشعياء 2:2و3، ميخا 1:4و2). «في ذلك الزمان يسمون أورشليم كرسي الرب ويجتمع إليها كل الأمم إلى اسم الرب إلى أورشليم ولا يذهبون بعد وراء عناد قلبهم الشرير» (إرميا 17:3). «سبحوا الرب يا كل الأمم أحمدوه يا كل الشعوب. لأن رحمته قد قويَّت علينا وأمانة الرب إلى الأبد» (مزمور 1:117و2). «شعبك منتدب في يوم قوتك في زينة مقدسة من رحم الفجر لك طل حداثتك» (مزمور 3:110). «أحمدك بين الشعوب يا رب وأرنم لك بين الأمم. لأن رحمتك قد عظمت فوق السموات وإلى الغمام حقك. ارتفع اللهم على السموات وليرتفع على كل الأرض مجدك» (مزمور 3:108).
«قدموا للرب يا قبائل الشعوب قدموا للرب مجدًا وقوةً. قدموا للرب مجد اسمه. هاتوا تقدمةً وادخلوا دياره. أسجدوا للرب في زينةٍ مقدسة. ارتعدي قدامه يا كل الأرض. قولوا بين الأمم الرب قد ملك. أيضًا تثبتت المسكونة فلا تتزعزع. يدين الشعوب بالاستقامة. لتفرح السموات ولتبتهج الأرض ليعج البحر وملؤه. ليجذل الحقل وكل ما فيه لتترنم حينئذٍ كل أشجار الوعر. أمام الرب لأنه جاء. جاء ليدين الأرض. يدين المسكونة بالعدل والشعوب بأمانته» (مزمور 7:96ـ13).
«ترنمي وافرحي يا بنت صهيون لأني هأنذا آتي وأسكن في وسطك يقول الرب. فيتصل أمم كثيرة بالرب في ذلك اليوم ويكونون لي شعبًا فأسكن في وسطك فتعلمين أن رب الجنود قد أرسلني إليك. والرب يرث يهوذا نصيبه في الأرض المقدسة ويختار أورشليم بعد. أسكتوا يا كل البشر قدام الرب لأنه قد استيقظ من مسكن قدشه» (زكريا 10:2ـ13).
«هكذا قال رب الجنود: سيأتي شعوب بعد وسكان مدن كثيرة. وسكان واحدة يسيرون إلى أخرى قائلين: لنذهب ذهابًا لنترضى وجه الرب ونطلب رب الجنود. أنا أيضًا أذهب. فتأتي شعوب كثيرة وأمم قوية ليطلبوا رب الجنود في أورشليم وليترضوا وجه الرب. هكذا قال رب الجنود: في تلك الأيام يمسك عشرة رجال من جميع ألسنة الأمم يتمسكون بذيل رجل يهودي قائلين: نذهب معكم لأننا سمعنا أن الله معكم» (زكريا 20:8ـ23).
***



ولنأتِ على ما ذُكِر عن هذه الأمم على صفحات الوحيّ وفي مقدمتها مصر والعراق لأنهما سيكونان أقرب الممالك ليهرب إليهما أتقياء إسرائيل من وجه الوحش. وسيجد الإسرائيليون من كثيرين في هاتين المملكتين ولاسيما مصر، ما يثبت صدق قول أهلها المأثور «أحرار في بلادنا كرماء لضيوفنا». وإليك هذه الممالك وقول الله عنها في مُلك الألف السنة:

مصر في إفريقيا والعراق في آسيا
«في ذلك اليوم يكون في أرض مصر خمس مدن تتكلم بلغة كنعان» أى اللغة العبرانية «وتحلف لرب الجنود يقال لإحداها مدينة الشمس. في ذلك اليوم «يكون مذبح للرب في وسط أرض مصر على غرار مذبح الهيكل في أورشليم وعمود للرب» كأحد العمودين اللذين كانا على باب هيكل سُليمان مدعوًا عليهما باسم الرب (ملوك الأول 13:7ـ23) «وعمود للرب عند تخمها» أى على الحدود ما بين مصر وكنعان علامة الوحدة في العبادة «فيكون علامة وشهادة لرب الجنود في أرض مصر. لأنهم يصرخون إلى الرب بسبب المضايقين»، في سبع سني الضيق بسبب إيوائهم لأتقياء إسرائيل الهاربين من بلادهم، «فيرسل لهم» الرب عند ظهوره وملكوته «مخلصًا وحاميًا وينقذهم فيُعرَف الرب في مصر ويَعرف المصريون الرب في ذلك اليوم. ويقدمون ذبيحة وتقدمة وينذرون للرب نذرًا ويوفون به. ويضرب الرب مصر ضاربًا» في سني الضيق السبع «فشافيًا» بسبب قبولهم لإسرائيل وقبولهم لإيمانهم «فيرجعون إلى الرب فيستجيب لهم ويشفيهم. في ذلك اليوم تكون سكة من مصر إلى أشور ”العراق“ فيجيء الأشوريون إلى مصر والمصريون إلى أشور» رمز الوحدة الروحية القلبية رغم التعدد والتنوّع في الممالك «ويعبد المصريون مع الأشوريون» كل منهم مع الآخر في بلاده، والاثنان معًا في هيكل الرب في أورشليم «في ذلك اليوم يكون إسرائيل ثلثًا لمصر ولأشور بركة في الأرض. بها يبارك رب الجنود قائلاً: مبارك شعبي مصر، وعمل يديّ أشور، وميراثي إسرائيل» (إشعياء 18:19ـ25) أى أن هؤلاء الثلاثة بصفة خاصة يختبرون في أنفسهم الوحدة في التعدد والتعدد في الوحدة. وهكذا تكون الرابطة بين كل الممالك الألفية كما لو كانوا، كممالك، أعضاء جسد واحد، وليس كأفراد لأن هذا امتياز الكنيسة وحدها في عهدها.
لبنان

«الرب يتعهد صور … وتكون تجارتها وأجرتها قدسًا للرب. لا تخزن ولا تكنز بل تكون تجارتها للمقيمين أمام الرب لأكل إلى الشبع وللباسٍ فاخرٍ» (إشعياء 17:23و18).
شرق الأردن

«ولكنني أرد سبي موآب ”جزء من شرق الأردن“ في آخر الأيام، يقول الرب» (إرميا 48:47) «ثم بعد ذلك أرد سبي بني عمون ”جزء آخر من شرق الأردن“، يقول الرب» (إرميا 6:49).
بلاد العرب

«تغطيك كثرة الجمال، بكران مديان وعيفة كلها تأتي من شبا تحمل ذهبًا ولبانًا وتبشر بتسابيح الرب. كل غنم قيدار تجتمع إليك. كباش نبايوت تخدمك. تصعد مقبولة على مذبحي وأزيّن بيت جمالي» (إشعياء 6:60و7).
إيران

«ويكون في آخر الأيام إني أرد سبي عيلام ”إيران“، يقول الرب» (إرميا 39:49).
باقي الممالك في أفريقيا وآسيا

«من عبر أنهار كوش ”أى السودان والحبشة وما بعدهما حزقيال 6:30“ المتضرعون إلىَّ، مبدديَّ يقدمون تقدمتي» (صفنيا 10:3) «يا أرض حفيف الأجنحة» أى الأرض التي ستحمي إسرائيل في شتاته «التي في عبر أنهار كوش» (إشعياء 1:18). «وملوك شبا وسبا يقدمون هدية» (مزمور 10:72). «فلا يتكلم ابن الغريب الذي اقترن بالرب قائلاً: إفرازًا أفرزني الرب من شعبه. ولا يقل الخصي، ها أنا شجرة يابسة. لأنه هكذا قال الرب: للخصيان الذين يحفظون سبوتي» لأن العبادة اليهودية ستعود في كل شعائرها لليهود ولكل الأمم على الأرض كصوّر منظورة للحقائق الروحية الغير المنظورة التي كانت ترمز إليها هذه الصوّر كرموز في العهد القديم «الذين يحفظون سبوتي ويختارون ما يسرني ويتمسكون بعهدي: إني أعطيهم في بيتي» أى الهيكل «وفي أسواري» أى أسوار أورشليم الأرضية، «نصبًا وإسمًا» أى تماثيل تمثلهم عليها أسماؤهم. فستكون هناك متاحف تحوي مجموعات فخمة من التماثيل الممثلة للشعوب التابعة للرب «نصبًا وإسمًا أفضل من البنين والبنات»، أى الإسرائيليين والإسرائيليات أتباع الوحش الذين قطع من الأرض ذكرهم «أعطيهم» أى الخصيان «إسمًا أبديًا لا ينقطع»، أى حياة ووجودًا وعظمة أبدية. «وأبناء الغريب الذين يقترنون بالرب ليخدموه، وليحبوا اسم الرب ليكونوا له عبيدًا كل الذين يحفظون السبت لئلا ينجسوه، ويتمسكون بعهدي آتي بهم إلى جبل قدسي وأفرحهم في بيت صلاتي، وتكون محرقاتهم وذبائحهم مقبولة على مذبحي لأن بيتي بيت الصلاة يدعى لكل الشعوب، يقول السيد الرب جامع منفييّ إسرائيل أجمع بعد إليه، إلى مجموعيه» (إشعياء 3:56ـ8). «ويكون أن كل الباقي من جميع الأمم الذين جاءوا على أورشليم يصعدون من سنة إلى سنة ليسجدوا للملك رب الجنود وليعيِّدوا عيد المظال» (زكريا 16:14).
ومفهوم طبعًا أن الذين هجموا على أورشليم هم أشياع الروس، أى ممالك آسيا وشرق أوروبا وليبيا وكوش في أفريقيا، فيقضي الرب على الآباء الذين تجندوا على أورشليم، ولكنه يستبقي منهم الذين لم يتجندوا عليها، بل عالوا شعبها الهارب من بلاده، كما أنه سيستبقي أبناء المحاربين لعدم معرفتهم بعمل آبائهم «وبنو الذين قهروك يسيرون إليك خاضعين وكل الذين أهانوك يسجدون لدى باطن قدميك ويدعونك مدينة الرب، صهيون قدوس إسرائيل» (إشعياء 14:60).

كل الممالك التي عبر البحار
كأوروبا والأمريكتين وأشتراليا وباقي الجزر
«وأرسل منهم ناجين إلى الأمم، إلى ترشيش وفول ولود النازعين في القوس، إلى توبال وياوان، إلى الجزائر البعيدة التي لم تسمع خبري ولا رأت مجدي» (إشعياء 19:66).
«إن الجزائر تنتظرني وسفن ترشيش في الأول لتأتي ببنيك من بعيد، وفضتهم وذهبهم معهم لإسم الرب إلهك وقدوس إسرائيل لأنه قد مجدك» (إشعياء 8:60و8). «فسيسجد له الناس، كل واحد من مكانه، كل جزائر الأمم» (صفنيا 11:2). «وملوك ترشيش والجزائر يرسلون تقدمة. ملوك شبا يقدمون هدية. ويسجد له كل الملوك. كل الأمم تتعبد له» (مزمور 10:72و11).
كل ممالك العالم إجمالاً

«إني حينئذ أحوّل الشعوب إلى شفة نقيّة ليدعوا كلهم باسم الرب، ليعبدوه بكتف واحدة» (صفنيا 9:3). «لأنه من مشرق الشمس إلى مغربها إسمي عظيم بين الأمم. وفي كل مكان يقرب» أو سيقرب، لأن الصيغة في الأصل للمستقبل، «وفي كل مكان يقرب لإسمي بخور وتقدمة طاهرة» على غرار العبادة اليهودية التي ستكون في هيكل الرب في أورشليم «لأن إسمي عظيم بين الأمم، قال رب الجنود» (ملاخي 11:1).
حالات استثنائية في المُلك الألفي
جميع الذين دخلوا المُلك الألفي من يهود وأمم هم أبرار فعلاً، عن طريق الميلاد الثاني، وملء وفيضان روح الله بقوته فيهم. وقد رأينا ما يتميّزون به من بر وسلام وفرح في الروح القدس. وسيكون هكذا نسل اليهود ونسل نسلهم إلى نهاية المُلك. «ويأتي الفادي إلى صهيون، وإلى التائبين عن المعصية في يعقوب، يقول الرب. أما أنا فهذا عهدي معهم، قال الرب: روحي الذي عليك وكلامي الذي وضعته في فمك لا يزول من فمك ولا من فم نسلك ولا من فم نسل نسلك، قال الرب، من الآن وإلى الأبد» (إشعياء 20:59و21).
أما الأمم الأبرار فسيكون من نسلهم من لا يولد ثانية رفضًا منه لنعمة الله التي ولِد فيها، ولمجد الله الظاهر لعينيه في ملكوت الله في دائرتيه السماوية والأرضية. وإذ يكون بمولده البشري وارثًا من أبويه الخطية الأصليّة الموروثة في الطبيعة البشرية من آدم الساقط أبي الجنس البشري، سيكون مثل ذلك الشخص بحكم طبيعته الساقطة التي أسلم نفسه لها، رافضًا نير الرب عليه كربه وملكه. سيكون عرضة للخطأ في حق الرب بدون محرض شيطاني، إذ سيكون الشيطان طيلة مدة المُلك سجينًا في الهاوية لكي لا يضل الأمم. مما يدل على أن الإنسان الساقط يمكنه بمجرد طبيعته الساقطة أن يخطيء في حق الله من تلقاء ذاته أى بدون تحريض الشيطان، مادام هذا الإنسان هو في حال الرفض العمدي لنعمة الله وحقه ومجده.
ولكن نظرًا لطول الأعمار لنهاية المُلك الألفي، سيكون بلوغ الرشد الروحي للتمييز بين الخير والشر، أو البلوغ لسن المسئولية، سيكون عندما يبلغ الإنسان من العمر مائة سنة وبمجرد أن تصدر أول خطية إرادية من غير المتجدد يقضي عليه القضاء العاجل. «ولا يكون بعد هناك طفل أيام ولا شيخ لم يكمل أيامه. لأن الصبي يموت ابن مائة سنة والخاطيء يُلعَن ابن مائة سنة» (إشعياء 20:65). أما المتجددون في المُلك الألفي فلن يخطئوا، لأن الشيطان محبوس والرب مالك بمجده وقوّته أمام عيونهم، بل ومالك بمحبته وقوّته على وجدانهم وكل كيانهم. لذلك سيكونون معصومين رغم بقاء الخطية الأصليّة الموروثة ساكنة فيهم، ودليل سكناها ظهورها عاملة ومهلكة في نسلهم غير المتجدد. فهم كآدم سيخطئون رغم ما أحاطهم به الله كآدم من خيرات وبركات أرضية. ورغم تعامله معهم كآدم بمجده الظاهر للعيان. مع هذا الفارق: أن آدم أخطأ بمجرب جربه. أما هم فسيسقطون بغير مجرب. لذلك فدى آدم من الموت في ذات اليوم، كما ومن الموت الأبدي بفضل الفداء بدم المسيح الذي رُمز إليه بكبش الفداء الذي ذبحه الله وكسى آدم بجلده. أما هم فلن يتمتعوا ببركات الفداء بل سيموتون في ذات يوم خطيتهم. وإذ يموتون يهلكون إلى الأبد، إذ ليس لهم نصيب في الفداء ولا نصيب في القيامة الأولى بل نصيبهم المحتوم هو الموت في ذات اليوم والعذاب في الأبدية. وسيكون القاضي على العاصي هو القديس السماوي الذي يقع في حدود اختصاصه هذا العاصي. حسب قول الرب لقديسيه السماويين: «فليكن لك سلطان على عشر مدن … وكن أنت على خمس مدن» (لوقا 17:19ـ19) «ومن يغلب ويحفظ أعمالي إلى النهاية فسأعطيه سلطانًا على الأمم فيرعاهم بقضيب من حديد كما تكسر آنية من خزف كما أخذت أنا أيضًا من عند أبي» (رؤيا 26:2و27). فيحضر من السماء القديس السماوي صاحب الإختصاص بالمنطقة التي بها العاصي، ويلقي القبض عليه ويقاضيه، وينفذ فيه عقوبة الموت، ويلقي به الملائكة إلى سجن الأرواح في هاوية العذاب. وما ينطبق على الرب شخصيًا كإبن الإنسان كملك إسرائيل والعالم كله في إجراء أحكامه على العصاة في تأسيس الملك وفي أثنائه، هو نفس ما ينطبق على القديس السماوي في إجرائه للأحكام الإلهية على العصاة في دائرة إختصاصه الأرضية. إذ ليس القديس إلا منفذًا أوامر وأحكام سيده وبوحيّ روحه، لذلك يعتبر الرب هو المجري بنفسه «ويخرج قضيب من جذع يسي وينبت غصن من أصوله ويحل عليه روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب. ولذته تكون في مخافة الرب، فلا يقضي بحسب نظر عينيه ولا يحكم بحسب سمع أذنيه بل يقضي بالعدل للمساكين ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض ويضرب الأرض بقضيب فمه ويميت المنافق بنفخة شفتيه. ويكون البر منطقة متنيه والأمانة منطقة حقويه» (إشعيا 1:11ـ5) لذلك يتكلم الرب عن نوع حكمه العادل هذا على النسل العاصي في ملكه ليكون رحمة لأمثالهم لتحريضهم على التوبة والأيمان قلبيًا عن طريق تخويفهم بعقوبة الموت. يتكلم الرب عن حكمه هذا قائلا: «رحمة وحكمًا أغني. لك، يا رب، أرنم. أتعقل في طريق كامل. متى تأتي إليَّ؟ أسلك في كمال قلبي في وسط بيتي. لا أضع قدام عينيَّ أمرًا رديئًا. عمل الزيغان أبغضت. لا يلصق بي. قلب معوَّج يبعد عني. الشرير لا أعرفه. الذي يغتاب صاحبه سرًا هذا أقطعه. مستكبر العين ومنتفخ القلب لا أحتمله. عيناي على أمناء الأرض لكي أجلسهم معي. السالك طريقًا كاملاً هو يخدمني. لا يسكن في وسط بيتي عامل غش. المتكلم بالكذب لايثبت أمام عينيَّ. باكرًا أبيد جميع أشرار الأرض، لأقطع من مدينة الرب كل فاعلي الأثم» (مزمور 101). وسيكون حضور أى قديس سماوي من السماء للأرض لإجراء مثل الأحكام وبرفقته بعض الملائكة للتنفيذ، هو نحو حضور الملائكة قديمًا حسب القول: «وإذا ملاك الرب وقف بهم ومجد الرب أضاء حولهم فخافوا خوفًا عظيمًا» (لوقا 9:2). ورفقة الملائكة للتنفيذ مدلول عليها في قول الرب عن نفسه كالبكريين هؤلاء الإخوة السماويين الكثيرين. «الحق الحق أقول لكم: من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان» (يوحنا 51:1). أما أمانته للعاصي بكلمة من فمه فهي على نحو إماتة حزقيال لفلطيا بن بنايا حسب قوله: «وكان لما تنبأت أن فلطيا بن بنايا مات» (حزقيال 13:11). وعلى نحو إماتة بطرس لحنانيا وسفيرة «فلما سمع حنانيا هذا الكلام» كلام بطرس في النطق بتهمته «وقع ومات» وكذا بعد ما واجه امرأته سفيرة بتهمتها حُكم عليها بالموت النافذ قائلاً: «هوذا أرجل الذين دفنوا رجُلِك على الباب وسيحملونك خارجًا. فوقَعت في الحال عند رجليه وماتت» (أعمال 1:5ـ11).
وتجمع جثث العصاة أمثال هذا العاصي في متحف خارج أورشليم، ويجعل الحاصل لهذه الجثث صورة للحاصل لأصحابها بأرواحهم في هاوية العذاب أو سجن الأرواح. إذ ستكون الجثث كل مدة الألف، نارها لا تطفأ ودودها لا يموت وهى لا تفنى، مما يصور خلود النفوس في العذاب الأبدي الذي يفوق حد التصور والتصوير «ويكون من هلال إلى هلال ومن سبت إلى سبت أن كل ذي جسد يأتي ليسجد أمامي، قال الرب. ويخرجون ويرون جثث الناس الذين عصوا علىَّ لأن دودهم لا يموت ونارهم لا تطفأ. ويكونون رذالة لكل ذي جسد» (إشعياء 23:66و24). وهكذا يكون هذا المنظر الرهيب الدائم كل مدة الألف درسًا قاسيًا لكل من تغويه نفسه للعصيان من النسل الغير المتجدد في المُلك. وهكذا يكون هؤلاء مرضين الرب بخوف العين في حين يكون المتجددون عابدين الرب بمحبة القلب وقوة الروح. ولذلك يقال «فيسكن الذئب مع الخروف» هذا سيحصل حرفيًا في الحيوانات. ولكنه مثله سيحصل مع البشر في المُلك إذ أن النسل الغير المتجدد، خوفًا من الرب وخلافًا لطبيعته، سيخضع للرب ويسالم قديسيه كقول النبي «من عظم قوتك يتملق لك أعداؤك» (مزمور 3:66). «فيسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع الجدي والعجل والشبل والمسمن معًا وصبي صغير يسوقها. والبقرة والدبة ترعيان. تربض أولادهما معًا والأسد كالبقر يأكل تبنًا. ويلعب الرضيع على سرب الصل ويمد الفطيم يده على حجر الأفعوان. لا يسؤون ولا يفسدون في كل جبل قدسي لأن الأرض تمتليء من معرفة الرب كما تغطي المياه البحر. ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسيّ القائم راية للشعوب إياه تطلب الأمم ويكون محله مجدًا» أى هيكله في أورشليم (إشعياء 6:11ـ10).
وكما سيقمع الرب حركات عصيان فردية على النحو الفائت فيستتب الأمن كل مدة المُلك كذلك سيقمع حركات فتور قوّمية في العبادة له بين الأمم. لأنه إذ يتكاثر النسل الغير المتجدد شيئًا فشيئًا لا يكون العصيان فرديًا فقط بل يتحول ليكون قوّميًا أيضًا ولكن سرعان ما يقمعه الرب استمرارًا لحالة البر والسلام والفرح في الروح القدس ولاسيما للأبرار في كل مدة المُلك. «ويكون أن كل الباقي من جميع الأمم الذين جاءوا على أورشليم» في الهجوم عليها من الشمال من الدول الشيوعية ومن الجنوب من جانب مصر ومن الشرق من جانب العرب في خاتمة أسبوع الضيق، فكل الباقين أحياء من الضربات، الذين قبلوا إسرائيل في شتاته وتابوا على يده وقبلوا إيمانه وكلهم من غير المسيحيين أصلاً، كل هؤلاء الباقين «يصعدون من سنة إلى سنة ليسجدوا للملك رب الجنود وليعيّدوا عيد المظال. ويكون أن كل من لا يصعد من قبائل الأرض إلى أورشليم ليسجد للملك رب الجنود لا يكون عليهم مطر. وأن لا تصعد ولا تأتِ قبيلة مصر ولا مطر عليها تكن عليها الضربة التي يضرب بها الرب الأمم الذين لا يصعدون ليعيّدوا عيد المظال. هذا يكون قصاص مصر وقصاص كل الأمم الذين لا يصعدون ليعيّدوا عيد المظال» (زكريا 16:14ـ19).
ولكن لا ينتهي المُلك إلا ويكون النسل الغير المتجدد، الرافض للرب في قلبه رغم عبادته وخضوعه له في الظاهر، يكون هذا النسل الشرير في قلبه قد تكاثر عدده كثرة هائلة ناتجة من الولادة بدون موت مدة ألف سنة. وحينئذ لا يترك الرب الجالة على هذا الاختلاط الذي انتهت إليه، بل يعود ويغربل المسكونة بغربال السوء مرة أخرى ونهائية ليعزل حنطتها عن تبنها والتبن يحرقه والحنطة يخزنها في مخزنه الأبدي.

***


الفصل الثالث
نهاية كل شيء
«إنما نهاية كل شيء قد اقتربت» (بطرس الأولى 7:4).

الارتداد الأخير
في الزمان الواقع بين نهاية المُلك ودينونة اليوم الأخير

قيل عن الشيطان قبل بدء المُلك «ورأيت ملاكًا نازلاً من السماء معه مفتاح الهاوية وسلسلة عظيمة على يده. فقبض على التنين الحية القديمة الذي هو إبليس والشيطان وقيّده ألف سنة. وطرحه في الهاوية وأغلق عليه وختم عليه لكي لا يضل الأمم فيما بعد حتى تتم الألف السنة. وبعد ذلك» أى بعد انتهاء المُلك «لابد أن يحل زمانًا يسير» (رؤيا 1:20ـ3). وما السبب لذلك؟ هو أن عدد غير المتجددين المتناسلين في مدة المُلك من الأمم الأبرار سيزدادون جدًا إلى ألوف وملايين. ولكن لأن الحكومة إلهيّة بارة عادلة لا ترحم وتقضي على من يخطيء منهم بسرعة البرق لذلك ألتزم الباقون، رغم شرهم وجحودهم الكامنين في قلوبهم، ألتزموا أن يؤدوا فروض الطاعة والولاء والعبادة للمُلك الإلهي الممثلة حكومته على الأرض في مملكة إسرائيل ومدينة أورشليم «من عظم قوّتك يتملق لك أعداؤك» (مزمور 3:66). ولكن لأن الرب لا يقبل الصورة المزيّفة بل الحقيقة الواقعة، لأجل ذلك بعد الصبر الطويل مدة ألف سنة تقريبًا مع إغداق بركاته ونعمه عليهم وهو عارف قلوبهم ودواخلهم، وليس لهم تغيّر عن بواطنهم، لذلك بعد أن تنتهي مدة المُلك بسلام، يطلق عليهم الشيطان من سجنه لكي يعمل على كشف حقيقة الجحود التي انطوّت عليها أنفسهم. فتحت تأثير مهيجات الشر في أنفسهم يشقون عصا الطاعة على المُلك رافعين عَلَم العصيان العلني على سيادة الرب الملكية المطلقة عليهم في أورشليم. ويتميّزون غيظًا ضد هذه الإمبراطورية اليهودية التي سادت عليهم واستبدّت بهم وبرغائبهم ألف سنة بكيّفية أروستقراطية لم يسبق لها مثيل. فيقومون ضدها بثورة عالمية تعم كل المسكونة. وهكذا بقيادة ذلك الزعيم الجهنمي الغير المنظور تزحف جحافل تلك الأمم على أورشليم من أربع أقاصي الأرض لقلب نظام الحكم فيها، من حكم الفرد المطلق، حُكم الرب نفسه على كل الأرض حُكمًا يقمع كل بوادر العصيان بلا رحمة ولا هوادة، إلى حكم الشعب لنفسه أو حكم الفرد لنفسه أو إطلاقه لنفسه عنان شهواته كسابق عهده. ولكن هيهات أن يصلوا إلى مرغوبهم ولو كان قائدهم ومؤيدهم الشيطان نفسه، مادام الرب قد استلم صولجان المُلك وزمام السلطة نهائيًا. ولذلك لا تستمر الثورة أكثر من «زمان يسير» لأنه لا تكاد تصل الجيوش إلى أبواب أورشليم حتى تحترق برمتها. وهكذا يخلي الرب الأرض ثانية ونهائيًا ودفعة واحدة من كل أشرارها ولا يبقى فيها غير القديسين من يهود وأمم أصليين ومتناسلين. لذلك يقول الرسول «ومتى تمَّت الألف السنة يحل الشيطان من سجنه ويخرج ليضل الأمم الذين في زوايا الأرض جوج وماجوج ليجمعهم للحرب، الذين عددهم مثل رمل البحر فصعدوا على غرض الأرض وأحاطوا بمعسكر القديسين وبالمدينة المحبوبة فنزلِّت نار من عند الله من السماء وأكلتهم» (رؤيا 7:20ـ9). دلالة على أنهم ليسوا من إسرائيل القائم في أرض الرب التي هى الآن أرض كنعان أو أرض فلسطين. بل هم من الأمم الأخرى الذين يسكنون الدنيا على اتساعها في غير أرض إسرائيل.
وقوله ”جوج وماجوج“ للدلالة على أن هذه الشعوب المنتشرة في أرضها الشاسعة ستتزعم ثورتها شيوعية أخيرة ستقوم من روسيا أيضًا كما قامت منها أول شيوعية قبل المُلك الألفي.
إن العصر الألفي هو آخر تدبير رَتَبه الله لامتحان الإنسان. وقد عرفنا مما سبق من الشروح أن الإنسان فشل في تدبير يسمح الله بامتحانه فيه. وها قد فشل بكل أسف في هذا التدبير الختامي رغم إحاطته بكل وسائل العدل والسلام والخيرالتام.
فالإنسان هو هو في شره الكامن في قلبه الذي يحركه عدو الخير متى سنحت له الفرصة. والطبيعة الفاسدة هى هى في كل زمان ومكان. وأنها تشتاق دائمًا إلى الرجوع لصفاتها القديمة في البُعد عن الله والإثم في حقه. حتى بعد العصر الألفي السعيد الذي كانت تغدق عليه فيه كل البركات بسخاء وكرم وكان لا يعوزه شيئًا من متعلقات الحياة والراحة.

دينونة إبليس وكل الملائكة الأشرار
«وإبليس الذي كان يضلهم طُرِح في بحيرة النار والكبريت حيث الوحش والنبي الكذاب. وسيُعَذَبون نهارًا وليلاً إلى أبد الآبدين» (رؤيا 10:20). وسيكون معه أيضًا في هذا المصير الرهيب الخالد كل ملائكته الأشرار، في «النار الأبدية المُعدة لإبليس وملائكته» (متى 41:25). في مدة الألف السنة كانوا مسجونين في الهاوية كما سبق وأشرنا إلى قول النبي «ويكون في ذلك اليوم أن الرب يطالب جند العلاء في العلاء … ويجمعون جمعًا كأساري في سجن ويُغلق عليهم في حبس. ثم بعد أيام كثيرة» هى أيام المُلك «يتعهدون» (إشعياء 21:24و22) وتعهدهم هذا هو إخراجهم من الهاوية، وبعد حملتهم الأخيرة، يدانون ثم يطرحون نهائيًا في البحيرة المتقدة.
ويُضاف أيضًا إلى هذه المجموعة الملائكية الأثيمة في إخراجها من الهاوية وطرحها في البحيرة بعد محاكمتها، تلك المجموعة الملائكية الأثيمة الأخرى المُشار إليها في قول الكتاب: «الله لم يشفق على ملائكة قد أخطأوا بل في سلاسل الظلام طرحهم في جهنم وسلمهم محروسين للقضاء» (بطرس الثانية 4:2) «الملائكة الذين لم يحفظوا رياستهم بل تركوا مسكنهم حفظهم إلى دينونة اليوم العظيم بقيود أبدية تحت الظلام» (يهوذا 6). ولا يفوتنا هنا أن الشيطان عند طرحه إلى البحيرة وجد نفسه فيها مع الوحش والنبي الكذاب اللذين استخدمهما في تضليل سكان الأرض قبل الألف السنة وطُرِحا في ذلك الوقت في البحيرة كما قيل «فقبض» الرب «على الوحش والنبي الكذاب الصانع قدامه الآيات التي بها أضل الذين قبلوا سمة الوحش والذين سجدوا لصورته وطُرِح الاثنان حيين إلى بحيرة النار المتقدة بالكبريت» (رؤيا 20:19). وبعد الألف قيل: «وإبليس طُرِح في بحيرة النار والكبريت حيث الوحش والنبي الكذاب وسيعذبون نهارًا وليلاً إلى أبد الآبدين». وهذا يرينا المصير الأسود للثالوث الأنجس. كما ويرينا خلود الأنفس في العذاب بدليل بقاء الوحش والنبي الكذاب في البحيرة بعد عذاب ألف سنة فيها دون أن يتلاشيا وهكذا سيبقيان فيها مُعذبين إلى مالا نهاية وهكذا سيكون حال كل الأشرار فيها كما سيأتي بيان ذلك. لقد قيل عن القديسين السماويين أنهم سيدينون ملائكة «ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة؟» (كورنثوس الأولى 3:6). وعليه فسيكونون آلة في يد الرب لإجراء هذه الدينونة على الشياطين.
دينونة الأموات
عند قيامة شهداء الضيقة في نهايتها ليّنضموا إلى صفوف القديسين السماويين، كما سبق وأوضحنا، قيل: «ورأيت عروشًا فجلسوا عليها» الذين سبق وأقيموا في الاختطاف وهم قديسوا العهدين «وأعطوا حكمًا. ورأيت نفوس الذين قتلوا من أجل شهادة يسوع ومن أجل كلمة الله» وهم شهداء النصف الأول من أسبوع الضيق، «والذين لم يسجدوا للوحش ولصورته ولم يقبلوا السمة على جباههم وعلى أيديهم» وهم شهداء النصف الثاني من الأسبوع، «فعاشوا» أى عادوا للحياة بالقيامة وانضموا إلى صفوف المقامين السابقين «وملكوا مع المسيح ألف سنة. وأما بقيّة الأموات فلم تعش حتى تتم الألف السنة» (رؤيا 4:20و5). وقيل عن دينونة هؤلاء الأموات «أنا أناشدك، إذًا، أمام الله والرب يسوع المسيح العتيد أن يدين الأحياء والأموات عند ظهوره وملكوته» (تيموثاوس الثانية 1:4). ومما فات فهمنا أنه يدين الأحياء عند ظهوره وقبل المُلك (رؤيا 19و20). ومما جاء هنا نفهم أنه يدين ألأموات بعد المُلك الذي ملكه ظاهرًا. وهذا ما يُقال عنه أيضًا «لأنك أخذت قدرتك العظيمة وملكت. وغَضَبَت الأمم فأتى غضبك وزمان الأموات ليدانوا» (رؤيا 17:11و18). وهذا الزمان هو بعد المُلك كما قيل أيضًا «ثم متى تمَّت الألف السنة يُحَل الشيطان». «ثم رأيت عرشًا عظيمًا أبيض والجالس عليه الذي من وجهه هربت الأرض والسماء ولم يوجد لهما موضع. ورأيت الأموات صغارًا وكبارًا واقفين أمام الله وفُتِحت أسفار وانفتح سفر آخر هو سفر الحياة. ودِين الأموات مما هو مكتوب في الأسفار بحسب أعمالهم. وسلم البحر الأموات الذين فيه وسلم الموت والهاوية الأموات الذين فيهما ودينوا كل واحد بحسب أعماله. وطُرِح الموت والهاوية في بحيرة النار. هذا هو الموت الثاني. كل من لم يوجد مكتوبًا في سفر الحياة طُرِح في بحيرة النار» (رؤيا 11:20ـ15).
فسيُخرج الرب أرواح الأشرار من سجن الهاوية ويلبسهم أجسادهم من قبور الأرض كما خلعوها من حيث نوعها الآدمي الحيواني الساقط مكتسبة فقط صفة الخلود. وبعد محاكمة كل منهم بحسب أعماله يُطرحون جميعًا في البحيرة المتقدة بالنار والكبريت مشهودًا عليهم جميعًا بعدم نوالهم الحياة في المسيح بسبب رفضهم له كل منهم في عهده بحسب إعلان الله له، سواء في الذبيحة الرمزية في العهد القديم، أو في ذبيحة شخصه الحقيقية في العهد الجديد. وهناك في البحيرة إلى الأبد ستكون «نارهم لا تطفأ ودودهم لا يموت» (مرقس 43:9ـ48). والنار رمز غضب الله المشتعل فيهم والدود رمز ضمائرهم التي نشّبت فيهم. فكل منهم ساخط على نفسه علاوة على سخط الله عليه.
وكثيرًا ما يُخلط البعض دينونة الأموات هذه مع اختطاف الأحياء والراقدين من المؤمنين إلى السماء عند مجيء الرب، ومع دينونة الأحياء كأنها كلها شخصيات واحدة وحادثة واحدة وفي زمان واحد. وهذا نشأ من غلطة رئيسية هى خلط إسرائيل بالكنيسة، وعهد النعمة بعهد الملكوت. ولكن واضح أنها ليست حادثة واحدة بل ثلاث حوادث، وليست شخصياتها شخصيات واحدة بل ثلاث مجموعات مختلفة من الشخصيات، وليس زمانها زمانًا واحدًا بل ثلاثة أزمنة. وإليك جدول مفارقة للتمييز بين كل من اختطاف المؤمنين، ودينونة الأحياء، ودينونة الأموات:ـ

أوجه المفارقة

اختطاف المؤمنين
تسانوليكي الأولى 13:4ـ18، كورنثوس الأولى 51:15ـ55
دينونة الأحياء
زكريا 3:14و4، يوئيل 2:3، 12و14، متى 31:25ـ46
دينونة الأموات
رؤيا 11:20ـ15
في مكان مجيء الرب
الهواء
جبل الزيتون في أرض كنعان ومواضع أخرى في الأرض
لا في السماء الجوية ولا في الأرض إذ يكونان في ذلك الوقت في حال الإحتراق
في حال مجيء الرب
مختفيًا عن أنظار غير المؤمنين
ظاهرًا للعيان أمام كل سكان الأرض
ظاهرًا للجميع وهم بعيدون عن السماء الجوية والأرض بسبب احتراقهما
الزمان

قبل الضيقة والملحق في آخرها
بعد الضيقة وقبل المُلك
بعد المُلك وأثناء احتراق الكون
في الشخصيات

فريق واحد مؤمن
فريقان أحدهما مؤمن والآخر خاطي في أحدى الدينونات
فريق واحد خاطي.
في القيامة

قيامة من بين الأموات مع ترك بقية الأموات
لا قيامة بل شعوب حية على سطح الأرض
قيامتهم باعتبارهم بقية الأموات التي لم تسكن قد قامت
في حالة الأجساد

تغييرها إلى سماوية
لا تغيير بل برء من الأدواء والعاهات وبقاؤها حيوانية
لا تغيير ولا برء
في الدينونة

لا دينونة على أحد بل مكافآت للجميع
دينونة للجداء ومكافأة للخِراف
دينونة للجميع
أسفار الدينونة

لا أسفار ولا دينونة
دينونة للجداء بلا أسفار
أسفار ودينونة للجميع
حالة العالم أثناءها
عامرًا
خربًا للضرابات
مشتعلاً بالنار
حالة العالم بعدها

في ضيقة
في مُلك
مخلوق جديدًا
في أساس المعاملة
عمل المسيح
معاملة إخوة الملك
كل أنواع أعمالهم
حالة إبليس أثناءها
في السماء الجوية
مطروحًا إلى الأرض
مطروحًا في البحيرة
في المصير النهائي
الكل للسماء
الخراف للملك والجداء للهاوية
الكل للبحيرة المتقدة

احتراق الأرض والسماء
يرتبط بدينونة العرش العظيم الأبيض نهاية العالم الحاضر وكل ما فيه لأنه سيتلاشى نهائيًا ويحل مكانه عالم جديد أبدي يليق بقداسة سكنى الله مع الناس «فمن وجه الجالس على العرش هربت الأرض والسماء ولم يوجد لها موضع (رؤيا 11:20) أى أنهما في هيئتهما الراهنة ستزولان ولا يبقى لهما أثر. «وأما السموات والأرض الكائنة الآن فهى مخزونة بتلك الكلمة عينها محفوظة للنار إلى يوم الدين وهلاك الناس الفجار … تزول السموات بضجيج وتنحل العناصر محترقة وتحترق الأرض والمصنوعات التي فيها» (بطرس الثانية 7:3و10) والسموات التي ستزول هى السموات المخلوقة أى السموات الجوية: الهواء والفلك. «منتظرين وطالبين سرعة مجيء يوم الله ”حسب الترجمة الصحيحة“ الذي به تنحل السموات ملتهبة والعناصر محترقة تذوب» (بطرس الثانية 12:3). وربما يتعقد فهم هذا الوصف المريع على أذهان البعض لصعوبته إذ يقول كيف تنحل العناصر ونزول السموات بضجيج. إن العلماء يعلمون في قرارة نفوسهم أنهم للآن لم يقولوا الكلمة الأخيرة عن اكتشافاتهم الطبيعية لأن العلم يتغيّر باستمرار. بينما كلمة الله ثابتة وغير قابلة للتغيير. «إلى الأبد يا رب كلمتك مثبتة في السموات» (مزمور 89:119). «السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول» (متى 35:24). ومن هنا نثق ونؤكد أن كل شيء سيتم حسب ما دوّنه الله.
قال أحد علماء الفلك «إن جميع أبحاثي واكتشافاتي قد ساعدتني على إدراك حكمة الله وقدرته. بكيّفية أعظم مما ساعدتني على فهم كلمته فهمًا أكثر وأعمق. فكلما تقدم العلم ينيرنا في فهم الكتاب المقدس ونِّبواته. إذ يرينا مثلاً كيف تزول السموات بضجيج وتنحل العناصر محترقة وتحترق الأرض والمصنوعات التي فيها. ونحن مع علمنا بيقين الإيمان أن ذلك سيتم. ولكن اكتشاف تفكك الذرة وصنع القنبلة الذرية والقنبلة الإيدروجينية، قرّب إلى أذهاننا كيف سيتم ذلك.
ولكن أين يكون الأبرار السماويون عند احتراق السموات؟ وأين يكون الأبرار الأرضيون عند احتراق الأرض أثناء دينونة الأموات؟ حين يكون الرب جالسًا على العرش العظيم الأبيض؟ لاشك أنهم جميعًا سيكونون إلى جواره على عروشهم وهو على عرشه يدين الأموات بعيدًا عن دينونة الاحتراق العظمى التي شملت السماء والأرض على غرار ما رأيناه في (رؤيا 4و5) عند فتح الختوم ومابعدها. وهذا يتضمن طبعًا تغيير أجساد الأرضيين إلى الحالة الروحانية الأبدية. ويدل على صعودهم من دائرة الاحتراق قبل بدء الاحتراق وعودة نزولهم ثانية من السماء بعد تكوين السماء والأرض تكوينًا جديدًا نهائيًا كما يقول الرائي: «ثم رأيت سماء جديدة وأرضًا جديدة لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا والبحر لا يوجد في ما بعد. وأنا يوحنا رأيت المدينة المقدسة أورشليم الجديدة نازلة من السماء من عند الله مهيأة كعروس مزيّنة لرجلها» (رؤيا 1:21و2).
ولم يشر يوحنا إلى الأبرار الأرضيين لأن موضوعه الرئيسي هو السماويون. ولا يشير إلى الأرضيين إلا إشارات خاطفة تقتضيها ضرورة تحديد مركز السماويين. على أن الأرضيين يُفهَم موضوعهم ضمنًا. هذا فضلاً عن إن إشعياء النبي يربط السموات الجديدة والأرض الجديدة بالأرضيين، مما يدل على أن علاقة الأرضيين ستظل بالأرض كما هى فيما عدا التغيير الذي سيجريه الرب فيهم وفيها.
***


الباب السابع
المُلك الأبدي
***
ويشمل الحالة الأبدية اللانهائية حيث يقال «هنا مسكن الله مع الناس» (رؤيا 3:21).
***
نِّبوة اليوم السابع، يوم سبت الله وراحته، رمز الأبدية السعيدة
«ولما فرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل. فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. وبارك الله اليوم السابع وقدسه. لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقًا».
(تكوين 2:2و3).
اليوم السابع كيوم راحة الله هو بالتأكيد رمز إلى ملء الراحة التي هى بالضرورة راحة الله التي سيدخلها القديسون (عبرانيين 3:4) وتسمى حفظ سبت «إذن بقيَّت راحة ”أو حفظ سبت“ لشعب الله» (ع 9). هنا نهاية ”الدهور“ أو التدابير أو الأدوار المتعاقبة إذ قد انتهى العمل فيها. وإذ قد أكمل الله العمل في النهاية وصار كل شيء حسب فكره تعالى نراه يقدس يوم راحته، يوم الأبدية السعيدة الذي لا يفسح بعده مجالاً ليوم آخر، نراه تعالى يضع ختم مسرته الكاملة على كل مشهد الخليقة الجديدة مقدسًا ومكرسًا إياها لذاته تعالى إلى الأبد. وياله من أمر له مدلوله إنه تعالى لابد وأن يفعل ذلك عندما يبلغ تتميم الفداء حد الكمال وتصير كل الأشياء طبقًا للتصميم المقصود في المشورات الأزلية! وكيف يرتاح الله الكامل قبل أن يصل بالخليقة إلى حد الكمال ويبلغ هذه النهاية المجيدة؟ وإذ يبلغها في هذا الدور السابع، دور الكمال الذي لا يعقبه دور آخر، يكون تعالى في تلك الأبدية السعيدة «هو الكل في الكل» (كورنثوس الأولى 28:15) لذلك يظهر الله يوم السبت وحده ولا يذكر آخر معه. والقول «يكون الله الكل في الكل» هو أبسط وأكمل تعبير عن سعادة الخليقة ودوامها. فكما كان الله الواحد المثلث الأقانيم في السبت الأول الرمزي الوقتي، كذلك سيكون تعالى في السبت الأخير الحقيقي الأبدي هو وحده صاحب السيادة المطلقة على الخليقة بأسرها. وكما كانت الخليقة بأسرها وعلى رأسها آدم الأول في السبت الأول، هكذا ستكون الخليقة الجديدة بأسرها في السبت الأخير وعلى رأسها الإبن الأزلي كآدم الأخير في حالة الخضوع المطلق لله، ولكن بالطبع على وجه أتم وأضمن لأن الرأس كامل ومضمون.
السماء الجديدة والأرض الجديدة

«لأني هأنذا خالق سموات جديدة وأرضًا جديدة فلا تذكر الأولى ولا تخطر على بال» (إشعياء 17:65).
«بحسب وعده ننتظر سموات جديدة وأرضًا جديدة يسكن فيها البر» (بطرس الثانية 13:3).
«ثم رأيت سماء جديدة وأرضًا جديدة لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا» أى أنهما انتهيا في هيئتهما الحالية وبدءا في حالة جديدة تتميّز بالقول «والبحر لا يوجد فيما بعد» (رؤيا 1:21).
إن أجساد القديسين الآن وإن كانت فيها الخطية الأصلية الموروثة، ولكنها مقّمعة ومُردَعة بقوة الروح القدس في الطبيعة الجديدة (غلاطية 16:5و17). أما عند مجيء المسيح للاختطاف فسيخرج منها الخطية الأصلية بل ويغير حيوانيّتها إلى روحانية ويجعلها كلية الروحانية والقداسة. فلا يكون البر حاكمًا فيها على شر كما هو حالها الآن، بل يكون البر ساكنًا بلا مقاوم. هكذا الحال في خلق السموات الجديدة والأرض الجديدة. هو في المُلك الألفي، من الناحية الأدبية، قمع وردع وحكم البر للشر الموجود. فشر الشياطين التي كانت تملأ السماوات الجوية سيقمع سيكون حبيسًا مع أصحابها في الهاوية مغلقًا عليه لكي لا يخرج ولا يعمل. وهكذا يكون للسماوات الجوية حالة أدبية جديدة ولاسيما أيضًا بعد أن تحل فيها أورشليم السماوية للحُكم الألفي. وشر البشر في الأرض، وإن كان ساكنًا وموجودًا فيهم، إلا أنه سيكون مقمعًا في أبرار الألف وبلا عمل تمامًا كما لو لم يكن موجودًا وهذا بفضل حُكم الرب الظاهر عليهم، وفيض روحه فيهم، وسجن الشيطان. كما وسيكون مقمعًا في الأشرار المتناسلين من الأبرار الألفيين بحكومة السماء العادلة التي جعلت أورشليم الأرضية مقرها في الأرض «لأنه يجب أن يملك حتى يضع جميع الأعداء تحت قدميه» (كورنثوس الأولى 25:15). وهذا هو وصف المُلك الألفي الذي هو عهد ملك البر وحكمه على الشر وضبطه له في طبيعة الأبرار والأشرار.
أما السماء الجديدة والأرض الجديدة فيتميّزان بعدم وجود الشر إطلاقًا لا حبيسًا ولا طليقًا، بل سيلقي بكل الملائكة الأشرار وكل البشر الأشرار في بحيرة النار. بل وأبرار الألف السنة أنفسهم سيخرج الرب منهم الخطية الأصلية الساكنة في نهاية المُلك لأنه، تبارك اسمه، سيغيرهم عند تغيير السماء والأرض. وحينئذ لا يكون شر إطلاقًا لا في ملائكة ولا في بشر، لا في السماء ولا في الأرض، لا طليق ولا الحبيس، بل يكون كل الشر والأشرار من ملائكة وبشر، جميعهم في البحيرة المتقدة. وحينئذ لا يكون البر مالكًا أو حاكمًا أو ضابطًا بل يكون البِر ساكنًا بلا أية مقاومة في السماء وفي الأرض «بحسب وعده ننتظر سموات جديدة وأرضًا جديدة يسكن فيها البر» (بطرس الثانية 13:3).
هذا من الناحية الأدبية والروحية أما من الناحية المادية فسوف لا تكون السموات الجديدة والأرض الجديدة من مادة أخرى جديدة بل هو إصاغتها هى نفسها في هيأة جديدة. لذلك تَرِد كلمة ”أصنع“ التي لاتدل على إنشاء من العدم بل على إصاغة في شكل جديد وهذا واضح في قوله تعالى «ها أنا أصنع كل شيء جديدًا» (رؤيا 5:21). كما وتَرد كلمة ”هيأة“ في الملاشاة مما يدل على أن الذي سيزول في الاحتراق ليس هو ذات السماء والأرض بل هيأتهما الراهنة وهذا في قوله «لأن هيأة هذا العالم تزول» (كورنثوس الأولى 31:7). وحينئذ يصنع للسماء والأرض هيأة جديدة.
إذن فسوف لا يكون الأمر هو ملاشاة المادة بل تغييرها إلى صورة جديدة مجيدة كتغيير أجساد المؤمنين، بدون ملاشاتها، إلى صورة جسد مجده (فيليبي 21:3، كورنثوس الأولى 35:15 الخ). ولذلك يقول الكتاب «وأنت، يا رب، في البدء أسست الأرض والسموات هى عمل يديك. هى تبيد ولكن أنت تبقى وكلها كثوب تبلى. وكرداء تطويها فتغييّر ولكن أنت أنت وسنوك لن تفنى» (عبرانيين 10:1و11) «تغيّرهن فتتغيّر» (مزمور 25:102و26).
ومن أهم التغييرات التي تميّز الأرض الجديدة هو أن «البحر لا يوجد فيما بعد» (رؤيا 1:21) أن البحر، كما مر بنا، إشارة إلى الأشرار في شرهم (إشعياء 20:57و21) وهذا طبعًا إشارة إلى انعدام الشر والأشرار في الأرض الجديدة، وسكنى واستقرار البر والأبرار فيها. على أن هناك وجهة نظر أخرى وهى أن الأرض الحالية «قائمة من الماء وبالماء» (بطرس الثانية 5:3) أى أنها من الماء خَرَجَت (تكوين 9:1و10) وبالماء تحيا (تكوين 4:2ـ14) أى أن الحياة فيها حيوانية تخص تكاثر وبقاء الأجناس بالغذاء والإنتاج. أما الأرض العتيدة فتكون كالسماء قوام الحياة فيها الروح القدس وليس الماء، اى أن الحياة ستكون فيها، في السموات والأرض، حياة روحانية لا حيوانية بعد.
أورشليم السماوية ونزولها للأبدية
«وأنا يوحنا رأيت المدينة المقدسة، أورشليم الجديدة، نازلة من السماء من عند الله مهيأة كعروس مزيّنة لرجلها» (رؤيا 2:21).
لقد رأينا نزول القديسين السماويين ممثَلين في هذه المدينة نازلة من السماء في بداية المُلك الألفي للحكم والمُلك. ولذلك كان نزولها الأول هذا مرتبطًا بحالة رعايا الملكوت كما قيل: «وتمشي شعوب المخلصين بنورها. وملوك الأرض يجيئون بمجدهم وكرامتهم إليها … ويجيئون بمجد الأمم وكرامتهم إليها» (رؤيا 24:21و26).
أما نزولها الحالي فهو للمُلك الأبدي في السماء الجديدة على الأرض الجديدة لذلك يُقال عن حكم القديسين السماويين لسكان الأرض الألفية: «فعاشوا وملكوا مع المسيح ألف سنة … هذه هى القيامة الأولى مبارك ومقدس من له نصيب في القيامة الأولى. هؤلاء ليس للموت الثاني سلطان عليهم بل سيكونون كهنة لله والمسيح وسيملكون معه ألف سنة» (رؤيا 4:20و6). أما عن نزولهم للمُلك معه على الأرض الجديدة الأبدية فيقال عنهم: «وهم سيملكون إلى أبد الآبدين» (رؤيا 5:22). وسيكون لهؤلاء السماويين حرية الانتقال والتمتع بالرب ومعه في الأرض الجديدة والسموات الجديدة والمدينة السماوية وفردوس الله وبيت الآب.


إنتقال أبرار الأرض في الألف السنة إلى الأرض الجديدة

أما الأرضيون في المُلك الألفي، فبعد استبعادهم في نهاية المُلك من دائرة الأحتراق وتغيير أجسادهم إلى الصورة الروحانية الخالدة الموافقة للإنتقال إلى دائرة السماويات وإلى السكن في الأرض الجديدة الروحانية، بعد إحتراق الأرض والسماء وتغييرهما إلى الحالة الجديدة والصورة الجديدة ينزلون، بداهة، من حيث كانوا إلى الأرض الجديدة حيث فيها وحدها يخلدون آمنين وبالرب فارحين في أتم حياة القداسة والروحانية والبهجة والقوة. والسبب في إطلاق إمتياز تمتع السماويين بكل شئ: الأرض الجديدة والسماء الجديدة والمدينة السماوية وفردوس
الله وبيت الآب هو أنهم فازوا بالجائزة الأولى التي عبر عنها الرب بقوله: «طوبى للذين آمنوا ولم يروا» (يوحنا 29:20). والسبب في حصر إمتياز تمتع الأرضيين على الأرض الجديدة هو أنهم لم يؤمنوا ولم يتحققوا لاهوت المسيح إلا بعد أن رأوه في ظهوره للمُلك وإعلانه ذاته للخليقة بأسرها في حقيقة لاهوته. كتوما الذي قال «إن لم أبصر في يديه إثر المسامير أضع إصبعي في أثر المسامير وأضع يدي في جنبه لا أومن» ( يوحنا 25:20) الذي لما رأى أجاب وقال «ربي وإلهي. قال له يسوع لأنك رأيتني، يا توما، آمنت؟ طوبى للذين آمنوا ولم يروا» (يوحنا 29:20). فلأن الأرضيين لم يؤمنوا بلاهوت المسيح إلا لما رأوه في ظهوره لذلك لا تكون لهم المجازاة إلا من الرتبة الثانية، أو بعبارة أخرى لا يخرجون من نطاق الأرض في دائرة تمتعهم بالرب فيكونون فيها متمتعين بمجد الرب فيها في دورها الألفي ثم في دورها الأبدي. ينتقلون إليها ولا ينتقلون منها. ولكن لا يفوتنا الفرق بين حالها الحيواني في الألف وبين حالها الروحاني في الأبدية. فمن أهم علائم هذا الفارق هو وجود البهائم والطيور معهم في دورها الحيواني الألفي لأنها دور أكل وشرب وتناسل فضلاً عن البلوغ الروحي في الخليقة العاقلة. أما في الأرض الأبدية الروحانية فلا تكون بهائم ولا طيور لأنه لا أكل فيها ولا شرب ولا تناسل بل فيض الروح في البهجة والعبادة، فهي حالة السماء على الأرض أوهي أرض من نوع سماوي.

ومما يؤيد ارتباط الأرضيين بالأرض أولاً وآخرًا أن أشعياء في تنبئه عن الأبرار الأرضيين يربط وجودهم بالأرض الجديدة في قوله «لأني هأنذا خالق سموات جديدة وأرضًا جديدة فلا تُذكَر الأولى ولا تخطر على بال. بل افرحوا وابتهجوا إلى الأبد فيما انا خالق لأني هأنذا خالق أورشليم بهجة وشعبها فرحًا. فأبتهج بأورشليم وأفرح بشعبي ولا يُسمع بعد صوت بكاء ولا صوت صراخ» (إشعياء 17:65ـ19). ولذلك أيضًا عند ذِكر نزول القديسين السماويين في صورة أورشليم السماوية بعد تجديد الأرض والسماء للمُلك على الأرض الجديدة، تذكر أحوال الرعايا باعتبارهم على الأرض ولكن في ظروف راحة أبدية وهناء أبدي تختلف عن ظروف الأرض الأولى حتى في المُلك الألفي. «ثم رأيت سماء جديدة وأرضًا جديدة، لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا والبحر لا يوجد فيما بعد وأنا يوحنا رأيت المدينة المقدسة، أورشليم الجديدة نازلة من السماء من عند الله مهيأة كعروس مزيّنة لرجلها. وسمعت صوتًا عظيمًا من السماء قائلاً: هوذا مسكن الله مع الناس. وهو سيسكن معهم وهم يكونون له شعبًا والله نفسه يكون معهم إلهًا لهم. وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم، والموت لا يكون فيما بعد، ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فيما بعد، لأن الأمور الأولى» الخاصة بالأرض الأولى «قد مضّت. وقال الجالس على العرش ها انا أصنع كل شيء جديدًا. وقال لي إكتب فإن هذه الأقوال صادقة وأمينة. ثم قال لي: قد تم. أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية. أنا أعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجانًا. من يغلب يرث كل شيء وأكون له إلهًا وهو يكون لي إبنًا. وأما الخائفون وغير المؤمنين والرجسون والقاتلون والزناة والسحرة وعبدة الأوثان وجميع الكذبة فنصيبهم في البحيرة المتقدة بنار وكبريت الذي هو الموت الثاني» (رؤيا 1:21ـ8). لاشك أن هذه المواعيد تنطبق على السماويين والأرضيين، ولكن نزول المدينة المقدسة من السماء من عند الله بعد خلق السماء الجديدة والأرض الجديدة يدل ولاشك على نزولها من السموات الغير المخلوقة إلى السموات المخلوقة جديدًا للمُلك الأبدي مع الرب على الأرض المخلوقة جديدًا وسكانها المخلوقين جديدًا «سموات جديدة وأرضًا جديدة يسكن فيها البر».



الله الكل في الكل

«وبعد ذلك النهاية متى سلم المُلك لله الآب متى أُبطل كل رياسة وكل سلطان وكل قوة. لأنه يجب أن يملك حتى يضع جميع الأعداء تحت قدميه. آخر عدو يبطل هو الموت. لأنه أخضع كل شيء تحت قدميه. ولكن حينما يقول إن كل شيء قد أُخضع فواضح أنه غير الذي أخضع له الكل. ومتى أخضع له الكل فحينئذ الإبن نفسه أيضًا سيخضع للذي أُخضع له الكل لكي يكون الله الكل في الكل» (كورنثوس الأولى 24:15ـ28).

إن ربنا يسوع، كعبد الرب البار، فوّض من قبل أبيه كإله الكون وصاحب المُلك على الأرض، أن يرد إليه ملكه على الأرض الذي أضاعه آدم المولى عليه بتواطئه مع الشيطان ضد الله. وها هو الإبن قد ملك وأخضع كل مغتصبي المُلك من بشر وشياطين. وها هو المُلك قد استخلص واسترد. وها هم كل المتمردين من بشر وشياطين قد طرحوا في البحيرة المتقدة بالنار والكبريت مُخضَعِين بالإكراه في سجنهم وتعذيبهم إلى الأبد. فماذا يفعل يسوع ابن الله، كالإنسان الكامل، بعد أن أخضع كل مقاومة لله في دائرة سلطانه، وبعد أن جعل السموات جديدة والسماويين أبرارًا خاضعين خضوعًا أبديًا، وبعد أن جعل الأرض جديدة والأرضيين أبرارًا خاضعين هم أيضًا خضوعًا أبديًا؟ ماذا يفعل؟ هل لا يخضع هو، ولا يسلم المُلك لصاحبه بعد أن أخضعه، ويستقل به لنفسه عن صاحبه؟ حاشا! وألف حاشا! فوحدته في اللاهوت مع الآب كالله واحد من جهة، وكماله الإنساني من جهة أخرى، يجعلان ذلك أمرًا مستحيلاً. فوحدته مع الآب في اللاهوت وكماله في الناسوت يجعلان خضوعه كالإنسان الكامل والمفوّض الأمين في تسليمه المُلك لصاحبه بعد استخلاصه وإخضاعه أمرًا لابد منه. هذا هو المسيح، تبارك اسمه، في مركزه الوساطي وهو آخذًا مركز العبد لأبيه كإله ذلك العبد، والآب في مركز إله ذلك العبد مع كوّنه أصلاً ابنه الوحيد الذي هو مع أبيه وروحه القدوس من الأزل وإلى الأبد الله الواحد الذي لا ثاني له ولا شبيه له ولا شريك له. وإذ يسلم الإبن المُلك لله الآب حينئذ «يكون الله» الواحد المثلث الأقانيم «الكل في الكل» كالمعبود والمالك. فلا معبود غيره ولا مقاوم لسلطانه. أما الآب، إذ يُسلم الإبن المُلك له على هذا المنوال، آخذًا مركز العبد المُطيع الخاضع، حينئذ يكافئه الآب على ذلك بأن يوّليه، كآدم الأخير، على كل الخليقة الجديدة سماء وأرض مع عروسه وأصدقائه لفرح قلبه. وحينئذ تتم كل الأقوال الآتية: «فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضًا. الذي إذ كان في صورة الله لم يُحسب خلسة أن يكون معادلاً لله. لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد صائرًا في شبه الناس: وإذ وُجِد في الهيّئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب» في سبيل إيفاء الله حقوقه ضد الإنسان وضد السماء والأرض اللتين استخدمهما في شره فتنجسّت به. وقد فعل المسيح ذلك لكي يكتسب للانسان في حالة الإيمان به، وللسماء والأرض حتى خلقها خليقة جديدة عوضّا عن هلاك الإنسان وإبادة الكون. وإذ وصل إلى كل ذلك وهو مرغوب الله ورد المُلك إليه بأحسن وأضمن مما كان «لذلك رفّعه الله أيضًا وأعطاه إسمًا فوق كل إسم. لكي تجثوا باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء» السموات الأزلية والسماء الجديدة، «من على الأرض» الأرض الجديدة مما يدل على أنها ستكون آهلة بالسكان الروحانيين في الأبدية لأن كل ركبة فيها ستجثو له وهذا لم يتم على الوجه الأكمل في الأرض القديمة حتى ولا في المُلك الألفي، «ومن تحت الأرض» أى الذين في البحيرة من بشر وشياطين تحت ضغط تعذيبهم. «ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب» (فيلبي 5:2ـ11). «فإنه لملائكة لم يُخضع العالم العتيد الذي نتكلم عنه. لكن شهد واحد في موضع (مزمور 8) قائلاً: ما هو الإنسان حتى تذكره أو ابن الإنسان حتى تفتقده. وضعته قليلاً عن الملائكة. بمجد وكرامة كللته وأقمته على أعمال يديك. أخضعت كل شيء تحت قدميه. لأنه إذ أخضع الكل له لم يترك شيئًا غير خاضع له. على أننا الآن لسنا نرى الكل بعد مُخضعًا له» أى للانسان العادي «ولكن الذي وُضِع قليلاً عن الملائكة، يسوع» باتخاذه مركز الإنسان «نراه مُكللاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت» (عبرانيين 5:2ـ9). «الذي جعله وارثًا لكل شيء … صائرًا أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث إسمًا أفضل منهم» (عبرانيين 2:1و4). وهنا ستتجلى وحدة الرب يسوع مع الآب في اللاهوت ووحدتنا نحن معه تبارك إسمه في الملكوت «ليكون الجميع واحدًا كما أنك أنت، أيها الآب، فيّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا ليؤمن العالم أنك أرسلتني. وأنا قد أعطيّتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد. أنا فيهم وأنت فيَّ ليكونوا مُكملين إلى واحد وليعلم العالم أنك أرسلتني وأحببتهم كما أحببتني» (يوحنا 21:17ـ23). «كل ما هو لي فهو لك وما هو لك فهو لي وأنا مُمَجد فيهم» (يوحنا 10:17).

تبارك اسمك يا رب «لأن لك المُلك والقوة والمجد إلى الأبد. آمين».
***
{ تم الكتاب}




hg;jhf hg`n lku kavm tn hgavr hgH,s' ( w]n hgkf,hj ) hg[.x hgvhfu >>hov [.x hg`d hgkfchj hov pwg wpd td ,.vj

   

 

لو الموضوع عجبك اضغط على كل ليك اللى تحت

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
جون وسيم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-16-2012, 06:52 AM   #2
Noona
خادم للجميع
 
الصورة الرمزية Noona
 
تاريخ التسجيل: Sep 2011
الدولة: فى قلب يسوع
العمر: 32
المشاركات: 6,731
معدل تقييم المستوى: 14
Noona عضو جديد
افتراضي رد: الكتاب الذى منع نشرة فى الشرق الأوسط ( صدى النبوات ) الجزء الرابع ..اخر جزء

مشاركة
اكتر من رااائع
ويستحق التثبيت
اشكرك يا وسيم
Noona غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-11-2012, 12:29 AM   #3
بولا وديع
خادم للجميع
 
الصورة الرمزية بولا وديع
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 2,685
معدل تقييم المستوى: 10
بولا وديع عضو جديد
افتراضي رد: الكتاب الذى منع نشرة فى الشرق الأوسط ( صدى النبوات ) الجزء الرابع ..اخر جزء

مشاركة
موضوع رائع جدا ربنا يعوض تعب محبتك
بولا وديع غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
منع, الأوسط, الذي, الجزء, الرابع, الشرق, النبؤات, الكتاب, اخر, حصل, صحي, في, وزرت


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

منتديات الحياة الابدية

↑ Grab this Headline Animator


جميع الأوقات بتوقيت GMT +2. الساعة الآن 07:36 AM.


Powered by vBulletin™ Version 3.8.10 Beta 1
Copyright © 2019 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved. منتديات
|