منتديات الحياة الابدية

مجلة الحياة الابدية - شات الحياة الابدية - الكتاب المقدس مسمـوع - قناة الطريق - altarektv - قناة الحقيقة - The Truth Tv

الكتاب المقدس الالكتروني - افلام دينية مسيحية - قناة سى تى فى - ctv - تفسير الكتاب المقدس - مكتبة الترانيم والبومات المرنمين - مكتبة العظات الدينية

مركز رفع الصور - صفحات الفيس بوك المسيحية - الاعلان على منتديات الحياة الابدية - ترانيم سماع وتحميل مباشر - السنكسار اليومي

Follow us Youtube Rss Twitter Facebook


العودة   منتديات الحياة الابدية > روحانيات الحياة الابدية > التأملات الروحية و الخواطر الفكرية > التاملات الروحية

الملاحظات

التاملات الروحية تاملات روحية,تاملات مسيحية,تأملات,تاملات روحية مسيحية


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-27-2012, 01:58 AM   #11
جون وسيم
خادم للجميع
 
الصورة الرمزية جون وسيم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2011
الدولة: مع المسيح
العمر: 37
المشاركات: 8,056
معدل تقييم المستوى: 14
جون وسيم عضو جديد
افتراضي رد: سلسلة : الإنسان والحالة الأبدية

مشاركة
11
الوعـي أو الشعور بعد الموت
(ا)
الآن في موضوع الوعي بعد الموت. ولا شك أن كل برهان على هذا الوعي من جانب النفس هو أيضاً برهان على وجودها. ولكن كثير ممن يسلمون بوجود النفس بعد الموت لا يسلمون بوعيها ويتمسكون بما يسمونه "نوم النفس". الأمر الذي لا أساس له في الكتاب وإن كانوا يزعمون أنهم يستمدون نظريتهم منه.
ولكنك لن تجد في الكتاب شيئاً عن نوم النفس. إن الإنسان ينام حسب تعبير الكتاب، ولكنه دائماً يفعل ذلك بالاقتران مع الجسد، وليس أبداً بالاقتران مع النفس، فنقرأ في متى 52:27 «وقام كثير من أجساد الراقدين»، وكذلك في يوحنا 11:11 «لعازر حبيبنا قد نام. لكنى أذهب لأوقظه» أي بإقامة الجسد. وهكذا رقد استفانوس وحمله رجال أتقياء ودفنوه، أي دفنوا جسده. وكذلك رقد داود وانضم إلى آبائه ورأى فساداً - أي جسده بطبيعة الحال. وأيضاً في 1كورنثوس 39:7 «وإن مات (رقد) رجلها فهي حرة لكي تتزوج بمن تريد في الرب فقط» فالكلام كله هنا عن الجسد ولا صلة له بالنفس أو الروح إطلاقاً. وكذلك في نفس الرسالة أصحاح 30:11 يقول الرسول «وكثيرون يرقدون» باعتبار أنه تأديب واقع على الجسد ولا علاقة له بفرح الوجود مع الرب الذي هو نصيب النفس. ثم في أصحاح 6:15 «ولكن بعضهم قد رقدوا» - أي تواروا من صفوف الشهود. ونفس الأصحاح عدد 18 «إذاً الذين رقدوا في المسيح أيضاً هلكوا» وعدد 20 «ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين» فهنا أيضاً الإشارة إلى قيامة الجسد الذي هو في الواقع موضوع الأصحاح كله.
وهكذا دائماً، وسواء كان الموت تأديباً تنكسر له قلوبنا إذ نتطلع إلى الجسد الهامد الذي انقطعت أنفاسه، أو إذا كان المقصود مجرد وصف تاريخي للحقيقة الخارجية (الموت)، أو إذا كانت القيامة هي بيت القصيد، إذا كان هذا أو ذاك، فهنا نجد العبارة التي تعثر بها المضللون - نجدها بسيطة واضحة جميلة ونن نشخص بأبصارنا إلى الجسد الهامد، الهيكل المادي، ونمسح دموعنا بين الإيمان واليقين قائلين: "سيقوم أخونا".
والواقع أن الأدلة متوفرة للغاية في كلمة الوحي على أن الموت فيما يتعلق بالنفس ليس هو حالة لا شعور أو عدم وعي والفصول الدالة على ذلك معروفة جيداً ولا يعوزها إلا تطهيرها مما علق بها من اعتراضات أثارها المضللون حول معناها البسيط الواضح.
واعتقادات الفريسيين بشأن هذه النقطة مسلَّم بها من الجميع، والقصة المعروفة عن لعازر والغني في لوقا 16 تحظى بكل موافقتهم ولا اعتراض عليها من ناحيتهم غير أنهم يأبون علينا أن نعتقد أنها أي شيء أكثر من قصة متمشية مع خرافات الذين كان الرب يخاطبهم! ولكن مما لا شك فيه أن غرض الرب من القصة هو رفع الحجاب عن العالم الآخر وذلك واضح في علاقتها بباقي الأصحاح. ففي الجزء الأول منه كان الرب يتكلم عن الإنسان باعتباره وكيلاً غير أمين تحت حكم الطرد من وكالته ولكن أموال سيده الإلهي لا زالت في يده. وهنا يحرضهم الرب قائلاً: «اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم، حتى إذا فنيتم يقبلونكم في المظال الأبدية» (ع 9). أما الفريسيون وهم محبون للمال فقد استهزؤا به، لذلك قدّم لهم هذه القصة لكي يريهم أن ما يعتبره الناس شيئاً عظيماً هو مَكرهة في نظر الله. وبيت القصيد في القصة هو هذا «أنك استوفيت خيراتك في حياتك» والآن «أنت تتعذب» ولا تنسب للرجل أية جريمة سوى فشله فيما يتعلق بمال الظلم. فهو لم يقدر أن يخدم الله والمال. لقد خدم المال لا الله. وبينما المسكين الذي أهمله حملته الملائكة من عند بابه إلى حضن إبراهيم، كان هو يتعذّب. أما كيف مسّ هذا السهم قلوب الفريسيين المحبين للمال فمن السهل رؤيته. وإنما المهم في موضوعنا هو أن الحالة الموصوفة هي حالة رجل مُعذَّب بعد موته مباشرة، قبل القيامة والدينونة، وله إخوة لازالوا على الأرض يمكن أن يكرَز لهم.
قد تسمى هذه القصة مَثَلاً فليكن. ولكن المهم كما قلنا هو أن حالات الأموات هي المراد إبرازها. ومن المسلَّم به أن تصويرها هذا مبني على اعتقادات فريسية.
ومن المستغرب مع ذلك كيف تصبح التعبيرات التي استخدمها الرب موضوعاً للمجادلة بحيث يظن البعض أنه ما دامت اللغة استعارية فليس في استطاعتنا استخدامها للتعليم بحقيقة الحالة بعد الموت. أما أن المقصود استخدامها لذلك الغرض فواضح للأسباب الثلاثة الآتية:
أولاً: لأنها موجهة إلى الفريسيين ومؤسسة (كما هو مسلَّم به) على اعتقادهم الذي يتناوله الرب ويتحدث إليهم على أساسه دون كلمة اعتراض.
ثانياً: أن الاستعارات والرموز لا بد من استخدامها في الكلام عن حالة مثل هذه بعيدة كل البعد عن دائرة اختبارنا ولا تمت إلى أي شيء منها بصلة، أي أنه كان لا بد من استعارة كلمات وعبارات وأفكار من الأشياء التي حولنا وتكييفها للتحدث عن هذه الأشياء غير المنظورة.
ثالثاً: لو أن الغرض هو مجرد تبيان الجزاء النهائي بعد القيامة فليس هناك من سبب يمكن تقديمه لعدم تصويره هذا الجزاء مباشرة كما يفعل الكتاب في أماكن أخرى كثيرة بدلاً من تصويره تحت ستار حالة خيالية للموت. ولا شك أنه في هذه الحالة كان التصوير يفقد الكثير من دقته وإتقانه.
إن الرموز ليس من الصعب قراءتها بفهم وإدراك على واحد هو من حيث هذه النقطة التعليمية فريسي. ذلك كان الحال مع بولس الرسول وهو حالنا نحن أيضاً، فإنه بهذه الوسيلة قد نقلت إلينا أفكار ما كان يمكن بغير هذه الطريقة تصويرها لنا تصويراً حياً رائعا. والواقع أن المعنى المستفاد من الرموز في هذه القصة هو من الوضوح بحيث أن معارضيه لا بد لهم من الالتجاء إلى أبشع الخيالات والتصورات للتهرّب من حديثها الجلي الواضح.
فإذا كان التعليم بوعي الأموات تعليماً خاطئاً فها هو الرب يعلِّم به. بل إنه من المستحيل أن ينكر أحد الحقيقة الواضحة وهي أنه له المجد يستخدم عقيدة الفريسيين، ويصادق عليها. ونحن نعرف أنه له المجد لم يستخدم قط الخرافات التي كان يدينها ولم يتخذ أبداً تقاليد الناس أساساً لتعليمه ذي السلطان الذاتي. إن هذا المُميِّز الواضح يغيب على ما يبدو عن أفكار المعارضين، وأنه لكفيل في الحقيقة بأن يزلزل الأرض تحت أقدامهم فليست حجتهم عرجاء ولا سند لها فحسب حيث أنه من المُحال أن يتصور أحد أن السيد له المجد يمكن أن يستخدم الضلال كوسيلة لتبيان الحق (وبدون أدنى إشارة إلى كونه ضلالاً) بل إن مغزى القصة ذاته هو هذا: «وأنا أقول لكم اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم حتى إذا فنيتم يقبلونكم في المظال الأبدية». وهذه هي إدانة الرجل الغني: أن أمواله أصبحت الآن تتخذ مركز الاتهام ضده وليست في جانبه. لقد استوفى خيراته في حياته وأخذ نصيبه في عالم زائل. وهو الآن يتعذّب. ولاحظ كيف أن اللغة تتفق مع المعنى تمام الاتفاق؛ فيقال «حتى إذا فنيتم» والمراد طبعاً إذا مُتم وليس إذا قمتم كما يود البعض أن يفهموها. كلا، بل «حتى إذا فنيتم يقبلونكم في المظال الأبدية». هنا الحقيقة التعليمية الدقيقة معبَّراً عنها بكلمات صريحة واضحة وليس بمَثَل على الإطلاق بل أنها هي التي تشرح المَثَل وتؤيده إذا أردت أن تسمي القصة مثلاً.
هذا يبين أننا عند الموت نُقبل في المظال الأبدية وليس قبل ذلك. لا شك أنه بعد دينونة الأعمال، وبالتالي بعد القيامة، يُمنح الجزاء الدقيق أو تُوقَّع العقوبة الدقيقة. ولكن إلى أن يأتي الوقت لذلك نقرأ عن أرواح الهالكين باعتبارها «الأرواح التي في السجن» (1بط 19:3) بلا أي شك في كونها هالكة، تماماً كما أن «المتغرب عن الجسد» هو «مستوطن عند الرب» وبلا أدنى شك في خلاصه.
يضاف إلى هذا أن الرب يقول فعلاً إنه يوجد عذاب في جهنم. ولكنه يقول أيضاً إنه يوجد عذاب في الهاوية. والواقع أن المعنى البسيط الواضح الذي يدركه أي شخص بمجرد قراءة القصة لأول مرة يزداد وضوحاً وتوكيداً كلما عاود التأمل فيه. ولا عجب. فهناك الحق بكل توافقه وانسجامه.
12
الوعـي أو الشعور بعد الموت
(ب)
في المقال السابق أن الرب يؤيد تعليم الفريسيين فيما يتعلق بالوجود الواعي في حالة السعادة أو التعاسة بعد الموت. والآن ننتقل إلى فصل في الكتاب يبين إلى أي مدى كان تلاميذ الرب متشبعين بالتعليم الكتابي فيما يتعلق بهذه النقطة، ذلك لأننا نقرأ أنه بعد قيامته عندما كان التلاميذ مجتمعين معاً «وقف يسوع نفسه في وسطهم، وقال لهم: سلامٌ لكم! فجزعوا وخافوا، وظنوا أنهم نظروا روحاً. فقال لهم: ما بالكم مضطربين، ولماذا تخطر أفكار في قلوبكم؟ انظروا يدي ورجليّ: إني أنا هو! جسوني وانظروا، فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي» (لو 36:24 - 39).
واضح هنا أن التلاميذ عرفوا صورة الرب. والواقع أنه ما من مرة من مرات ظهوره لهم نجد شيئاً خيالياً أو شبحياً يجعلهم يظنون أنهم كانوا يرون روحاً. فمريم المجدلية ظنته البستاني. وتلميذا عمواس، قبل اجتماعهما بالتلاميذ بساعات قليلة، ظناه شخصاً عادياً، وعندما اجتمعا بالتلاميذ والذين معهم وجداهم «يقولون إن الرب قام بالحقيقة وظهر لسمعان». وبينما كانا يخبران بما حدث في الطريق «وقف يسوع نفسه في الوسط». إن هذا الظهور المفاجئ والأبواب مُغلّقة هو الذي أذهلهم. إنهم لم يشكوا في مَن هو، ولم يكن جسهم إياه ليعطيهم هذه المعرفة. إنهم كانوا يدركون ويعرفون أنه الرب، والرب لم يكن بحاجة لأن يخبرهم عن اسمه فهو لا يقول "إني أنا يسوع" بل «إني أنا هو» مستخدماً اللغة العادية التي أشرت إليها، لغة الحس، التي تقرن الإنسان بجسده وليس بروحه «جسوني وانظروا، فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي». ومن هذا يتضح أن المشكلة لم تكن هل هو يسوع أم شخص آخر؟ بل هل هو يسوع في الجسد أم روح فقط؟ وقد أجاب الرب على هذا السؤال.
فلم تكن المسألة عندهم إذن مسألة خيال أو حقيقة بل مسألة وجود جسدي أو روحي. هذا هو كل ما كان يشغل بالهم. فالتلاميذ الذين رأوه إنساناً حياً بينهم لم يكن ليكفيهم أن يروا روحه الراحلة، لأن المسألة عندهم لم تكن مسألة حقيقة فلسفية تتعلق بما وراء القبر وترتبط بالعقل الباحث، بل كانت مسألة حب قلبي ربطهم بشخصه العزيز المبارك. وما كان من شيء يطمئن قلوبهم ويعزي خواطرهم سوى تحققهم من أنه هو نفسه. وهذا ما يؤكده الرب لهم. وعندما رأوه وقد ظهر لهم هذا الظهور المعجزي لم يصدقوا أنه كان يمكن أن يكون إنساناً حياً جاء وسطهم بهذه الكيفية العجيبة فظنوا أنهم رأوا روحاً - الأمر الذي يصححه، له المجد - بأمره إياهم أن يتحققوا أن له لحماً وعظاماً. وهذا وحده ما كانت تستطيع قلوبهم أن تسميه «أنه هو» نفسه.
ولكنه واضح هنا أيضاً أن تلاميذ الرب كانوا من حيث هذه النقطة فريسيين، والرب بدلاً من مراجعة أفكارهم باعتبارها خيالات خرافية، يوجه أنظارهم إلى عدم جسمانية «الروح» وإلى لحمه وعظامه.
ونحن نستطيع أن نعرف مدى شيوع استخدام كلمة «روح» من العبارة الموحى بها عن معتقدات اليهود في أعمال 8:23 «لأن الصدوقيين يقولون إنه ليس قيامة ولا ملاك ولا روح، وأما الفريسيين فيقرون بكل ذلك» فهنا أيضاً نرى كلمة روح مستخدمة استخداماً عادياً للتعبير عن أرواح البشر بالانفصال عن الجسد. أما الملائكة فطبقة أخرى من الأرواح. وهذا ما تؤيده القرينة. لأن بولس وهو يُحَاكَم بشأن أقواله عن قيامة يسوع أعلن أنه فريسي مؤمن بالقيامة. وهنا انقسم المجمع «فحدث صياح عظيم، ونهض كتبة قسم الفريسيين وطفقوا يخاصمون قائلين: لسنا نجد شيئاً ردياً في هذا الإنسان! وإن كان روح أو ملاك قد كلمه فلا نحاربنَّ الله» (ع 9). يتضح من هذين الفصلين أن الملائكة تعتبر طبقة من الكائنات منفصلة عن الأرواح المُتكلَم عنها - «إن كان روح أو مـلاك». وبولس يربط نفسـه مع الفريسيين في هـذه العقيدة - قيامة الأموات - ويعود فيذكرها مرة ثانية مبيناً النقاط التي تتفق فيها مع عقيدة المسيحيين. «لأن الصدوقيين يقولون إنه ليس قيامة ولا ملاك ولا روح، وأما الفريسيين فيقرون بكل ذلك». وتدل لغة الكاتب الملهم هنا على موافقته على هذا التعليم حيث يقول «وأما الفريسيون فيقرون بكل ذلك» والمعنى المفهوم من كلمة «يقرون» هو أنهم يعترفون بحقيقته، أي أن الإيمان الفريسي والإيمان المسيحي يتفقان في هذه الأمور.
وفي ضوء هذه الحقائق الإيمانية تصبح بعض الفصول الكتابية واضحة جلية مثل كلمات الرب للص المائت «اليوم تكون معي في الفردوس» أو طلبة استفانوس وسط الحجارة المنهالة عليه من أعدائه «أيها الرب يسوع اقبل روحي» أو «ترجع الروح إلى الله الذي أعطاها» أو الفصل الذي يتكلم عن «أرواح أبرار مكملين» بالقيامة في عبرانيين 40:11. وستأتي أمامنا كلمات الرب للص في مناسبة أخرى أما الآن فلنتحول إلى بعض فصول أخرى.
في فيلبي 21:1- 24 نجد عبارة تحتل بطبيعة الحال مكاناً هاماً في المجادلة حول هذا الموضوع وهي قول الرسول «لأن لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح. ولكن إن كانت الحياة في الجسد هي لي ثمر عملي، فماذا أختار؟ لست أدري! فإني محصور بين الاثنين: لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح، ذاك أفضل جداً. ولكن أن أبقى في الجسد ألزم من أجلكم». هذا الفصل واضح وبسيط يكاد لا يحتاج إلى إيضاح أو تفسير ولكن نظراً لأهميته في وضع الأمور في نصابها ورغبة في إجلاء معناه إلى أقصى حد بحيث لا نترك مجالاً لأي نقص أو اعتراض فإننا نقسمه إلى أقسامه ونتأمل في كل قسم على حدة:
(1) الشيء الأول هو أن غرض الحياة عند الرسول كان المسيح. والموت كان ربحاً. هذا هو المعنى الوحيد الواضح. فلا شك أن عبارة «لأن لي» الواردة في بداية الجملة تسري على كل من العبارتين التاليتين. فيمكننا أن نقرأها هكذا: "لأن لي الحياة هي المسيح (لأن لي) الموت هو ربح". فهو لا يقول كما يود البعض أن يقرأوا الجملة "لأن لي الحياة هي ربح لقضية المسيح" بل: «لأن لي الحياة هي المسيح» أي أن المسيح هو غرض حياتي. وعندما يأتي للكلام عن الربح لا يقول "لقضية المسيح" بل: «لأن لي الموت هو ربح». ثم يستمر قائلاً:
(2) «فماذا أختار؟ لست أدري!». أليس واضحاً أنه رغماً عن كون الموت ربحاً له فإنه كان محصوراً بين اختيار الموت أو الحياة، وذلك لأن الأمر كان يتعلق باختيار ما فيه صالحه الشخصي أو ما فيه صالح القديسين كما يخبرنا بعد ذلك. ففي كلامه التالي لا يمكن لأي ذهن مخلص إلا أن يرى أن الرسول إنما كان يعلن سبب حيرته بين هذين الشيئين (الموت أو الحياة) عندما يقول «لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح، ذاك أفضل جداً. ولكن - هنا الحيرة - أن أبقى في الجسد ألزم من أجلكم». فمع أن الموت كان ربحاً له، وهو كان يعرف ذلك يقيناً، إلا أن الانحصار كان بين ربحه الخاص وربح الآخرين. فالانطلاق ليكون مع المسيح لم يكن شيئاً ثالثاً على الإطلاق. لقد كان محصوراً بين اثنين لا ثالث لهما: الموت والحياة - الأول: ربح له، والثاني: ربح للقديسين. وهو يحدد هنا بدقيق العبارة أن الانطلاق والوجود مع المسيح معناه الموت كما أن البقاء في الجسد معناه الحياة أو العيشة على الأرض.
(3) ولكن هنا بالذات يثير المعترضون كل ما يستطيعون من ضوضاء ويستخدمون كل ما عندهم من علم واسع باللغة اليونانية محاولين إقناعنا بأن كلمة analusan ليس معناها «ينطلـق» to depart بل يرجع to return وإن العبارة في عرفهم يجب أن تُقرأ: "لي اشتهاء لرجوع المسيح والكينونة معه" ولكن لسوء الحظ هذه النظرية أن الرسول بولس يستعمل نفس الكلمة اليونانية في مكان آخر (2تي 6:4) مشيراً بما لا يترك مجالاً لأي شك إلى موته حيث يقول «فإني أنا الآن أُسكَب سكيباً، ووقت انحلالي my departure قد حضر. قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي ..» فإذا كانت الكلمة هنا معناها بصريح العبارة الانحلال أو الموت فلماذا لا يكون معناها هكذا هناك حيث القرينة تحدد معناها بالموت. إن البعض من أصحاب نظرية الفناء على استعداد للتسليم بأن قول الرسول «أن أنطلق» معناه الموت ولكنهم يصرون على أن النصف الثاني من الجملة «وأكون مع المسيح» لا بد أن يكون معناه الحالة المجيدة عند القيامة، واضعين بين الحادثتين (الموت والقيامة)، حالة يسمونها اللاشيئية أو حالة اللاوجود أو نوم النفس. وهذا يجعل الانطلاق إلى دائرة النسيان أو عدم الوعي «أفضل جداً» من الشركة الحاضرة مع المسيح والفرح في الله وتمجيد المسيح بخدمة كخدمة الرسول! ويا له من لغز عجيب!
وهنا نشير مرة أخرى مجرد إشارة إلى 2كورنثوس 5 ، فإن العبارات الواردة بهذا الفصل «مستوطنون في الجسد» - «متغربون عن الرب» - «نتغرب عن الجسد ونستوطن عند الرب» تتحدث بنفس اللغة الواضحة التي كنا نتأمل فيها الآن. ثم ننتقل إلى نص واحد كتابي آخر في هذا الموضوع وهو نص يصور لنا في واقعية كاملة ذات الشيء الذي هو موضوع بحثنا - ليس في مَثَل بل في حقيقة تاريخية - رجل متغرب عن الجسد - روح واعية بأمور لا يُنطق بها - شعاع عابر يضيء من دائرة غير المنظور - موسى على جبل التجلي مع الرب.
لم يكن الأمر حلماً فإن العيون المغلقة بالنوم لم تره بل بالعكس إذ استيقظت رأته: «وأما بطرس واللذان معه فكانوا قد تثقلوا بالنوم. فلما استيقظوا رأوا مجده، والرجلين الواقفين معه» (لو 32:9). ذلك يدل أيضاً على أن الأمر لم يكن مجرد رؤية تجلّت لهم عند اليقظة بل إن المشهد كان هناك قبل أن يروه - «موسى وإيليا يتكلمان معه (مع يسوع)» إنه كان شيئاً حقيقياً واقعياً بغض النظر عن جميع المشاهدين وما أبسط وصفه «رجلان يتكلمان معه، وهما موسى وإيليا» - واحد منهما رُفع بمجد إلى السماء منذ قرون مضت، والآخر «انطلق» منذ عهد أطول ودفن جسده ومع ذلك لا زال «رجلاً» يرى ويشاهد ويتكلم، فلا هو تلاشى ولا هو نائم، بل في ملء نشاط التفكير والتمتع. ولا هو مُقام من الأموات أيضاً كما يحلو للبعض أن يتصوروا لأن يسوع نفسه هو «الباكورة» كما هو «البكر من الأموات». والمسألة هنا لم تكن مجرد إعادة البعض إلى الحياة الأرضية التي تركوها منذ ساعات أو أيام، مثل لعازر وغيره الذين أقامهم الرب، بل مسألة رجل يتمتع ببركة جو آخر - جو ما كان ممكناً أن يتمتع به ما لم يكن قد أُقيم (حسب رأي أصحاب نظرية نوم النفس أو عدم وعيها) قيامة روحية وفي عدم فساد. ولكن هذه القيامة بدايتها وباكورتها وبكرها هو الرب نفسه كما يؤكد الكتاب. فموسى إذن لم يكن ممكناً أن يكون هذه الباكورة أو هذا البكر. ويتضح من هذا أنه كان في حالة الانفصال عن الجسد وقتذاك، ومع ذلك كان شريكاً لواحد لم يمر بالموت إطلاقاً ومع أنهما لم يكونا على صورة جسد مجد المسيح إلا أنهما ظهرا «بمجد»، وللناس أن يفسروا ذلك ما شاء لهم التفسير، وليس ذلك فقط بل دخلا في السحابة أو «المجد الأسنى» (كما يسميها بطرس بعد ذلك) - سحابة الحضور الإلهي.
فهل يمكن أن يكون هناك ما هو أوضح من ذلك لتبيان حالة الإنسان بعد الموت أو الانطلاق؟ إني شخصياً أعترف بأني لا أفهم كيف يمكن أن يكون الأمر غير ذلك وها هو مسموح لنا هنا أن نتفرس في شخص قد رحل أو انطلق بالموت، أو كيف نتحقق بغير ذلك أن راحلين كإبراهيم أو اسحق أو يعقوب يكونون لا زالوا "أحياء عنده" - عند ذاك الذي كما يخبرنا الرب «ليس إله أموات بل إله أحياء». من هذا نرى كيف أنهم عند الله أحياء أولئك الذين هم عند الناس أموات. وهكذا نتعلم كيف نميز لغة الحس ولغة الإيمان، نتعلم كيف يوجد حقاً انطلاق ووجود مع المسيح، وأن هذا الانطلاق بالمقارنة مع الحياة الأرضية هو أفضل جداً. إن أية حجة يسوقها أصحاب نظرية الفناء ضد هذا الفصل الكتابي لا يمكن أن تقف على قدميها لحظة واحدة بل تنهار من أساسها على الفور. والواقع أن جميع حججهم قد استُعرضت ونُقضت لأن كل ما في جعبتهم هو أحد شيئين: إما أن موسى قد أُقيمَ من الأموات وهذا ينقضه الوحي في أماكن أخرى (كو 18:1؛ 1كو 23:15؛ رؤ 5:1)، أو أن الأمر فقط كان مجرد "رؤية" أو ظهور، الأمر الذي ينقضه الفصل نفسه. وعلى ذلك فإني أستطيع هنا أن أترك مسألة الوعي أو الشعور بعد الموت (ولو أنه توجد نصوص أخرى تؤيدها كل التأييد) - أقول أتركها هنا وأنا مقتنع تمام الاقتناع بأن الروح القدس قد أعطانا في الكتاب المقدس الجواب الشافي الكامل بشأنها.
جون وسيم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-27-2012, 02:00 AM   #12
جون وسيم
خادم للجميع
 
الصورة الرمزية جون وسيم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2011
الدولة: مع المسيح
العمر: 37
المشاركات: 8,056
معدل تقييم المستوى: 14
جون وسيم عضو جديد
افتراضي رد: سلسلة : الإنسان والحالة الأبدية

مشاركة
12
الوعـي أو الشعور بعد الموت
(ب)
في المقال السابق أن الرب يؤيد تعليم الفريسيين فيما يتعلق بالوجود الواعي في حالة السعادة أو التعاسة بعد الموت. والآن ننتقل إلى فصل في الكتاب يبين إلى أي مدى كان تلاميذ الرب متشبعين بالتعليم الكتابي فيما يتعلق بهذه النقطة، ذلك لأننا نقرأ أنه بعد قيامته عندما كان التلاميذ مجتمعين معاً «وقف يسوع نفسه في وسطهم، وقال لهم: سلامٌ لكم! فجزعوا وخافوا، وظنوا أنهم نظروا روحاً. فقال لهم: ما بالكم مضطربين، ولماذا تخطر أفكار في قلوبكم؟ انظروا يدي ورجليّ: إني أنا هو! جسوني وانظروا، فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي» (لو 36:24 - 39).
واضح هنا أن التلاميذ عرفوا صورة الرب. والواقع أنه ما من مرة من مرات ظهوره لهم نجد شيئاً خيالياً أو شبحياً يجعلهم يظنون أنهم كانوا يرون روحاً. فمريم المجدلية ظنته البستاني. وتلميذا عمواس، قبل اجتماعهما بالتلاميذ بساعات قليلة، ظناه شخصاً عادياً، وعندما اجتمعا بالتلاميذ والذين معهم وجداهم «يقولون إن الرب قام بالحقيقة وظهر لسمعان». وبينما كانا يخبران بما حدث في الطريق «وقف يسوع نفسه في الوسط». إن هذا الظهور المفاجئ والأبواب مُغلّقة هو الذي أذهلهم. إنهم لم يشكوا في مَن هو، ولم يكن جسهم إياه ليعطيهم هذه المعرفة. إنهم كانوا يدركون ويعرفون أنه الرب، والرب لم يكن بحاجة لأن يخبرهم عن اسمه فهو لا يقول "إني أنا يسوع" بل «إني أنا هو» مستخدماً اللغة العادية التي أشرت إليها، لغة الحس، التي تقرن الإنسان بجسده وليس بروحه «جسوني وانظروا، فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي». ومن هذا يتضح أن المشكلة لم تكن هل هو يسوع أم شخص آخر؟ بل هل هو يسوع في الجسد أم روح فقط؟ وقد أجاب الرب على هذا السؤال.
فلم تكن المسألة عندهم إذن مسألة خيال أو حقيقة بل مسألة وجود جسدي أو روحي. هذا هو كل ما كان يشغل بالهم. فالتلاميذ الذين رأوه إنساناً حياً بينهم لم يكن ليكفيهم أن يروا روحه الراحلة، لأن المسألة عندهم لم تكن مسألة حقيقة فلسفية تتعلق بما وراء القبر وترتبط بالعقل الباحث، بل كانت مسألة حب قلبي ربطهم بشخصه العزيز المبارك. وما كان من شيء يطمئن قلوبهم ويعزي خواطرهم سوى تحققهم من أنه هو نفسه. وهذا ما يؤكده الرب لهم. وعندما رأوه وقد ظهر لهم هذا الظهور المعجزي لم يصدقوا أنه كان يمكن أن يكون إنساناً حياً جاء وسطهم بهذه الكيفية العجيبة فظنوا أنهم رأوا روحاً - الأمر الذي يصححه، له المجد - بأمره إياهم أن يتحققوا أن له لحماً وعظاماً. وهذا وحده ما كانت تستطيع قلوبهم أن تسميه «أنه هو» نفسه.
ولكنه واضح هنا أيضاً أن تلاميذ الرب كانوا من حيث هذه النقطة فريسيين، والرب بدلاً من مراجعة أفكارهم باعتبارها خيالات خرافية، يوجه أنظارهم إلى عدم جسمانية «الروح» وإلى لحمه وعظامه.
ونحن نستطيع أن نعرف مدى شيوع استخدام كلمة «روح» من العبارة الموحى بها عن معتقدات اليهود في أعمال 8:23 «لأن الصدوقيين يقولون إنه ليس قيامة ولا ملاك ولا روح، وأما الفريسيين فيقرون بكل ذلك» فهنا أيضاً نرى كلمة روح مستخدمة استخداماً عادياً للتعبير عن أرواح البشر بالانفصال عن الجسد. أما الملائكة فطبقة أخرى من الأرواح. وهذا ما تؤيده القرينة. لأن بولس وهو يُحَاكَم بشأن أقواله عن قيامة يسوع أعلن أنه فريسي مؤمن بالقيامة. وهنا انقسم المجمع «فحدث صياح عظيم، ونهض كتبة قسم الفريسيين وطفقوا يخاصمون قائلين: لسنا نجد شيئاً ردياً في هذا الإنسان! وإن كان روح أو ملاك قد كلمه فلا نحاربنَّ الله» (ع 9). يتضح من هذين الفصلين أن الملائكة تعتبر طبقة من الكائنات منفصلة عن الأرواح المُتكلَم عنها - «إن كان روح أو مـلاك». وبولس يربط نفسـه مع الفريسيين في هـذه العقيدة - قيامة الأموات - ويعود فيذكرها مرة ثانية مبيناً النقاط التي تتفق فيها مع عقيدة المسيحيين. «لأن الصدوقيين يقولون إنه ليس قيامة ولا ملاك ولا روح، وأما الفريسيين فيقرون بكل ذلك». وتدل لغة الكاتب الملهم هنا على موافقته على هذا التعليم حيث يقول «وأما الفريسيون فيقرون بكل ذلك» والمعنى المفهوم من كلمة «يقرون» هو أنهم يعترفون بحقيقته، أي أن الإيمان الفريسي والإيمان المسيحي يتفقان في هذه الأمور.
وفي ضوء هذه الحقائق الإيمانية تصبح بعض الفصول الكتابية واضحة جلية مثل كلمات الرب للص المائت «اليوم تكون معي في الفردوس» أو طلبة استفانوس وسط الحجارة المنهالة عليه من أعدائه «أيها الرب يسوع اقبل روحي» أو «ترجع الروح إلى الله الذي أعطاها» أو الفصل الذي يتكلم عن «أرواح أبرار مكملين» بالقيامة في عبرانيين 40:11. وستأتي أمامنا كلمات الرب للص في مناسبة أخرى أما الآن فلنتحول إلى بعض فصول أخرى.
في فيلبي 21:1- 24 نجد عبارة تحتل بطبيعة الحال مكاناً هاماً في المجادلة حول هذا الموضوع وهي قول الرسول «لأن لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح. ولكن إن كانت الحياة في الجسد هي لي ثمر عملي، فماذا أختار؟ لست أدري! فإني محصور بين الاثنين: لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح، ذاك أفضل جداً. ولكن أن أبقى في الجسد ألزم من أجلكم». هذا الفصل واضح وبسيط يكاد لا يحتاج إلى إيضاح أو تفسير ولكن نظراً لأهميته في وضع الأمور في نصابها ورغبة في إجلاء معناه إلى أقصى حد بحيث لا نترك مجالاً لأي نقص أو اعتراض فإننا نقسمه إلى أقسامه ونتأمل في كل قسم على حدة:
(1) الشيء الأول هو أن غرض الحياة عند الرسول كان المسيح. والموت كان ربحاً. هذا هو المعنى الوحيد الواضح. فلا شك أن عبارة «لأن لي» الواردة في بداية الجملة تسري على كل من العبارتين التاليتين. فيمكننا أن نقرأها هكذا: "لأن لي الحياة هي المسيح (لأن لي) الموت هو ربح". فهو لا يقول كما يود البعض أن يقرأوا الجملة "لأن لي الحياة هي ربح لقضية المسيح" بل: «لأن لي الحياة هي المسيح» أي أن المسيح هو غرض حياتي. وعندما يأتي للكلام عن الربح لا يقول "لقضية المسيح" بل: «لأن لي الموت هو ربح». ثم يستمر قائلاً:
(2) «فماذا أختار؟ لست أدري!». أليس واضحاً أنه رغماً عن كون الموت ربحاً له فإنه كان محصوراً بين اختيار الموت أو الحياة، وذلك لأن الأمر كان يتعلق باختيار ما فيه صالحه الشخصي أو ما فيه صالح القديسين كما يخبرنا بعد ذلك. ففي كلامه التالي لا يمكن لأي ذهن مخلص إلا أن يرى أن الرسول إنما كان يعلن سبب حيرته بين هذين الشيئين (الموت أو الحياة) عندما يقول «لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح، ذاك أفضل جداً. ولكن - هنا الحيرة - أن أبقى في الجسد ألزم من أجلكم». فمع أن الموت كان ربحاً له، وهو كان يعرف ذلك يقيناً، إلا أن الانحصار كان بين ربحه الخاص وربح الآخرين. فالانطلاق ليكون مع المسيح لم يكن شيئاً ثالثاً على الإطلاق. لقد كان محصوراً بين اثنين لا ثالث لهما: الموت والحياة - الأول: ربح له، والثاني: ربح للقديسين. وهو يحدد هنا بدقيق العبارة أن الانطلاق والوجود مع المسيح معناه الموت كما أن البقاء في الجسد معناه الحياة أو العيشة على الأرض.
(3) ولكن هنا بالذات يثير المعترضون كل ما يستطيعون من ضوضاء ويستخدمون كل ما عندهم من علم واسع باللغة اليونانية محاولين إقناعنا بأن كلمة analusan ليس معناها «ينطلـق» to depart بل يرجع to return وإن العبارة في عرفهم يجب أن تُقرأ: "لي اشتهاء لرجوع المسيح والكينونة معه" ولكن لسوء الحظ هذه النظرية أن الرسول بولس يستعمل نفس الكلمة اليونانية في مكان آخر (2تي 6:4) مشيراً بما لا يترك مجالاً لأي شك إلى موته حيث يقول «فإني أنا الآن أُسكَب سكيباً، ووقت انحلالي my departure قد حضر. قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي ..» فإذا كانت الكلمة هنا معناها بصريح العبارة الانحلال أو الموت فلماذا لا يكون معناها هكذا هناك حيث القرينة تحدد معناها بالموت. إن البعض من أصحاب نظرية الفناء على استعداد للتسليم بأن قول الرسول «أن أنطلق» معناه الموت ولكنهم يصرون على أن النصف الثاني من الجملة «وأكون مع المسيح» لا بد أن يكون معناه الحالة المجيدة عند القيامة، واضعين بين الحادثتين (الموت والقيامة)، حالة يسمونها اللاشيئية أو حالة اللاوجود أو نوم النفس. وهذا يجعل الانطلاق إلى دائرة النسيان أو عدم الوعي «أفضل جداً» من الشركة الحاضرة مع المسيح والفرح في الله وتمجيد المسيح بخدمة كخدمة الرسول! ويا له من لغز عجيب!
وهنا نشير مرة أخرى مجرد إشارة إلى 2كورنثوس 5 ، فإن العبارات الواردة بهذا الفصل «مستوطنون في الجسد» - «متغربون عن الرب» - «نتغرب عن الجسد ونستوطن عند الرب» تتحدث بنفس اللغة الواضحة التي كنا نتأمل فيها الآن. ثم ننتقل إلى نص واحد كتابي آخر في هذا الموضوع وهو نص يصور لنا في واقعية كاملة ذات الشيء الذي هو موضوع بحثنا - ليس في مَثَل بل في حقيقة تاريخية - رجل متغرب عن الجسد - روح واعية بأمور لا يُنطق بها - شعاع عابر يضيء من دائرة غير المنظور - موسى على جبل التجلي مع الرب.
لم يكن الأمر حلماً فإن العيون المغلقة بالنوم لم تره بل بالعكس إذ استيقظت رأته: «وأما بطرس واللذان معه فكانوا قد تثقلوا بالنوم. فلما استيقظوا رأوا مجده، والرجلين الواقفين معه» (لو 32:9). ذلك يدل أيضاً على أن الأمر لم يكن مجرد رؤية تجلّت لهم عند اليقظة بل إن المشهد كان هناك قبل أن يروه - «موسى وإيليا يتكلمان معه (مع يسوع)» إنه كان شيئاً حقيقياً واقعياً بغض النظر عن جميع المشاهدين وما أبسط وصفه «رجلان يتكلمان معه، وهما موسى وإيليا» - واحد منهما رُفع بمجد إلى السماء منذ قرون مضت، والآخر «انطلق» منذ عهد أطول ودفن جسده ومع ذلك لا زال «رجلاً» يرى ويشاهد ويتكلم، فلا هو تلاشى ولا هو نائم، بل في ملء نشاط التفكير والتمتع. ولا هو مُقام من الأموات أيضاً كما يحلو للبعض أن يتصوروا لأن يسوع نفسه هو «الباكورة» كما هو «البكر من الأموات». والمسألة هنا لم تكن مجرد إعادة البعض إلى الحياة الأرضية التي تركوها منذ ساعات أو أيام، مثل لعازر وغيره الذين أقامهم الرب، بل مسألة رجل يتمتع ببركة جو آخر - جو ما كان ممكناً أن يتمتع به ما لم يكن قد أُقيم (حسب رأي أصحاب نظرية نوم النفس أو عدم وعيها) قيامة روحية وفي عدم فساد. ولكن هذه القيامة بدايتها وباكورتها وبكرها هو الرب نفسه كما يؤكد الكتاب. فموسى إذن لم يكن ممكناً أن يكون هذه الباكورة أو هذا البكر. ويتضح من هذا أنه كان في حالة الانفصال عن الجسد وقتذاك، ومع ذلك كان شريكاً لواحد لم يمر بالموت إطلاقاً ومع أنهما لم يكونا على صورة جسد مجد المسيح إلا أنهما ظهرا «بمجد»، وللناس أن يفسروا ذلك ما شاء لهم التفسير، وليس ذلك فقط بل دخلا في السحابة أو «المجد الأسنى» (كما يسميها بطرس بعد ذلك) - سحابة الحضور الإلهي.
فهل يمكن أن يكون هناك ما هو أوضح من ذلك لتبيان حالة الإنسان بعد الموت أو الانطلاق؟ إني شخصياً أعترف بأني لا أفهم كيف يمكن أن يكون الأمر غير ذلك وها هو مسموح لنا هنا أن نتفرس في شخص قد رحل أو انطلق بالموت، أو كيف نتحقق بغير ذلك أن راحلين كإبراهيم أو اسحق أو يعقوب يكونون لا زالوا "أحياء عنده" - عند ذاك الذي كما يخبرنا الرب «ليس إله أموات بل إله أحياء». من هذا نرى كيف أنهم عند الله أحياء أولئك الذين هم عند الناس أموات. وهكذا نتعلم كيف نميز لغة الحس ولغة الإيمان، نتعلم كيف يوجد حقاً انطلاق ووجود مع المسيح، وأن هذا الانطلاق بالمقارنة مع الحياة الأرضية هو أفضل جداً. إن أية حجة يسوقها أصحاب نظرية الفناء ضد هذا الفصل الكتابي لا يمكن أن تقف على قدميها لحظة واحدة بل تنهار من أساسها على الفور. والواقع أن جميع حججهم قد استُعرضت ونُقضت لأن كل ما في جعبتهم هو أحد شيئين: إما أن موسى قد أُقيمَ من الأموات وهذا ينقضه الوحي في أماكن أخرى (كو 18:1؛ 1كو 23:15؛ رؤ 5:1)، أو أن الأمر فقط كان مجرد "رؤية" أو ظهور، الأمر الذي ينقضه الفصل نفسه. وعلى ذلك فإني أستطيع هنا أن أترك مسألة الوعي أو الشعور بعد الموت (ولو أنه توجد نصوص أخرى تؤيدها كل التأييد) - أقول أتركها هنا وأنا مقتنع تمام الاقتناع بأن الروح القدس قد أعطانا في الكتاب المقدس الجواب الشافي الكامل بشأنها.
جون وسيم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-27-2012, 02:06 AM   #13
جون وسيم
خادم للجميع
 
الصورة الرمزية جون وسيم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2011
الدولة: مع المسيح
العمر: 37
المشاركات: 8,056
معدل تقييم المستوى: 14
جون وسيم عضو جديد
افتراضي رد: سلسلة : الإنسان والحالة الأبدية

مشاركة
13
اعتراضات من العهد القديم
نتقدم للتأمل في الاعتراضات التي يثيرها المعترضون ضد الآراء التي سبق ابداؤها وهي اعتراضات مؤسسة على ما يزعمونه تعليماً واضحاً مستمداً من فصول كثيرة في الكتاب. وهنا ملاحظة يجدر بنا توجيه الالتفات إليها في مستهل هذا التأمل وهي أن هذه الاعتراضات جميعها، ما عدا استثناءات قليلة وبسيطة، موجودة كلها في العهد القديم، وبصفة خاصة في ثلاثة أسفار متجاورة (وفي الحقيقة متحدة في نواح كثيرة) وهي أسفار أيوب والمزامير والجامعة.
ومع ذلك فهناك قصة تتحدث بها هذه الاقتباسات التي يسوقها المعترضون من العهد القديم وهي قصة نجد مغزاها في 2تيموثاوس 10:1 حيث يخبرنا الرسول أن المسيح «أبطل الموت وأنار (لنا) الحياة والخلود بواسطة الإنجيل». وهذا معناه أن المعترضين على الحقائق التي أوردناها من الكتاب يتلمسون النور لأنفسهم من بين ظلال تدبير فيه كانت الظلمة نسبياً لا زالت تخيم على هذا الموضوع بالذات - موضوع الموت ومصير الإنسان بعد القبر. فهم ينظرون إلى الموت كما كان قبل أن يبطله المسيح للمؤمن. وهم ينظرون إلى الحياة والخلود قبل أن ينيرهما المسيح بواسطة الإنجيل، فلا عجب إن كانوا يتعثرون في الظلمة التي اختاروها لأنفسهم.
ولكن إبطال الموت مقترن بلا شك بإنارة الحياة والخلود بواسطة الإنجيل. ومن الواضح أن تكون أقوال العهد القديم متمشية مع هذا الحق على نوع ما. فإذا كانت «الحياة» قد أنيرت فعلاً بواسطة الإنجيل وليس بغيره - فكيف كان يمكن أن يكون الموت معروفاً معرفة كاملة في العهد القديم؟ خذ بولس وأيوب مثلاً، كما أشرت سابقاً، وقارن بين أقوالهما فيما يتعلق بالموت. أليس هناك فرق؟ ألم يشرق نور لبولس أضاء له جوانب القضية كلها بينما كان أيوب يتلمس طريقه وسط دياجير من الظلمة محاولاً فك طلاسمها وفتح مغاليقها؟ نعم كان هناك فرق واضح.
فصل آخر يزيدنا إيضاحاً بشأن ذلك التدبير القديم نجده في عبرانيين 8:9 حيث يخبرنا الوحي الإلهي أن الحجاب كان فيه قائماً «معلناً الروح القدس بهذا أن طريق الأقداس لم يظهر بعد، ما دام المسكن الأول له إقامة». ذلك هو عنوان العهد القديم وطابعه. أما أن إبراهيم وقديسين آخرين ذهبوا إلى السماء بعد الموت فهذا لا يتضمن أن الطريق إلى هناك كان معلناً في العهد القديم - أعني أنه لم يكن معلناً للناس قبل أن يموتوا. كذلك كلمات الرب في يوحنا 13:3 «وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء» لا تتضمن إطلاقاً أن أخنوخ وإيليا لم "يصعدا إلى السماء" فقد صعدا فعلاً، وإنما الرب يتكلم كما تدل القرينة بكل وضوح عن شهود حاليين للأمور السماوية أو «السماويات». فلم يكن الموضوع أخنوخ وإيليا اللذين لم يكونا هناك (على الأرض) ليشهدا بما قد يعرفانه، ولا حالة الأموات الراحلين الذين لا دخل لهم بموضوع الحديث إطلاقاً وإنما غاية الكلام هي عدم وجود أي شاهد آخر سماوي يمكن الاتصال به سوى شخصه الكريم المبارك، ابن الإنسان، الذي هو «في السماء» حالة كونه على الأرض. «إن قلت لكم الأرضيات ولستم تؤمنون، فكيف تؤمنون إن قلت لكم السماويات؟ وليس أحد (بداهة ليس أحد هنا ليعطي شهادة) صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء». فكل من يجعل هذه الأقوال تتعارض مع حقيقة صعود أخنوخ وإيليا إلى السماء فإنما يحاول تحميل الكلمات أكثر مما تحتمل، وكذلك من يحاول أن يستنبط منها شيئاً عن حالة الأبرار الراحلين.
فالفصل الذي أشرنا إليه في رسالة العبرانيين لا يعنى إطلاقاً أن مؤمني العهد القديم لم يذهبوا إلى السماء بعد الموت وإنما يعني أنه لم يكن هناك إعلان بعد ذهابهم إلى السماء ولم يكن هناك وعد بذلك للناس الأحياء. إن الفصل يعني بكل بساطة أن تدبير العهد القديم كان يتناول المواعيد الأرضية وليس المواعيد السماوية. فإذا كان إيمان شخص مثل أيوب قد حمله إلى يوم آت بعيد فيه سيرى بعينيه وليّه (فاديه) الذي كان يعلم أنه حي فذلك لأن أيوب كان يتطلع إلى قيامته أو وقوفه له المجد على الأرض في اليوم الأخير كما يقول «أما أنا فقد علمت أن وليِّي حي، والآخر على الأرض يقوم، وبعد أن يُفنى جلدي هذا، وبدون جسدي أرى الله» (أي 25:19). فإذا كانت الهاوية، أرض الظلام، تتوسط بين الحالتين، فهي يقيناً في عرفه ليست السماء.
ذلك إذن كان رجاء العهد القديم (مثل رجاء أيوب) فقد كان النور ضئيلاً خارجاً عن المشهد الحاضر «ظل» الموت المظلم يكاد لا يمكن اختراقه. أما القيامة والعودة إلى مشهد من البركة الأرضية فكان هو الشيء الأكيد الواضح. كانت هناك ولا شك إشارات متفرقة إلى أشياء أخرى. فأخنوخ مثلاً ذهب قديماً إلى الله ولم الموت. وإيليا في يوم تال مضى إلى السماء حياً - أشعة قليلة من النور لمعت هنا وهناك. ولكن ذلك لم يكن إعلان السماويات ولا إعلان ما للمؤمنين من نصيب هناك. ولا إبطال الموت وإنارة الحياة والخلود.
ومع ذلك فلم يكن رجال العهد القديم فنائيين كما يدل على ذلك تعليم الفريسيين الذي كان الشعب يتبعه. لقد عرفوا شيئاً، ومع كل ما كان يحيط بهم من ظلمة كانوا أحكم من أولئك الذين تحولوا الآن من النور الذي سطع إلى الظلمة القديمة.
بل إن بدعة استحضار الأرواح نفسها تشهد بهذا. إنها بدعة وثنية لا شك ولكن ممارستها تعتبر شهادة للعقيدة التي تستمد كيانها منها، وإن إصعاد صموئيل في العهد القديم (1صم 28) لدليل قاطع على تلك العقيدة التي لا تنفع في زعزعتها مماحكات المستهترين.
صحيح أن روح قديس راحل لم تكن ولا يمكن أن تكون تحت رحمة امرأة عرّافة أو ساحرة تستحضرها متى شاءت. ولكن الذي حصل فعلاً كما يُفهم واضحاً من القصة أن المرأة لم تستحضر روح صموئيل بل أنه هو الذي حضر على غير انتظار منها بدليل أنها ارتاعت وصرخت بصوت عظيم عندما رأته. إن لغة القصة جلية واضحة لكل من يؤمن بوحي كتاب الله الكامل وهي أن المرأة رأت صموئيل وأن صموئيل تكلم إلى شاول. كذلك ليس هناك صعوبة في أن شاول نفسه لم يرَ روح صموئيل بقدر ما لا توجد صعوبة في أن خادم أليشع لم يرَ الخيل والمركبات التي كانت حول دوثان (2مل 17:6). أما قول صموئيل «وغداً أنت وبنوك تكونون معي» فلا يعني إلا الوجود في حالة الموت أو في الهاوية (حالة انفصال الجسد عن الروح) وما أطلت الكلام في هذه النقطة إلا لأبين أن الأمر لم يكن كله ظلاماً - حتى في العهد القديم - فيما يتعلق بالخلود.
والآن نتجه إلى أسفار أيوب والمزامير والجامعة التي منها يستمد الفنائيون معظم نصوصهم لتدعيم تعليمهم.
إن هذه الأسفار الثلاثة تنتمي إلى قسم من العهد القديم له طابعه المتميز جداً عن باقي أقسامه الأخرى. فبينما الأسفار التاريخية هي في جملتها لغة المؤرخ الإلهي، وبينما أسفار الأنبياء تعطينا أقوال الرب نفسه موجهة إلى الشعب عن طريق النبي، فإننا في ذلك القسم من الكتاب الذي يحتوي على: أيوب والمزامير والأمثال والجامعة ونشيد الأنشاد، نسمع أكثر ما نسمع صوت الإنسان. ولست أقصد بهذا بطبيعة الحال أن هذه الأسفار أقل وحياً من الأسفار الأخرى ذرة واحدة. حاشا وكلا. إنني لا أشك إطلاقاً أنها جميعاً بتوجيه الروح القدس نفسه حتى أننا لا نجد فيها إلا كل ما هو مفيد ولازم. ومع ذلك، فإننا إذا وجدنا - كما نجد فعلاً في سفر أيوب - الشيطان نفسه متكلماً، فإننا لا نستخدم أقواله باعتبارها معبرة عن الحق الإلهي وإنما هي مُسجَّلة لنا بكل عناية لغرض إلهي. ولكننا عندما نسمعه يقول «ابسط يدك الآن ومس كل ما له، فإنه في وجهك يجدّف عليك» (أي 11:1) فإننا لا نأخذ أقواله هذه كما لو كانت «هكذا قال الرب». إنها أقوال الشيطان ولو أنها مدونة في الكتاب. وكذلك عندما يقول الرب لأصحاب أيوب «إنكم لم تقولوا فيّ الصواب كعبدي أيوب» فواضح أننا لا نستطيع أن نعتبر كل أقوالهم معبرة عن الحق الإلهي. بل عندما نأتي إلى أقوال أيوب نفسه، رغم الاستحسان السابق ذكره، نجد أنه هو أيضاً في أقواله حسب نفسه «أبر من الله» (2:32) حتى أننا لا نستطيع أن نستشهد بأقواله بدون تحفظ.
ولقد لاحظت فيما سبق شيئاً مماثلاً لهذا فيما يتعلق بسفر الجامعة، ذلك السفر الذي يعطينا اختبارات شخص لم يترك حجراً على حجر في العالم إلا وقلبه سعياً وراء السعادة بغير طائل، كما يعطينا الأشياء التي «قالها في قلبه» وهو يقوم بهذا البحث الباطل المتعب. ونحن نعلم ماذا كان تاريخ سليمان رغم حكمته وماذا كان حكمه الختامي هو نفسه تحت إرشاد روح الله على مساعيه كلها عندما أصبح أخيراً «الجامعة» (أو الواعظ) الكارز والمُنادِي ببُطل الحياة التي عرفها واختبرها أكثر من سواه. فهل يصدق مع ذلك أن «أقواله» المعبرة عن خواطره والتي خطها هو بنفسه في كلمة الله لتعليمنا على حساب اختباره، قد اتخذها الفنائيون باعتبارها أقوال الحق الإلهي لكي يقرروا على أساسها أن الناس «بهائم» وأن الإنسان لا فرق بينه وبين البهيم؟!
أما سفر المزامير فله في الواقع طابع آخر. طابع في جملته نبوي، ومن ناحية معينة نبوي إلى أقصى حد، ولكن نبواته لها خاصية تنفرد بها بين النبوات وتجعله يشبه الأسفار التي نحن بصددها وهي أنها تعبيرات عن أفكار وعواطف بشرية تصبح تحت إرشاد وتوجيه الروح القدس ظلالاً سابقة ليوم آخر ومشهد آخر. فمن قبيل ذلك يجلس داود متأملاً في آلامه الشخصية إلى أن تجد أفكاره متنفساً لها في كلمات لها معنى أعمق، بتوجيه الوحي، مما يستنفده أي تطبيق على داود - أقوال نبوية لمتألم آخر أعظم من داود. ولكن ذلك يختلف عن الإعلان المباشر. إنه يترك المتكلم ينطق بأشياء كما يراها من وجهة نظره هو حتى وهو يعطيها هذا المعنى الأعمق الأبعد.
نجد الإنسان في هذه الأسفار يعبر عن مشكلات عويصة تتعلق بالعالم وبنفسه - متفكراً فيها بكيفية قد تضله الطريق - مشكلات لا توجد الإجابة الكاملة عليها إلا في حضرة الله. وهكذا يُسمح لصوت الإنسان أن يعبر عن نفسه - عن مشاكله وشكوكه واعتراضاته وحججه - أمام واحد يهمه الأمر جداً ولكنه يتنازل ليأخذ مركز السامع المصغي ولا يصدر حكمه في القضية قبل استماع تفاصيلها ووجهة نظر الدفاع فيها. أليس مما يليق بالله أن يصنع هذا؟ في اعتقادي أن هذا من أعظم الأمور عمقاً وأجلها قيمة ومعنى.
وهذا ينطبق طبعاً على سفري أيوب والجامعة بصفة خاصة كما ينطبق على المزامير بدرجة أقل. وهنا يعترض المعترض بالقول إن اقتباس أيوب 13:5 مع سبق "إشارات" أخرى إلى هذا السفر في العهد الجديد يبرهن على أن سفر أيوب بجملته هو صوت الله. ولكن دعنا ننظر إلى هذه الإشارات الأخيرة، وهي على حسب فكرهم كالآتي:
أيوب
21:1
21:1
1:42 - 7
14:12
19:34
11:41
العهد الجديد
1تي 7:6
رؤ 7:3
رو 11:2
أف 9:6
كو 25:3
رو 35:11
النص
«لأننا لم ندخل العالم بشيء وواضح أننا لا نقدر أن نخرج منه بشيء (؟)
«الذي يفتح ولا أحد يغلق ويغلق ولا أحد يفتح» (؟
«الذي يفتح ولا أحد يغلق ويغلق ولا أحد يفتح» (؟)
«لأن ليس عند الله محاباة»
«سيدكم أنتم أيضا في السماوات وليس عنده محاباة»
«وأما الظالم فسينال ما ظلم به وليس محاباة»
«أو من سبق فأعطاه فيكافأ»
من هذه الإشارات نجد واحدة منها وهي يعقوب 11:5 تتكلم عن مجرد صبر أيوب وعاقبة الرب. أما 1 تيموثاوس 7:6 ، رؤيا 7:3 فمن المشكوك فيه جداً أنهما تشيران إلى سفر أيوب إطلاقاً. في حين أن رومية 35:11 تشير إلى جواب الله على أيوب وليس من أحد يشك بطبيعة الحال في أنها صوت الله، بينما الفصول الثلاثة في رومية 11:2؛ أفسس 9:6؛ كولوسي 25:3 قد تشير إلى ما يقوله أليهو عن عدم محاباة الله للوجوه، ولكنها مجرد تعبير عن حق بسيط عام يكاد لا يسمح باعتبارها إشارات إلى أيوب على الإطلاق. يضاف إلى هذا أن أليهو ليس واحداً من الأصحاب الثلاثة الذين يدمغ الرب أقوالهم بالبُطل ولكنه شخص يستخدمه الرب للجواب على أيوب بعد أن صمتوا جميعاًُ (الأصحاب وأيوب) عن الكلام.
بقي إذن أن في العهد الجديد كله إشارة واحدة وهي ليست مؤكدة إلى أقوال أيوب نفسه (1تي 7:6) إلى جانب ذلك الاقتباس الواحد من أقوال أليفاز في 1كورنثوس 19:3 «الآخذ الحكماء بمكرهم ..». والذي رأيناه أن كلمات الله نفسه تفرِّق تفريقاً واضحاً بين أيوب وأصحابه الثلاثة فتخبرنا أن أيوب قد قال عنه الصواب، أما هم فلم يقولوا ذلك، كما تخبرنا أنهم جميعاً بما فيهم أيوب قد أخطأوا في تفسير معاملات الله. ولذلك يصبح أليهو أولاً المتكلم بالنيابة عن الله وبعد ذلك يتكلـم الله نفسـه. ولكـن أيوب قد تكلم الصواب عن الله. أمـا أصحابـه فلم يفعلوا ذلك.
ومع هذا فإن أليفاز استطاع أن يقول أشياء كثيرة صائبة، ولا شك أنه تعلم ذلك الصواب من الله وكان ينطق به كمن تلقاه منه تعالى. والروح القدس يعطينا أحد هذه الأقوال على فم بولس. ولكن هـذا لا يعتبر شهـادة للأقـوال الأخـرى التي نطـق بها أليفاز نفسـه ولم تكن صوابـاً.
أما سفر الجامعة فلا شيء فيه مطلقاً يمكن تأويله للتدليل على أنه صوت الله. هذا كما قلنا ليس معناه أن السفر ليس موحى به. إن كل كلمة فيه من وحي الله ولا شك، ولكن هذا ليس موضوع الكلام كما سبق وأوضحنا.
وكذلك سفر المزامير. إنه سفر إلهي بكل يقين. لكن بينما المزامير موحى بها وحياً كاملاً إلا أنها، كالأسفار التي أشرنا إليها، فيها تعبير عن وجهة نظر إنسان في الأرض، أفقه أرضي، وبالتالي أفكاره أرضية. ومع التسليم الكلي بوجود الجوهر الإلهي في العنصر الإنساني في كل مكان في المزامير، إلا أن كل أنشودة فيه هي أنشودة إنسان وكل حزن هو حزن إنسان، مع بعض استثناءات من أقوال الله المباشرة.
وكذلك سفر الأمثال. إنه يتناول أموراً بشرية بكل وضوح رغم ما له من سلطان إلهي كامل لا شك فيه.
*
وإذا اتجهنا إلى أيوب نجد التعبيرات التي يعبر بها عن مشاعره التالية: أنه لو مات من الرحم لكان حينئذاك مضطجعاً ساكناً، نائماً مستريحاً، كسقط مطمور، هناك حيث يكف المنافقون عن الشغب، وحيث يستريح المتعبون (13:3 - 17). كان يصبح وكأنه لم يكن، في أرض الظلام وظل الموت.
والآن، كما قلت، لست أعتزم أن أبرهن على انسجام جميع أقوال أيوب مع إعلانات الكتاب فيما يتعلق بالحالة المتوسطة بين الموت والقيامة. فهي معطاة لنا باعتبارها أقوال أيوب، لا شيء أكثر من ذلك. وباعتبارها أقوال قديس من قديسي تلك الأيام الخوالي فإنها تدل على مدى الغموض وعدم اليقين الذي كان سائداً وقتئذ. وبمقارنتها مع أقوال بولس نجدها ترينا أن الموت لم يكن قد أُبطل بعد وأن "الظلام" لم يكن قد بدده النور بعد. ومع ذلك فإنها أقوال لا يمكن أن تسعف الفنائيين ولا يمكن أن تخدم نظريتهم الباطلة.
فالواقع أن أقوال أيوب غير متناقضة إطلاقاً مع ما رأيناه في أماكن أخرى من الحق المُعلن بشأن أرواح الراحلين. فلا شك أن لواحد في مثل تعبه وبليته كان العالم غير المنظور مكاناً "للراحة" ولكن هل "الراحة" فناء؟ وإذا كان العالم غير المنظور «أرض ظلام» أيضاً، فالظلام والفناء فكران متناقضان بكل يقين. هذه هي أقوال أيوب، ولم يبق على أصحاب نظرية الفناء إلا أن يسقطوها من حسابهم فإنها لا تغنيهم شيئاً.
*
والآن نوجه التفاتنا إلى سفر الجامعة. وهنا نجد أن كل ما يثيره الفنائيون قد سبقت الإجابة عليه ما عدا فصلاً واحداً. وهذا الفصل هو الوارد في أصحاح 5:9،6 «لأن الأحياء يعلمون أنهم سيموتون، أما الموتى فلا يعلمون شيئاً، وليس لهم أجر بعد لأن ذكرهم نُسِيَ. ومحبتهم وبغضتهم وحسدهم هلكت منذ زمان، ولا نصيب لهم بعد إلى الأبد، في كل ما عُمل تحت الشمس» ثم في عدد 10 «كل ما تجده يدك لتفعله فافعله بقوتك، لأنه ليس من عمل ولا اختراع ولا معرفة ولا حكمة في الهاوية التي أنت ذاهب إليها».
هذا مثل واضح للغاية على أسلوب الكلام الذي أشرنا إليه، أسلوب النظر إلى الأمور من زاوية بشرية محض، فإن وجهة نظر الكاتب في هذا المَثل واضحة إلى أقصى حد. وفي الواقع لم يكن بمقدوره وقت ترديده لهذه الأفكار أن تكون له أفكار غيرها. فهو فيما يتعلق بالأموات «لم يعلم شيئاً» فعلاً لأنه لم يكن يعلم إذا كانت روح الإنسان تصعد إلى فوق أم لا. ولذلك فلم يكن في مقدوره إلا النظر إلى الأمور من زاويته كإنسان في العالم، وإلا لما استطاع أن يقول «وليس لهم أجر بعد» لأن ذلك لو أخذناه على إطلاقه لكان معناه إنكار القيامة وحياة الدهر الآتي، ولكن الجامعة كان يتطلع إلى المشهد حوله - المشهد الذي خرج منه الناس دون أن يتركوا وراءهم أية علامة تدل على وجودهم - حيث أصبح ذكرهم نَسياً منسياً، وحيث محبتهم وبغضهم وحسدهم، الأمور التي جعلت منهم مرة مُمثلِين بارزين في المشهد، قد تلاشت كلها واندثرت. وفي علاقتهم بالمشهد الحاضر لا يعلمون شيئاً لأن حكمتهم ومعرفتهم قد رحلت أيضاً. هذا ليس معناه أنهم «فقدوا ذاكرتهم» أو أنهم صاروا أغبياء، ولكنهم لا يعلمون شيئاً عن الأمور الحادثة بعد رحيلهم ولا يمكن لحكمتهم أو معرفتهم أن تظهرا في العالم مرة ثانية والجملة الختامية في عدد 10 تبين بوضوح المعنى الذي ينصرف إليه الجزء الأول من النص «ولا نصيب بعد إلى الأبد في كل ما عمل تحت الشمس».
ولذلك كان الدرس والمغزى: اعمل وانشط الآن. فلا عمل في القبر أو الهاوية. والحكمة اللازمة لهذا المشهد الناشط لا وجود لها هناك. ذلك كله حق من ناحيته الخاصة، ولكنه جميعه وليد تأملات الإنسان وليس إعلاناً إلهياً عن حالة الأموات ولم يُعطَ لنا في الكتاب بهذه الصفة. ولو أنك سألت هذا الإنسان ماذا يعرف عما وراء القبر لأجابك، كما أجاب فعلاً، مَن يعلم؟ «مَن يعلم روح بني البشر هل هي تصعد إلى فوق؟». إنه كان يرى التراب ملقى في القبر، وكان ذلك كل ما يعلم أما ما عدا ذلك فتخمين، ولا شيء أكثر من التخمين.
ولكن ذلك كان جزءاً من أقوال الجامعة وتأملات قلبه وهو يبحث باطلاً «للسؤال والتفتيش بالحكمة عن كل ما عُمل تحت السماوات» (13:1) ولكن سرعان ما جاء الوقت الذي أدرك فيه عدم قدرته على تحقيق هذا الهدف، كما عبر عنه ذلك أخيراً باعترافه المتواضع، إذ قال: «كما أنك لست تعلم طريق الريح (أو الروح)، ولا كيف العظام في بطن الحُبلى، كذلك لا تعلم أعمال الله الذي يصنع الجميع» (5:11).
اعتراف بسيط ولكنه في غاية الأهمية، ذلك لأنه على الجانب المظلم من هذا الاعتراف تقوم جميع الفصول التي يستند عليها الفنائيون في حججهم الواهية. بينما على الجانب الآخر توجد جملة واحدة على الأقل مُحمَّلة بالمعاني ويجدر بنا إنصافاً لـ «جامعة» العهد القديم (أو واعظه) أن نتأملها بشيء من العناية أكثر مما فعلنا.
يقول الجامعة: «فيرجع التراب إلى الأرض كما كان، وترجع الروح إلى الله الذي أعطاها» (7:12). إن الناس كما رأينا يحاولون أن يفسروا «الروح» هنا بأنها مجرد "النَفَس" كما يقولون هكذا عن الروح التي استودعها الرب على الصليب في يديَّ الآب والتي استودعها استفانوس في يديَّ الرب نفسه. إن العقول البسيطة لا يمكنها أن ترى أي معنى في رجوع النَفَس إلى الله، بينما إذا كان المقصود هو الروح، كما هو المقصود حقاً، فإن هذه العبارة تصبح على أعظم جانب من الأهمية. إنها ترفع الستار عن حياة «البُطل» وتترجمها إلى معناها الحقيقي. وهي الجواب على تساؤل الأصحاح السابق المتشكك. فإذ قد وصل المتسائل إلى نهاية الحكمة البشرية في الموضوع يجد هنا «طريق الروح» معلناً. إنها «ترجع إلى الله الذي أعطاها» وهكذا يتحقق الانسجام الكامل مع تلك النتيجة «ختام الأمر كله» التي تدعونا عبارات السفر الأخير لكي «نسمعها» ألا وهي «اتق الله واحفظ وصاياه، لأن هذا هو الإنسان كله. لأن الله يحضر كل عمل إلى الدينونة، على كل خفيِّ، إن كان خيراً أو شراً» (جا 13:12،14).
فإذا كان ذلك هو ختام الأمر كله، فهل من المعقول أن تكون نهاية الأمر الذي استمد منه هذه الخاتمة الجليلة ليست إلا حفرة القبر المظلمة الصامتة؟ ألا يدل ذلك بالعكس على أن رجوع التراب إلى الأرض «كما كان» ما هو إلا وسيلة لرجوع الروح إلى حضرة الله الذي أعطاها؟ ليس كما كانت - لاحظ هذا جيداً - بل بالصفة التي اكتسبتها في خيمتها الأرضية أو مسكنها الأرضي.
ومع أن كل عمل لا يأتي إلى دينونة قبل القيامة إلا أننا عندما «نفنى» يحدث شيء من اثنين: إما أننا «نُقبل في المظال الأبدية» أو نذهب إلى «السجن» حيث تواجه النفس النُذر الدالة مقدماً على مصيرها الأبدي كالرجل الغني في الهاوية. أما الجامعة فلا كلام عنده عن القيامة. الموت هو طابع البُطل على كل شيء، وهو موضوع السفر، ولكن الشيء الذي يحار فيه كل الناس وتقف حكمتهم عنده مكتوفة اليدين يعلنه الإيمان على حقيقته وهو دعوة الروح للرجوع إلى حضرة خالقها، الأمر الذي بدونه تصبح صفراً لا قيمة له في حين أنها به تصبح قيمتها لا حد لها.
*
والآن نتأمل قليلاً في شهادة المزامير.
إن بعضاً من الفصول التي تتصل بموضوعنا أكتفي بمجرد اقتباسها. فمن هذا القبيل «الإنسان أشبه نفخة. أيامه مثل ظل عابر» (مز 4:144) «الإنسان مثل العشب أيامه» (مز 15:103) إن أقوالاً كهذه من التي تصف قصر حياة الإنسان على الأرض ليست جديدة أو غير معروفة لدى المؤمنين بخلود النفس، وإنه لأمر خطير وغير طبيعي في الواقع أن تكون مخلوقات الله هكذا موضوعة «للبُطل» إذا غضضنا النظر عما يحدث لها بعد الموت. إنه ولا شك موضوع خطير يستحق التفكير والتأمل. فالنقطة الرئيسية في الموضوع هي ذلك الخراب والدمار الذي حل بالخليقة الأولى بدخول الموت. هذا ما يعطي لقصر تاريخ الإنسان الأرضي خطورته القصوى.
والفصول الأخرى تكاد لا تختلف في مغزاها عن تلك التي اقتبسناها. فهي تتكلم عن الإنسان باعتباره مرتبطاً بالعالم الذي هو عابر فيه. فالقول «أسبح الرب في حياتي، وأرنم لإلهي ما دمت موجوداً» (مز 2:146) والقول «قبل أن أذهب فلا أوجد» (مز 13:39) لا يختلفان في معناهما ولا حتى في مبناهما عن العبارة التي قيلت عن شخص نُقل حتى لا يرى الموت، حيث قيل عن أخنوخ إنه «لم يوجد» (تك 24:5) ومع ذلك فإنه حتى الفنائيون أنفسهم لم يعلّموا بعد بأن أخنوخ قد تلاشى من الوجود حرفياً، الأمر الذي كان يجب أن يصرّحوا به لكي يكونوا منسجمين مع أنفسهم.
كذلك خذ مزمور 3:146،4 «لا تتكلوا على الرؤساء، ولا على ابن آدم حيث لا خلاص عنده. تخرج روحه فيعود إلى ترابه. في ذلك اليوم نفسه تهلك أفكاره» أليس من الواضح هنا كما تدل القرينة أن «أفكاره» التي تهلك إنما هي الخطط والمقاصد التي تعلقت بها آمال مَن كان يرجـو الإفـادة من إتمامها وإذا بالمـوت يخطـف صاحبـها فجـأة فيضـع حـداً لهـا جميعاً؟
كذلك هناك طائفة من الفصول مختلفة عن هذه بعض الشيء. مثال ذلك مزمور 5:6 «لأنه ليس في الموت ذكرك. في الهاوية (القبر) من يحمدك؟» وكذلك مزمور 17:115 «ليس الأموات يسبحون الرب، ولا مَن ينحدر إلى أرض السكوت» أو ذلك الفصل في إشعياء 18:38، 19 «لأن الهاوية (القبر) لا تحمدك. الموت لا يسبحك. لا يرجو الهابطون إلى الجب أمانتك. الحي الحي هو يحمدك كما أنا اليوم. الأب يُعرِّف البنين حقك».
هذا الفصل قد يتطلب منا شيئاً أعمق من التأمل، وذلك لأننا لم نتعود على التطلع إلى هذه الأمور من الزاوية التي كان يتطلع إليها الإسرائيلي التقي، الذي كان يرنو إلى اليوم الألفي كما سبقت الإشارة - اليوم الذي سيملك فيه البر، وتمتلئ الأرض بمعرفة الرب كما تغطي المياه البخر - يوم «جماعة الأبرار» التي لا يقوم فيها الخطاة أو الأشرار (مز 1) - ذلك ما كان يتوقعه إيمان الأتقياء في ذلك العهد وهو ما يتوقعه إيماننا أيضاً مع الفارق أن إيمانهم كاد يكون قاصراً على هذا الحد، لأن معرفتهم بالأمور السماوية كانت غامضة جداً. ذلك كان الأفق المجيد الذي يمتد إليه بصر إيمانهم. وهو الذي منه وبسببه تصاعدت من أفواههم وقلوبهم تسبيحات «الهللويا» التي تبدأ وتنتهي بها الخمسة المزامير الأخيرة انتظاراً وتوقعاً نبوياً لذلك المشهد الأرضي البهيج السعيد. ذلك كان مطمع كل إسرائيلي تقي في تلك الأيام. إن تسبيح الرب وحمده على الأرض، وتربية الأبناء لخدمة مقادسه، والصعود إلى ذلك الهيكل حيث كان مجد الرب يسكن بصورة مرئية - ذلك كله كان مقترناً عنده بكل فكرة تتعلق بحمد الرب. وإنك لترى ذلك جلياً في ذلك الاقتباس الأخير من إشعياء «الأب يُعرِّف البنين حقك». أما الموت فكان يضع حداً لهذا كله ويوقف كل تسبيح وحمد. «في الهاوية (القبر) مَن يحمدك؟» كلا. الأحياء فقط هم الذين يفعلون ذلك.
أضف إلى هذا أن طول الأيام كان بركة من بركات العهد القديم، وقطع الإنسان في منتصف أيامه، كما جاء التهديد لحزقيا، كان دليلاً على الغضب الإلهي، هذا ما كان يجعل اليهودي التقي يبغي طول العمر ويفزع من سكون القبر. أما مزمور 115 فهو مزمور نبوي يتطلع إلى يوم آتٍ فيه ستتطهر الأرض بدينونة تُلاشى منها الخطاة. وهذا ولا شك ما يُشار إليه في هذا المزمور وأمثاله.
ولكن العهد القديم يحتوي مع ذلك على فصول مليئة باليقين والرجاء، ونكتفي هنا بأن نشير إلى واحد منها «باد الصديق وليس أحد يضع ذلك في قلبه. ورجال الإحسان يُضمُّون، وليس من يفطن بأنه من وجه الشر يُضَم الصديق. يدخل السلام. يستريحون في مضاجعهم. السالك بالاستقامة» (إش 1:57، 2).
إن الذين لا يمكنهم التسليم بأن لغة الكتاب لا معنى لها، والذين لا يضعون المر مكان الحلو أو الظلام مكان النور، لا يمكنهم قطعاً أن يقبلوا أن «السلام» (هنا) و«الراحة» (في أيوب) معناهما الفناء أو العدم! إن قولاً كهذا يكون مرادفاً للقول إن «الموت الثــاني» - الموت الأبدي - هو السلام الأبدي! وهذا قول لا يقوله عاقل.
جون وسيم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-27-2012, 02:08 AM   #14
جون وسيم
خادم للجميع
 
الصورة الرمزية جون وسيم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2011
الدولة: مع المسيح
العمر: 37
المشاركات: 8,056
معدل تقييم المستوى: 14
جون وسيم عضو جديد
افتراضي رد: سلسلة : الإنسان والحالة الأبدية

مشاركة
14
شأول، والهاوية، والفردوس
Sheol, Hades, Paradise
الآن فيما هو في الواقع نقطة ثانوية ولكنها تساعد على إعطاء صورة كاملة للتعليم الكتابي الذي نحن بصدده بشأن خلود النفس.
إن كلمة «الهاوية» ترد كما سبق ورأينا في قصة لعازر والرجل الغني. والكلمة المرادفة لها في العهد القديم هي شأول. أما كلمة «الفردوس» فنجدها في جواب الرب للص التائب على الصليب وفي 2كورنثوس 12 حيث يخبرنا الرسول أنه يعرف إنساناً في المسيح اختطف إلى الفردوس.
ويكاد يتفق الكتّاب الماديون من جماعة الفنائيين في ترجمة هذه الكلمات الثلاث. فكلمة الهاوية عندهم (وبالطبع كلمة شأول) معناها القبر. أما الفردوس فهو عند أغلبهم مكان البركة في الأرض الجديدة، وبالتالي لا علاقة له بحالة متوسطة (بين الموت والقيامة) ولا وجود له في الوقت الحاضر حتى يمكن أن يُؤخَذ أحد إليه. والبعض منهم ينشق على هذا الرأي قائلاً إن الفردوس مكان في السماء وهم في هذا كتابيون أكثر من أولئك الذين يخالفونهم الرأي وإن كانوا يرحبون بهم باعتبارهم شركاء لهم في هذه القضية.
ولنبدأ بكلمة شأول. إنها كلمة تبدو مشتقة كما يدل ظاهرها من كلمة "شأل" أو "سأل" (لأن الشين في العبرية تقابلها السين في العربية كما في كلمة شالوم ومعناها سلام أو شاليم ومعناها ساليم وهكذا) والمقول بصفة عامة إنها تستمد معناها من طبيعة الموت الذي لا يشبع فهو دائماً "يسأل" أو يطلب ضحاياه. ويعلل آخرون هذا المعنى بما يبدو على الأقل مساوياً لهذا التعليل من حيث درجة الترجيح وهو أنه مستمد من طبيعة الموت منظوراً إليها من زاوية أخرى وهي زاوية جهل الناس به وبالتالي زاوية "التساؤل" عنه كما في أيوب 10:14 «الإنسان يسلِّم الروح، فأين هو؟».
والمعترف به بصفة عامة أن كلمة شأول مرادفة لكلمة الهاوية، ومعناها، كما يبدو من مصدر اشتقاقها المرجح الوحيد، هو "غير المنظور" - أو العالم غير المنظور كما يقول الناس أحياناً. وهي في اللغة اليونانية العادية hades تنطبق على منطقة أرواح الراحلين، وهو انطباق يتفق مع المفهوم الفريسي لهذه الكلمة كما تشهد بذلك المقالة المنسوبة إلى المؤرخ يوسيفوس سواء أكانت هذه النسبة إليه صحيحة أم غير صحيحة. وهذا يقابله تماماً الاستعمال الكتابي لكلمة الهاوية في لوقا 16 (قصة لعازر والرجل الغني). وقد رأينا في مقال سابق أنه كان من المستحيل أن يستخدم الرب مجرد عقيدة خرافية أو وثنية تتعلق بوجود أرواح الراحلين بعد الموت (مؤمنين وغير مؤمنين) بدون أية إشارة أو تعليق إلا إذا كانت تعبِّر عن الحقيقة الواقعة، بل إن بولس أيضاً يعلن نفسه فريسياً في هذه النقطة وأمثالها. وهذه هي عقيدتنا التي لن يستطيع أي اتهام لنا بالوثنية أو الفريسية أن يزحزحنا عنها قيد أنملة. إنه لا العقيدة الوثنية ولا الفريسية كانت صحيحة في هذه النقطة ولكن العقيدة الفريسية كانت على الأقل أكثر استقامة من الفلسفة الصدوقية التي تتفق معها عقيدة الفنائيين في نقاط كثيرة.
أما كلمة «الهاوية» فمعناه أوسع كما رأينا وكما سيتجلى لنا في سياق تأملاتنا. ولكن إن جاز استخدام هذه الكلمة مجازياً في مجالات أخرى إلا أنها في علاقتها بالإنسان ليس لها إلا معنى واحداً لا تحيد عنه إطلاقاً. وهذا المعنى ليس هو القبر أبداً، كما يزعمون، ولو أنه من الطبيعي جداً استعارة القبر للتعبير عنها مجازياً. ومع ذلك فهي دائماً متميزة عنه في علاقتها بالنفس كعلاقة القبر بالجسد. وذلك واضح من التعبير المعروف الذي يربط دائماً بين الاثنين «الموت والهاوية» لأننا في القول «وسلّم الموت والهاوية الأموات الذين فيهما» (رؤ 13:20) نجد الموت يقف بطبيعة الحال مرتبطاً بالجسد الميت في حين تقف الهاوية - العالـم غير المنظور - مرتبطة بالنفس أو الروح. وكذلك الاقتباس الخاص بالسيد له المجد في أعمال 27:2 «لن تترك نفسي في الهاوية» يشير إلى النفس في حين يشير الجزء الباقي «ولا تدع قدوسك يرى فساداً» إلى الجسد. وهكذا يميز بينهما الرسول بطرس في تفسيره للاقتباس المبارك قائلاً «إنه لم تُترك نفسه في الهاوية ولا رأى جسده فساداً».
هذا يوضح ثمانية من الأحد عشر فصلاً الواردة فيها كلمة الهاوية في العهد الجديد. أما الثلاثة الباقية فأولها متى 18:16 «وأبواب الجحيم لن تقوى عليها». هذه في الواقع لا تتضمن أية صعوبة فهي على الأرجح مستعارة من إشعياء 10:38 حيث نجد «أبواب الهاوية» أو «شأول» والفصلان الباقيان هما في الحقيقة واحد «وأنت يا كفر ناحوم المرتفعة إلى السماء! ستُهبَطين إلى الهاوية» (مت 23:11؛ لو 15:10).
أما استعمال كلمة "شأول"، ولو أنه شبيه بهذا، إلا أنه غامض بعض الشيء. وهذا راجع إلى طبيعة العهد القديم التي لاحظناها وأشرنا إلى أسبابها ومبرراتها. ومن الطبيعي جداً أن يجد الماديون فيها فرصتهم ويستخدمونها لأغراضهم - كما يفعلون - ولو أنهم لا يصيبون من ورائها نجاحاً يذكر. وها نحن نشير في إيجاز إلى فصول العهد القديم التي وردت فيها كلمة "شأول". فقد رأينا مزمور 10:16 يقتبسه الرسول ويطبقه ويفسره. ويتحدث يعقوب عن نزوله نائحاً إلى الهاوية (شأول) إلى ابنه يوسف (تك 35:37). وهذه العاطفة طبعاً تفقد كل قوتها لو كان معناها النزول إلى الفناء. وإذا قارنا هذه العبارة بكلمات داود المماثلة بشأن ابنه «أنا ذاهب إليه وأما هو فلا يرجع إلىّ» (2صم 23:12) فإن حقيقة الوجود فيما وراء القبر تتجلى واضحة وبقوة عظيمة.
كذلك نجد تعبيرات مثل «أعماق الهاوية» (أم 18:9) و «الهاوية السفلى» (مز 13:86؛ تث 22:32) - حيث يقال في الفصل الأخير في تثنية أن نار غضب الله تتقد إليها. ثم في عاموس 2:9 «ولو نقبوا إلى الهاوية» الأمر الذي يدل على أن القبر لا يمكن أن يكون هو الأمر كله هناك. وهكذا حتى في شأول أو الهاوية لا يوجد مهرب من حضرة الله (مز 8:139) «إن فرشت في الهاوية فها أنت!» - فهل يمكن أن يكون هذا فناء أو عدم وجود؟
يقيناً أنه سيُلتمس لنا العذر إن نحن لم نتتبع بدقة أقوال أولئك الذين أتعبوا أنفسهم محاولين ببحوث ودراسات علمية إثبات أن شأول (أو الهاوية) هي «مسكن الغنم الميت»، أو «موضع عظام الناس» أو «أسلحة الحرب»! أما عن الأمر الأول: فهناك نص واحد يأتونك به وهو الوارد في مزمور 14:49 حيث يقال «مثل الغنم للهاوية يساقون». وعن الثاني: يأتونك بنص وارد في مزمور 7:141 حيث يقال «تبددت عظامنا عند فم الهاوية» الأمر الذي يؤكد لنا حسب زعمهم أن «عظام الموتى ترسل بالموت إلى الهاوية»! في حين يؤكد صاحب المزمور العكس إذ يقول واضحاً أن العظام خارج الهاوية. أما عن الأمر الثالث: فإن منهم من يتخذ التشبيه الوارد في حزقيال 27:32 للتدليل على أن الناس ينزلون إلى شأول (أو الهاوية) بأسلحة حربهم وبسيوفهم موضوعة تحت رؤوسهم! ولو أخذنا بمنطقهم فإننا نقول إنه إذا كان يعقوب يتحدث عن النزول بشيبته نائحاً إلى الهاوية فإنه يتحتم علينا الإيمان بأن الهاوية هي مسكن الشعر الشائب! وهكذا قورح وجماعته ينزلون أحياء إلى الهاوية إذ ابتلعتهم الأرض أحياء وهذا عندهم دليل قاطع على أن أجساد الناس تذهب إلى الهاوية!
إن الوقت يعوزنا لنتتبع هذه الخيالات والأوهام. فلنمر عليها مرَّ الكرام. وإنما نحن نؤكد مطمئنين أن الشعور والوعي في الحالة المتوسطة بين الموت والقيامة هما نصيب النفس استناداً على النصوص الكتابية التي تأملنا فيها، وإذا كانت النفس هي كائن حي مستقل عن مجرد الجهاز الجسدي فإنه لا يمكن أن يكون هناك أدنى شك في أن الهاوية ليست هي القبر. كما أنه لا يوجد أدنى شك في أنها ليست العدم أو الفناء.
والقول إننا نجعل الهاوية «أرض الأحياء» بجعلنا إياها مكان استقبال نفوس الناس بعد الموت لا يحقق هدفاً، فإن جوابي على ذلك هو أنه وإن كان حقاً أن أرواح الأموات حية إلا أنها مع ذلك أرواح الأموات، ونحن بالضرورة وبالحق نتكلم عن الهاوية باعتبارها مسكن الأموات فهم عندنا أموات، وإن كانوا موجودين ولم يفنوا، وعند الله أحياء.
إن شيئاً واحداً يمكن اعتباره منطوياً على صعوبة حقيقية فيما يتعلق بالهاوية (وهو المرتبط بحادثة قورح) وهذه سنعالجها بعد التأمل قليلاً في الكلمة الثالثة:
«الفردوس». إن الأهمية العظمى التي لكلمة «الفردوس» في الموضوع الذي نحن بصدده مستمدة من استخدام سيدنا لها في جوابه للص التائب «الحق أقول لك (إنك) اليوم تكون معي في الفردوس»
ونحن نعرف طريقتهم في معالجة هذا النص وذلك بتغيير مقاطعه حسب هواهم. فهم يريدوننا أن نقرأه هكذا: "الحق أقول لك اليوم (إنك) تكون معي في الفردوس" أعني "اليوم، يوم تواضعي هذا، أقول لك" ولكن ترتيب الكلمات في النطق الكريم ضدهم على طول الخط. فلو أن النبرة كانت على كلمة اليوم كما يزعمون لكان مكانها في أول الكلام قبل الفعل كما هو الحال في الأمكنة التالية في الأصل اليوناني (مت 3:16؛ مر 30:14؛ لو 5:19، 9؛ أع 33:13؛ عب 7:3، 15). أضف إلى هذا أن الرب يجيب على طلبة فيها وقت يريد اللص أن يُذكر فيه. فقد قال «اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك». وكأن الرب يجيبه "لن تنتظر حتى ذلك الوقت. إنك اليوم تكون معي". هذا هو السبب البسيط المعقول لتحديد الوقت. «اليوم»، وليس فقط متى جئت، «تكون معي في الفردوس».
قيل أيضاً "هذا اليوم" (هكذا يترجمون كلمة اليوم) معناه يوم المسيح القادم. كذلك يقولون إن الفردوس هو في الأرض الجديدة ولذلك فهو غير موجود الآن، وهذا بالطبع معناه استبعاد هذا النص الكريم من أي تعليم خاص بالحالة المتوسطة.
والآن أذكر في إيجاز ما يتضمنه الكتاب عن الفردوس: «الفردوس» كلمة شرقية معناها بستان أو متنزه أو «أرض مسرة» والكلمة العبرية المقابلة لها "باردس" Parades وردت فقط في نحميا 8:2؛ جامعة 5:2؛ نشيد الأنشاد 13:4 وهي ليست الكلمة المستعملة في سفر التكوين للتعبير عن جنة عدن التي يُعبَّر عنها هناك بالكلمة العبرية العادية القريبة في لفظها من كلمة جنة gan غير أن الترجمة السبعينية تستعمل هنا كلمة "باراديسوس" paradeisos وهي الكلمة التي تستعملها هذه الترجمة باستمرار للتعبير عن جنة عدن أو جنة الله إلا في مكان واحد حيث تستعمل كلمة جنة العادية. وما من شك في أن استعمال العهد الجديد للكلمة "باراديسوس" مشتق من استعمال للترجمة السبعينية لها وإن كنا سنرى كما هو الحال في معظم الأحيان - أن كلمة العهد القديم «فردوس» تترقى في العهد الجديد كما هي العادة إلى معنى أسمى، فالرمز في العهد القديم يصبح المرموز إليه في العهد الجديد، «ظل الخيرات العتيدة»، يضيء بلمعان وهاج فيصبح الحقيقة بعينها. وقد وردت هذه الكلمة الجميلة ثلاث مرات فقط في العهد الجديد:

لوقا 43:23 «اليوم تكون معي في الفردوس»

2كورنثوس 4:12 «أنه اختطف إلى الفردوس»

رؤيا 7:2 «شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله»
ونلاحظ أن ذكر شجرة الحياة في المرة الثالثة الأخيرة مرتبط بطبيعة الحال بأورشليم السماوية التي يجيء وصفها فيما بعد، وهي على الأقل، ليست الأرض الجديدة، مهما كان ارتباطها بتلك الأرض.
والنص الثاني يتحدث عن الفردوس باعتباره موجوداً الآن، لأن بولس اختطف إليه، أفي الجسد أم خارج الجسد ليس يعلم حتى وهو يكتب تلك الأقوال وبديهي أنه إذا كان بولس يرى إمكانية خطفه إلى الفردوس جسدياً فمعنى هذا أنه كان يؤمن أن الفردوس مكان قائم فعلاً، أما الحجة بأنها كانت مجرد رؤيا فلا تستطيع أن تقف على قدم هنا. إن الرؤى أو المناظر هي الأشياء التي رآها هناك وليس الفردوس أو السماء الثالثة.
ولكنه يقال إن هذا الفردوس لا يمكن أن يكون جزءاً من الهاوية وأن الناس تبعاً لذلك مضطرون إلى الافتراض أن هناك فردوسين! إن الحقيقة هي أنه فردوس واحد لا ثاني له في كل الكتاب ولكن مرجع الصعوبة هي أن الناس يدرسون لاهوت العلماء الربانيين أكثر من دراستهم للكتاب. إن المعروف والمعترف به من الجميع هو أن "هادس" أو الهاوية ليس معناها سوى "غير المنظور" وأنها لا تعني مطلقاً مكاناً محدداً. إن محاولة تحديدها بمكان هو سبب ارتباك وتشويش أفكار الناس بشأنها. هذا هو كل ما هنالك.
ولكنهم يقولون أليست "هادس" أو الهاوية في «قلب الأرض»؟ ولماذا؟ لأن الأرض ابتلعت قورح وجماعته والبرهان على ذلك أنهم «هبطوا أحياء إلى الهاوية» كما يقول الكتاب في سفر العدد 3:16، وألا يكون من حقنا - إذا سرنا وراء هذا المنطق - أن نقول إن الهاوية هي بطن الحوت لأن يونان يقول إنه صرخ «من جوف الهاوية»؟ إن فكرة "الغير المنظور" الغامضة تأبى بالضرورة مثل هذا التحديد المكاني. صحيح أنه كان سائغاً وطبيعياً قبل أن يجيء الإعلان الكامل عنها في العهد الجديد أن يُستعار خيالها من ذلك القبر الذي كانت ترتبط به بالضرورة في مخيلة الناس وأذهانهم ومن هنا كان تصورهم لها بأنها "تحت" أو أسفل بحيث أن النفوس تنزل إليها أو تصعد منها.
أضف إلى هذا أن هذا التصور فيه جانب كبير من الحقيقة وله ما يبرره. وذلك لأن الهاوية هي في الواقع نزول من مركز الإنسان وانحطاط وهبوط من مكانه الطبيعي على الأرض.
أما العهد الجديد فيرفع من أمام المؤمن برقع "غير المنظور". إنه ينطلق ليكون مع المسيح، والمسيح ليس في قلب الأرض. بل إن نفس اسم الهاوية يكاد يختفي ولا يبقى له أثر في قاموس المؤمن. وهكذا نرى المشهد الرائع الجميل في صليب ربنا ومخلصنا يسوع المسيح حيث يبدأ البرقع في الانقشاع بقوة ويقين. وهناك نسمع الكلمة الخالدة «اليوم تكون معي في الفردوس» تبدد ظلمة وغموض أقوال العهد القديم. ويا له من أمر محزن حقاً أن يرفض الناس ما يأتيهم به الإعلان الجديد من تعزية ونور وإشراق ويتشبثون بالظلمة التي لا مكان لها أمام الإيمان.
هذا وقول الرب بعد قيامته إنه «لم أصعد بعد إلى أبي» لا يتعارض مع فكرة وجوده في الفردوس في الحالة المتوسطة (بين موته وقيامته)، وذلك لأن «الصعود» شيء آخر غير انطلاق الروح إلى الله. إنه مرتبط بالنصرة على الموت وليس بالخضوع له. فداود لم يصعد طالما بقي جسده في القبر. وكم هو من اليسير في حالة الرب أن نرى الفرق الذي لا يعبَّر عنه! إن انطلاق الروح كان الشهادة على الخضوع للموت في كامل حقيقته في حين كان الصعود الشهادة على قبول ذلك العمل الكفاري المجيد وعلى أن الإنسان كإنسان قد انتقل إلى مكانه الجديد عند الله ومع الله.
جون وسيم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-27-2012, 02:12 AM   #15
جون وسيم
خادم للجميع
 
الصورة الرمزية جون وسيم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2011
الدولة: مع المسيح
العمر: 37
المشاركات: 8,056
معدل تقييم المستوى: 14
جون وسيم عضو جديد
افتراضي رد: سلسلة : الإنسان والحالة الأبدية

مشاركة
15
سلطان المكتوب واستخدامه
الآن في المصائر النهائية الأبدية، أي الحياة الأبدية أو الموت الأبدي. وهنا نجد طائفتين من المعارضين للعقائد المعروفة بين عامة المسيحيين. الطائفة الأولى، وهي التي يطلق عليها عادة جماعة "الفنائيين" وإن كانوا هم يفضلون أن يطلقوا على عقيدتهم "الخلود المشروط" - أي المقيد بشرط. والطائفة الثانية، هم الذين ينادون بتعليم خلاص جميع البشر بعد دهور متفاوتة من العذاب المطهري.
ولا شك أن التأمل في هذه الأقوال المتعارضة يسير بنا في اتجاهين مختلفين إلى آخر حد. نقطة واحدة يتلاقى فيها هؤلاء المعارضون وهي تمسكهم جميعاً بالتعليم الذي يطلقون عليه عادة الاسم الكتابي «رد كل شيء» كما يتلاقون في محاولة تدعيم نظرياتهم بحجج عاطفية أو أدبية يسوقونها ضد العقائد المسيحية العادية. والقلعة التي يحتمي وراءها كتاب الفريق الأول يجدونها في النصوص الكتابية التي تتحدث عن الحياة الأبدية باعتبارها نصيب المُخلَّصين وعن الموت والهلاك الأبدي باعتباره نصيب غير المُخلَّصين. أما قلعة الفريق الثاني فيجدونها كما يعتقدون في النصوص التي تتحدث عن مصالحة كل شيء. ولما كان غرضنا تبيان وجهة نظر الكتاب استناداً على الكتاب نفسه، ولما كانت أقوال الكتاب بمعناها الكامل لا تُفهم على وجهها الصحيح إلا في مكانتها وطبقاً لقرينتها، فإن السبيل الوحيد للوصول إلى الحقيقة، ومواجهة جميع الاعتراضات والحجج التي تهب من أي جانب، يتلخص في التأمل في تعليم الكتاب نفسه. والحق أن هذا السبيل دون سواه هو وحده الذي يُرضى كل من تحتل كلمة الله في فكره وفي قلبه مكانها اللائق بها وسلطانها الواجب لها. بهذا وحده يبقى الحق أمامنا باستمرار، وبهذا وحده تُحفظ نفوسنا في حضرة الله الذي أعطانا الحق وليس في حضرة الأفكار والتخيلات البشرية التي بلا أساس.
إنني لا أجزع أو أتراجع أمام الحجج العاطفية أو الحجج الأدبية. ولكن لمناقشة هذه الحجج يتحتم علينا أولاً أن يكون أمامنا نص التعليم الذي ينادي به المعترضون ثم يأتي دور الكتاب الذي يجب أن يسلّط نوره أيضاً على هذه "الحجج الأدبية" حتى يكشف ما بها من مغالطات.
فجدير بنا إذن، في المكان الأول، التأمل في سلطان المكتوب في هذا الموضوع الجلل، ذي الأهمية الكبرى لنفوسنا، الذي لا يتناول عقائدنا بشأن مصير الإنسان الأبدي فحسب بل يتناول صفات الله نفسه. والسؤال عن سلطان المكتوب يتضمن بطبيعة الحال سؤالاً آخر وهو: ما هو الشيء في المكتوب الذي له هذا السلطان: أهو النص، أو إن شئت فقل، أهو "حرفية" الكلمة، أم هو ما يسميه البعض "أقوال الله في خطوطها العريضة" بالمقابلة مع حرفية الكلمة؟ إلى أي شيء من هذه يكون الاحتكام؟ وهل الخطر في التدقيق أكثر من اللازم أم أقل من اللازم؟
ذلك أن أحد كتابهم المشهورين كتب يقول (وهو مخطئ فيما يقول): "بما أننا في تدبير الروح القدس .. فإن مرشدنا هو أقوال الله في خطوطها العريضة، إعلان الله في وحدته المجيدة، أسفار الله في بساطتها الأبدية مقروءة في ضوء وإنارة روح المسيح الساكن فينا ما لم نكن مرفوضين، إن مرشدنا ليس - ولن يكون - ما يسميه الكتاب «الحرف يقتل» - ذلك الفهم الاستبدادي الواقعي لاستعارات ومجازات غامضة أو كلمات منعزلة معصومة من الخطأ".
إن هذا الكلام في حقيقته يتضمن وضع روح الله والإنارة التي يعطيها في موقف المتعارض مع كلماته الفعلية إذا كانت تلك الكلمات تعني بوضوح شيئاً آخر غير الإنارة. ومثل هذا التفكير يكاد يكون قريباً من الادعاء بوحي يجعل النصوص الكتابية تعنى أي شيء يوافق هوى المُفَسِّر ومزاجه. وهو مبدأ يحرمنا من أعظم سند لنفوسنا، بل يجرِّدنا من ذات السلطان الذي به وحده نستطيع أن نفصل في الأمور المتخالفة. إن الرسول يخبرنا أن الأمور التي كان يتكلم عنها لم تكن «بأقوال (كلمات) تعلمها حكمة إنسانية بل بما يعلمه الروح القدس» وإنه لمن العجب حقاً أن نجعل الروح القدس متعارضاً مع «كلماته»! إننا إلى هذه الكلمات نحتكم وهي وحدها دستورنا الإلهي وهي الفيصل المُطاع في كل الشئون.
ومما يجدر بالملاحظة فوق هذا أن الرسول نفسه الذي يشهد عن «كلماته» بأنها من تعليم الروح القدس، هو ذاته الذي يخبرنا أن «الحرف يقتل» وإذا لم نأخذ هذا النص منعزلاً فإن القرينة تدلنا على معناه الصحيح. نجد هذا النص في 2كورنثوس 6:3 وهو في العدد السابق له يجري هكذا: «ليس أننا كفاة من أنفسنا أن نفتكر شيئاً كأنه من أنفسنا، بل كفايتنا من الله، الذي جعلنا كفاةً لأن نكون خدام عهد جديد. لا الحرف بل الروح. لأن الحرف يقتل ولكن الروح يحيي».
فإذا تأملنا في الأعداد السابقة للنص الذي اقتبسناه نجد الرسول يتكلم مقارناً الكتابة على «ألواح حجرية» مع كتابة روح الله الحي «في ألواح قلب لحمية». وإذا مضينا إلى الأعداد التالية للنص نجده يتكلم عن الكتابة الأولى باعتبارها «خدمة موت منقوشة بأحرف في حجارة» مُعطاة لبني إسرائيل على يدي موسى، وعن الثانية، بالمباينة مع الأولى، باعتبارها «خدمة الروح»، وفي العدد التالي أيضاً يسمي الواحدة «خدمة الدينونة» والأخرى «خدمة البر».
واضح لأول وهلة إذن أن الرسول بعبارة «الحرف» الذي «يقتل» كان يتكلم عن «خدمة الموت» وهذه باعتبارها منقوشة «في حجارة» هي الناموس وليست شيئاً آخر. وهذا ما يقارنه مع «العهد الجديد» أو الإنجيل باعتباره «خدمة البر» و«خدمة الروح». إن الناموس (الحرف) يقتل. لقد كان الهدف من الناموس، بإعلانه لما يطلبه الله من الإنسان، أن يعطي للإنسان حكم الموت في نفسه. وفي هذا يقول الرسول «لما جاءت الوصية عاشت الخطية فمت أنا» (رو 9:7) أما الإنجيل فمهمته «خدمة البر» أي أنه يقدم البر، لا أن يطالب به، وهكذا كان الإنجيل حياة للنفوس وليس موتاً. ففي الواحد نجد «الحرف» (مجرد الوصية) يقتل» بينما في الآخر نجد قوة الروح عاملة، معطية حياة. وبولس كان خادم «العهد الجديد» وليس العهد العتيق - «لا الحرف بل الروح».
ولكن المعارضين يستعملون عادة كلمات معزولة - يستخدمونها بعيداً عن قرينتها لتثبيت مبادئ لا تمت إليها بأية صلة. وبذلك يضعون الأقوال التي علَّم بها الروح القدس موضع التعارض مع الروح القدس الذي علَّم بها. وبدلاً من التمسك بالنص الموحى به يأتوننا بنوع من الإرشاد الوهمي الذي ينكر على المكتوب دقته الحرفية.
أما نحن فقد تعلمنا أن سبيلنا إلى التمييز بين «روح الحق وروح الضلال» إنما هو مدى ما نحققه في حياتنا الروحية من كوننا "سامعين" أو "غير سامعين" لرجال الله الذين أعطاهم الوحي ليوصلوه إلينا (1يو 6:4). لقد تعلمنا من مسلك البيريين الأشراف أن «نفحص الكتب كل يوم» لنعرف هل هذه الأمور هكذا. كما تعلمنا من رسول الأمم العظيم أن ذات «الكلمات» التي أعطانا إياها هي من تعليم الروح القدس.
وليس هذا هو رأيهم في المكتوب فقط بل من آراء ذلك الكاتب نفسه، أنه بجانب الكتاب المقدس هناك كتب مقدسة كثيرة Bibles مثل التاريخ، والضمير، والطبيعة، والاختبار، وكلها غير معصومة وكأن الناس هم وحدهم المفسرون المعصومون لهذه المقدسة غير المعصومة! فالتاريخ، في رأيه، واحد من هذه الكتب المقدسة، وإن كان الكاتب لا يقول لنا أين وكيف كُتب التاريخ الذي يقصده، والتاريخ كما نعلم يفيض بالأحداث المتضاربة والتيارات المتلاطمة التي لا تستقر على حال. والضمير، هو كتاب آخر حتى وإن كان يعلم الناس أن ينحنوا أمام الخشب أو الحجر أو الثعابين والتماسيح. والضمير، الذي جعل شاول يقتل قديسي الله ظاناً أنه يقدم له خدمة. والطبيعة، هي أيضاً في اعتقاده كتاب مقدس حتى وإن كان مفسروها من أمثال "هكسلي" أو "دارون". والاختبار الذي أثبت لليهود في أيام إرميا أنهم حينما كانوا يبخرون لملكة السماوات «شبعوا خبزاً وكانوا بخير ولم يروا شراً». هذه جميعها في اعتقادهم كتب مقدسة يجلس عقل الإنسان للحكم على منطوقها الناقص المتناقض ليقرر ماذا يقبل منها وماذا يرفض! وكلمة الله المباركة في رأيهم يجب أن تتخذ مكانها بين هاتيك الكتب، وعلى الإنسان أن يقرر أياً من منطوقها نقبل وأياً نترك!!
وإنه لمن العجيب حقاً أن نسمع من أفواه أولئك الذين يعترفون بمثل هذه الثقة في «إنارة روح المسيح» أن روح الحق قد علم الخطأ أو على الأقل استخدم وسائل ضعيفة وناقصة في توصيل الحق حتى أنه لم يستطع منع اختلاطها بالخطأ. إننا نرفض مثل هذا التعليم التجديفي رفضاً باتاً. إننا نؤمن، على أساس سلطان المكتوب نفسه، أن «كل الكتاب هو موحى به من الله، ونافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر، لكي يكون إنسان الله كاملاً، متأهباً لكل عملاً صالح» (2تي 16:3، 17). إننا نؤمن بإعلان إلهي حقيقي معطى لنا من إله حق لا يستطيع أن يكذب - إله لا يعطينا حجراً بدل الخبز، ولا يضع الظلمة بدل النور، أو النور بدل الظلمة. إننا نستطيع بروح الطاعة أن «نفحص» هذه الكتب، شاعرين بضعفنا وجهلنا، ولكن واثقين بإخلاص في إلهنا الذي يؤكد لنا أنه «إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف التعليم، هل هو من الله» (يو 17:7).
إن المشاهد التصويرية في الكتاب المقدس للأمور الأبدية هي التي نجد فيها بطبيعة الحال أروع وأدق صور الدينونة الأبدية، وهذه بالذات هي الفصول التي يصعب إلى آخر حد مصالحتها مع النظريات المختلفة التي ينادي بها المضللون. وسفر الرؤيا على وجه الخصوص - ذلك السفر النبوي الذي يستعرض أمامنا مشاهد الأمور الآتية - هو معضلة المعترضين ومصدر متاعبهم بصفة خاصة، فإن الطابع المجازي الذي لهذه الرؤى هو حجتهم لرفض كل ما لا يستطيعون فهمه أو تفسيره. والرأي عندهم أن التمسك بسلطان مثل هذه النصوص إنما هو توكيد لذلك "الفهم الاستبدادي الواقعي لاستعارات ومجازات غامضة"، الأمر الذي يحتج عليه كاتبهم الكبير. ومع ذلك فإن سِفر الرؤيا - شأنه شأن القليل من أسفار الوحي - له عنوانه الموحى به، وهذا العنوان هو «إعلان يسوع المسيح». وكأني بشكاوى الغموض وعدم الوضوح سبقت فوصلت إلى المسامع الإلهية من أعماق المستقبل الذي لم يكن قد ولد بعد فاحتاط لها وهيأ الجواب عليها بالتوكيد أن السِفر هو إعلان، أي بيان حقيقي لأمور آتية «ما لا بد أن يكون». وإني أدعوهم للتأمل في هذه النقطة بالذات وهي أنهم بالأسف يجدون أكبر صعوبتهم في السِفر الذي يدعون المسيح بأنه «إعلانه».
إن الطابع المجازي لا يمكن إنكاره ولكنه الأسلوب الوحيد الذي نجده حينما كان الغرض وصف أمور أبدية. وهذا أمر طبيعي إذ لا يوجد في الواقع طريقة أخرى يمكن بها تصوير هذه الأمور أمامنا نحن البشر سوى طريقة المجاز والاستعارة من الأشياء التي تحيط بنا. ونحن نثق أن ذاك الذي يكلمنا بهذه المجازات والاستعارات لم يقصد أبداً أن يحدثنا بأصعب الطرق وأكثرها غموضاً بل يستخدم الكتاب طريق المجاز ليصور لنا ما يستحيل على أي إنسان بدون هذه الطريقة أن ينطق به (2كو 4:12).
غير أنه وإن كانت الشكوى قديماً من الأنبياء أنهم كانوا يتكلمون بأمثال (حز 49:20) فإنه كان المنتظر من التلاميذ على الأقل أن يفهموا هذه الأمثال. لقد سأل الرب مرة الاثنى عشر قائلاً «أمَا تعلمون هذا المثل؟ فكيف تعرفون جميع الأمثال؟» (مر 13:4) لا شك أنه من المخزي لنا أن نشبه أولئك الذين قيل عنهم «مبصرين لا يبصرون وسامعين لا يفهمون». إن الرب لا يخادعنا فهو لا يدعونا أن نرى ما يمنعنا من رؤيته أو فهمه.
جون وسيم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
المتحدة, الإنسان, سلسلة, والحالة


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: سلسلة : الإنسان والحالة الأبدية
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
"شباب ماسبيرو" يعد ملفًا شاملا عن أحداث 9 أكتوبر لإرساله لـ "حقوق الإنسان بالأمم المتحدة" الحياة الابدية ارشيف الاخبار المسيحية 0 11-03-2011 04:21 PM
الشبكة المصرية لحقوق الإنسان تطالب الأمم المتحدة بتحقيق دولي في أحداث "ماسبيرو" الحياة الابدية ارشيف الاخبار المسيحية 0 10-12-2011 03:10 AM
الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدين انتهاكات اليمن الحياة الابدية ارشيف الاخبار المسيحية 0 09-29-2011 08:30 PM
وزير الخارجية أمام "الأمم المتحدة": يتعين الإقرار بأن ظلماً تاريخياً وقع على الشعب الفلسطينى.. وموقف "الرباعية الدولية" من طلب فلسطين العضوية الكاملة فى الأمم المتحدة يجسد عجزها الحياة الابدية ارشيف الاخبار المسيحية 0 09-25-2011 01:52 AM

منتديات الحياة الابدية

↑ Grab this Headline Animator


جميع الأوقات بتوقيت GMT +2. الساعة الآن 11:10 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.10 Beta 1
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات الحياة الابدية
|